فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

الموسيقى المبكرة

 

باليسترينا: فرادة الحنجرة البشرية

(31/8/2001)

 

قبل أقل من أربعة عقود كان مصطلح الموسيقى المبكرة Early Music يقتصر على ذوي الاختصاص. و إصدارات شركات التسجيل محدودة تماما والموسيقيون الذين يعنون بهذا الحقل لا يتجاوزون أصابع اليد. كانت مرحلة الباروك هي أبعد مرحلة تاريخية يصلها احتفاء المحبين، و أبطالها: باخ، هاندل، ڤيڤالدي، تيليمان، في الصدارة.
اليوم طاول الاحتفاء المرحلة المبكرة، فأحيطت من قبل الموسيقيين والباحثين وشركات التسجيل بال
إضاءة والرغبة الملحة بالاكتشاف والتنقيب، حتى بدت عارية، عري مرحلة الباروك، والمرحلة الكلاسيكية، أمام كل عين. فصرنا نعرف تاڤيرنر وتاليس وبيرد ودولاند وباليسترينا ولامبو وڤيتوريا ومونتيڤيردي، كما عرفنا باخ وهاندل. على ان الفترة التي تمتد فيها الموسيقى المبكرة ظلت محيرة ويكاد الإجماع يضعها بين القرنين، التاسع والعاشر حتى 1600.
    ان اللحن الذي يتابع خيطا واحدا بصوت منفرد أو صوت جماعة كان المبدأ الأول. ثم جاء تعدد الأصوات التي تتفاوت ألحانها داخل بهو الكنيسة المفعم بالروح الدينية حيث تنفرد الحناجر البشرية (الكورس) دون آلات موسيقية، ولقد أعطت البروتستانتية دفعة كبرى باتجاه حرية الموسيقي من الانتفاع من الموسيقى الدنيوية ومن الهارموني والتقنيات الأخرى.
الايطالي باليسترينا (1525 ـ 1594) نشأ ونضج تحت ظل البابوية الكاثوليكية وحتى رأى البابا فيه وفي موسيقاه حصنا منيعا في وجه موجات التجديد البروتستانتية التي ذهبت في مداها بعيدا، ولكن من جهة
أخرى، كانت موسيقاه حصنا للدفاع عن الموسيقى ذاتها وإبقائها داخل حرم الكنيسة، في وجه نوبات الشك البابوية لإخراجها منها. ان التضحية بموجة التجديد لصالح تواصل الموسيقى الكنائسية، كانت مهمة باليسترينا السامية في الظرف الصعب. ولقد تكفل الزمن بعد ذلك بحل الإشكال من جذوره.
    يقال عادة ان كل جهود عصر النهضة الموسيقية تصب في باليسترينا، ففي موسيقاه براعة التدفق ودفع فن تعدد الخطوط اللحنية Polyphony في فن القداس وفن الموتيت الى ارفع مستوياته. هنا يكمن سحر فرادة الطبقة الصوتية للحنجرة البشرية، ينتخب باليسترينا عددا متغايرا منها، قد يبلغ الثمانية، ثم يطلقها كقطيع سماوي في وهاد المجهول.. هناك تتساوق وتتقاطع وتتشابك بصورة لا نهائية. أو هكذا تبدو للأذن المرهفة.
    حاول باليسترينا كثيرا ان يطعم موسيقاه الدينية بألحان دنيوية، ولكن بشيء كثير من الحذر. الا انه صرف جهدا مشهودا لهذه الموسيقى الدنيوية تمثل في فن المادريغال المعروف. وهو ضرب من الألحان له جذر في التراتيل الدينية بأسلوب بوليفوني، ويعتمد نصوصا شعرية دنيوية، ازدهر في ايطاليا وانجلترا في القرنين السادس والسابع عشر.
أعمال باليسترينا من فن المادريغال لأربعة أصوات صدرت عن شركةRegent في ثلاث اسطوانات CD تضم الكتاب الأول الذي أصدره المؤلف عام 1555، وفيه تسعة وعشرون عملا (قصائد لشعراء لعل اشهرهم بيترارك وبوكاشيو) والكتاب الثاني الذي أصدره عام 1586. الى جانب مجموعة متفرقة لم يضمها كتاب الطبقات الصوتية الأربع (كاونترتينور ـ 2 تينور ـ باص) لا تقل براعة في الأداء عن مهارة وعفوية باليسترينا اللحنية. على ان الإصغاء لهذا الفن البعيد يحوج الأذن الى دربة عالية دون شك. دربة تسوغ للروح الرغبة بالذهاب المغامر الى المجاهل البعيدة التي تحاولها القوى اللحنية على أوتار الحنجرة البشرية. دون هذه الدربة تبدو الأصوات دوائر لا نهائية التكرار داخل فراغ لا تملأه موسيقى الآلات.
ولد باليسترينا في مدينة استعار منها اسمه بالقرب من روما. وتحت ظلال موسيقى الكنيسة نشأ ودرس ونضج، حتى عين
أستاذ منشدين وعازف أورگن كان قريبا من البابا يوليوس الثالث. ولكن البابا التالي صرفه بسبب زواجه.
    اتسعت شهرته على اثر نشر أعماله في فن القداس وفن الموتيت. ولعل حكاية دفاعه داخل موسيقى الكنيسة عن فن البوليفوني، الذي ارتابت منه البابوية، كانت وراء شهرته أيضا، حتى وضع الموسيقي الألماني بفتسنر عام 1915 أوبراه الشهيرة باليسترينا عن حياته. وهي من الأوبرات المحتفى بها حتى اليوم.
     بعد 1571 فقد باليسترينا ولدين له وزوجته بسبب موجة وباء، حتى دفعه الجزع الى ان يصبح قسيسا، الا انه عدل عن ذلك وتزوج ثانية من امرأة ثرية فاستقامت حياته وواصل نشر نتاجه.
    موسيقاه اليوم على كل رف، متدفقة، ناعمة الخطوط اللحنية وذات غنى في جمال الأصوات. ولعل ابرز خصيصة في موسيقاه إنها اعتمدت، وهي الدينية، على عناصر لحنية دنيوية. وهذه فاتحة عهد جديد سيتطور ويأخذ صيغته الأوفر صحة وعمقا في مرحلة الباروك على يد الألمانيين: باخ وهاندل.


Palestrina: Madrigals (Regent Records) *

 

 

 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail