فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

 

«رامو» و«غلوك» من التسلية إلى الاستثارة الدرامية

(15/6/2001)


    حين وفد فن الأوبرا من إيطاليا إلى فرنسا، قرابة منتصف القرن السابع عشر، وأخذ طابعه الفرنسي على يد لولي (1632 ـ 1687)، كانت أبرز عناصر هذا الطابع كثرة مشاهد الباليه داخل تتابع الأحداث، وقد انتقل هذا العنصر من المسرح الدرامي الإيمائي الذي كان شائعا في باريس.
   هذا الفن الذي بدأ على يد لولي، نضج على يد جون فيليب رامو (1683 ـ 1764) بحق، كان معاصراً لهاندل وباخ، مجددا مثلهما، وينفرد عنهما بتطوير النظرية الحديثة للهارموني، ولكن مساهماته في فن الأوبرا لا تقل شأناً، خاصة في سلسلة تراجيدياته: «كاستر ويولو»، «زورواسترا».
    قائد الأوركسترا «وليم كريستي»، الأمريكي الفرنسي الجنسية، شُغل لسنوات، وما زال، بالأوبرا الفرنسية المبكرة. ولقد أخرج للناس عدداً كبيراً منها، مع اتساع شغفه العام بأوبرا المرحلتين: الباروك والكلاسيكية، وعن دار Erato، المتعاقد معها منذ بدء نشاطه، أصدر لرامو هذه الأيام عملي أوبرا ذات الفصل الواحد، كل منهما تزدحم فيه مشاهد الرقص، داخل مناخ الأساطير اليونانية، لأن الأوبرا آنذاك كانت تعتمد الآداب اليونانية والرومانية مصدراً ملهماً وحيداً.
     الأوبرا الأولى: «الإكليل»، تعتمد واحدة من هذه القصص الرعوية، التي تنتسب إلى الطبيعة الخالصة، بكل ما في الطبيعة من أهواء وأمزجة وعذوبة وسهولة مكسر. الراعي «ميرتل» يخدع حبيبته «زليدة»، فيذبل إكليل الأزهار الذي أودعته على رأسه رمزاً للحب، كما فعل هو معها. يتوسل بـ «كيوبد» ليعيد يناعة الإكليل، إلا أن «زليدة» تكتشف ما حدث، فتأخذ إكليله الذابل، الذي أخفاه، وتستبدله بإكليلها اليانع، فيدهش للمعجزة، إلا أنه يطالب حبيبته برؤية إكليلها الذي ظفره بيده فتمانع، وتزعم أنها خدعت حبه فذبل، لكن الإكليل يزهر بتأثير «كيوبد»، لأن حبهما حقيقي، وهكذا يتدفق كل شيء بعفوية ونقاهة، لأن الأوبرا آنذاك ما كانت لتعنى بغير هذا الاحتفاء البريء بالجمال، وبغير التسلية والإمتاع. الموسيقى فيها تتوزع، بعد الافتتاحية، إلى مشاهد، وكل مشهد يحتوي على عدد من الفعاليات الموسيقية: كلام منغم، أو أغنية، أو قطعة موسيقية للباليه، وتسمى «أرقام»، والمشاهد المستمع حين يريد أن يتعرف إلى الأوبرا، يسأل عن عدد أرقامها.
    في هذه الأوبرا، وفي الثانية التي تعتمد الاسطورة أيضا («زفير» سيد الريح)، لا يشترك أكثر من ثلاثة مغنين في كل واحدة. والموسيقى والأغنيات والأحداث لا تمس أحدنا إلا باستثارة الإحساس بالجمال. لا تتجاوز ذلك إلى استثارة الإحساس بتعارضات الطبيعة، وصراع المشاعر والأهواء داخل الإنسان، هذا الأمر لن يتاح له أن يحدث على مسرح الأوبرا، إلا بعد قرابة نصف قرن، حين خرج من ألمانيا الموسيقي كريستوف غلوك (1714 ـ 1787)، وحاول خطوته الثورية لنقل الأوبرا من حقل العرض الممتع المسلي إلى حقل الدراما المثيرة المقلقة، حيث تتحد الموسيقى بالكلمة الشعرية، ولا يخرج المشاهد إلا كما يخرج من المسرح الدرامي، لكن المشبع بقوى الموسيقى التعبيرية.
    كان غلوك متميز الشخصية، عظيم الثقافة، واسع الخبرة، جاب أوروبا لعشرين عاما، يتشرب بموسيقى سابقيه، هاندل، رامو، هاس، وتعتمل في داخله رغبة تخليص الأوبرا من الزخرف الباروكي، وهيمنة صوت المغني، ومحاولة انتخاب دراما شعرية ذات لغة كلاسيكية واضحة، ونبيلة. إنه أبقى على أدوار الكورس ومشاهد الباليه حين تكون ذات صلة بتطور الحدث، حتى الأغنية (آريا)، عماد الأوبرا، خلصها من طابع (دا كابو) الزخرفي وقربها من الحدث. أول خطوة ناجحة له في هذه المحاولة كانت أوبرا «اورفيو» (1762) الشهيرة حتى اليوم، ثم تتالت أعماله الجديدة وكانت بمثابة جذر حقيقي للموقف الذي أنضجه فاغنر في ما بعد.
    درس غلوك ومارس التأليف في كل من براغ وفيينا وميلان ولندن وباريس، ثم فيينا ثانية، التي مات فيها، في هذه المدينة بدأ مرحلته الجديدة بالتعاون مع الشاعر «كالزابيجي». وفي باريس وضع واحدة من روائعه، هي «ايفجينيا في توريد» (1779)، عن دراما «يوريبيدس» الشعرية، التي تتحدث عن ابنة أغاممنون بعد نفيها هي وأخيها أورستي على اثر مقتل أبيها بيد   زوجته كليمنسترا.
    الأوبرا صدرت عن دار Archiv تحت قيادة مينكوفسكي، الفرنسي المنصرف، مثل كريستي، إلى أوبرا الباروك والكلاسيك. ولقد سبق أن قدم عن الدار نفسها أوبرا «آرميدا» (عرضتُها على هذه الصفحة) للمؤلف نفسه، وأشرك فيها صوت السوبرانو نفسه (ميريل ديلانش)، المتفوقة الدفء والامتلاء.
    في الدقائق الأولى من الأوبرا، ومع الافتتاحية يدرك المستمع مدى القفزة التي أرادها غلوك، مقارنة بالأوبرا الفرنسية السابقة، إنها تبدأ بلحن رقيق سرعان ما ينقلب إلى آخر عاصف متسارع. انه إيحاء بعاصفة مقبلة دون شك، لكنه يهدف إلى تصوير المشاعر المضطربة للبطلة «ايفجينيا»، التي تعبر عنها بعد دقائق في أغنيتها الأثيرة: «أنت، يا من أطلت أيامي/ أعد إليك وديعتك التي أكره»، ثم أغنية الطاغية «ثو»: «أنا المروّع الروح، المأخوذ بالنذير الأسود..»، بإيقاعها المتقطع الأنفاس.
    أحداث الأوبرا: عدم تعرف البطلة إلى أخيها الأسير، ومحاولة تقديمه كأضحية، ثم تعرفها أخيرا، وتخلصها من الطاغية، كلها تعبر خلال هاجس ندبي حزين، تنبض فيه موسيقى لوك، كما ينبض الجسد البشري، لا بفعلها المجرد، بل بفعل التحامها مع كلمات النص الشعري أيضاً.


Rameau: La Guirlande (Erato) < Gluck: Iphigenie in Tauride (Archiv*

 

 

 

 

الخير والشر: معترك داخل الأورگن

(25/5/2001) 


    ما من موسيقي، على حد علمي، لم يتوقف عميقا امام معضلة الخير والشر، خاصة في فنون الأداء، التي تعتمد الأصوات البشرية، مثل الأوبرا وفن الاوراتوريو، والكانتاتا، لأن معالجة هذه المعضلة يتطلب شخوصا وكلاما، إلا ان الموسيقي البارع العميق لا ينطق عن الاهواء المتصارعة عبر الشخوص والكلام، بصورة مباشرة، كما يحدث في المسرح، بل هو يتوسل الموسيقى المعزوفة والمنشدة للتعبير عنها. ان الموسيقى وحدها، بكل طاقات اللحن والهارموني والايقاع، قادرة على ان تستوعب تلك الاهواء وتعرضها على هيئة اصوات مجردة. ان شخوصا شريرة من امثال اياكو في اوبرا «مطبل» لفيردي، وسكاربيا في اوبرا «توسكا» ليوتشيني، هي كائنات حية، ولكن بفضل الموسيقى التي تمثلها وتحيط حضورها وتخرج من فمها، وكذلك الشخوص الخيرة من امثال ساراسترو في اوبرا «الناي السحري» لموتسارت، وفيوليتا في أوبرا «لاترافياتا» لفيردي. إلا ان المعالجة الموسيقية قد تعتمد الاسلوب المجرد عن الكلام، وهو في رأيي الارفع مقاما، لأنه يأخذك خطوة ابعد في اللامباشرة، ومن ثم العمق.
    ان الكثير من موسيقى كوستاف فالر تحاول هذه المعالجة، وكذلك معظم الأعمال الأوركسترالية والمنفردة التي استلهمت عمل «فاوست» الشعري أو المحنة الدينية في حياة السيد المسيح. وهي معالجات، في معظمها، عميقة وقريبة من القلب والعقل، بفعل تماسها مع مشكلات خالدة داخل الكائن الحي، في كل زمان ومكان.
    معي الآن عملان يمثل كل منهما نموذجا للمعالجة، صدرا هذه الأيام. الأول يعتمد الصوت البشري، والآخر يعتمد آلة موسيقية منفردة، وكلا العملين لمؤلفين في الظل، لم أتعرف عليهما من قبل.
    انتونيو كالدارا A. Caldara (1670 ـ 1736)، ايطالي ومن أغزر الموسيقيين إنتاجا في مرحلته الباروكية المتأخرة، وخاصة في فن الاوراتوريو، الذي ألف فيه أربعين عملا، لم يصل إلينا منها غير خمسة وعشرين. نشأ ودرس الموسيقى في فينيسيا، وتسلم منصب الأستاذية في مدن عدة، منها روما ثم فيينا، في بلاطها الامبراطوري، التي بقي فيها قرابة عشرين عاما، حتى وفاته. ان تفاصيل حياته منسية لأنها لم تر الضوء بفعل عدم شيوع أعماله، مع ان العمل الذي بين يدي، وهو بعنوان: «المجدلية بين قدمي المسيح»، فيه من الغنى الموسيقي ما يضاهي أعمالا كثيرة لفيفالدي وتيليمان وهاندل.
    حكاية مريم المجدلية معروفة، فهي امرأة نادرة بين اتباع السيد المسيح، كانت تحيطها الشبهة الأخلاقية ثم برئت، وتحت ظل الصليب جلست ودهنت بالزيت جراح المصلوب، وكان لحكايتها أكثر من اثر في التأليف الموسيقي، عمل كالدارا جوهرة بين هذه الآثار، فالدراما فيه مؤثرة لأن المؤلف استخدم صوتين متعارضين لا يكفان عن الخلاف في شخصي «الحب الأرضي» و«الحب السماوي»، يحيطان توجعات المجدلية الممزقة بينهما. ان معنى الاستعارة في الشخصين إنما تنتسب الى صراع نفسي داخل البطلة. والمؤلف لم يستخدم كورسا كثيرا ولا أداءات من فن الريستتيف، بل ركز على ضربين من تأليف الأغنية: القصيرة جدا، والطويلة التي قد تمتد الى دقائق سبع.
    المؤسف في هذا الإصدار (وهو إعادة بسعر رخيص للتسجيل الذي صدر قبل أربع سنوات) انه دون النص الشعري، والمتابع قد يفتقد الى الكثير من التفاصيل، ولكن مهارة كالدارا وعمق وجدانه لا يخلف فراغا بفعل تأثير الموسيقى منفردة. قيادة ريني جاكوبز جديرة وحدها بكل ثقة، فهذا الموسيقي البلجيكي انصرف منذ عقود لبعث فرائد الموسيقى المبكرة والباروك، منتخبا أروع الاصوات (ماريا كاير، اندرياس شول، برناردا فينك)، ليتحف شركة Harmonia Mundi، التي صدر عنها العمل، بكل مدهش.
    في اصدار آخر، جاء هذه المرة عن Hyperion، لا نقع على صراع الخير والشر في شخصي «الحب الارضي» و«الحب السماوي»، بل على هذا الصراع في قوى لحنية داخل آلة الاورغن العملاقة.
     الموسيقي التشيكي بيتر ايبن (من مواليد 1929) معاصر لنا، لكن تحت الظل، لأنه اقتصر في تأليفه ـ او يكاد ـ على آلة الاورگن (اشتهر بواحدة منها تحت عنوان «نوافذ» استوحاها من أعمال الرسام شاگال). وفي هذا الإصدار يقدم لنا العازف النرويجي الممتاز هالجر شياجر (مواليد 1955)، عملين: الأول «فاوست»، وفيه يكشف المؤلف عن ظلال صراع دفين للقوتين الخالدتين داخل الانسان، هنا جعلهما داخل الاورگن، يطوران الصراع في تسع حركات. ان مفيستو فيليس يبدأ بالصوت المعتم، بعد إطلالة السماء على تحولات الارض بين الضوء والظلام، وبين النهار والليل، والهدأة والعاصفة، يبدأ تحديه. وفاوست منشغل باختبار سحره، وبين فواصل ارخاء لمفاصل المعترك ـ اغنية الشحاذ، ابتهالات عيد الفصح، اغنية الطلبة ـ تطلع علينا البطلة المخدوعة كريتشن في اغنيتين بريئتين، ومشهد ممتلئ بمشاعر الذنب، الى ان تتلاشى الآلام وتصفو الروح في رحاب الله آمنة مطمئنة. يحدث كل هذا في طبقات الاورغن الغنية، بعد الاستعادة تشعر ان لا حاجة للغة الكلام اذا ما تعطلت فلغة الموسيقى ابلغ في الافصاح.
    وضع المؤلف التشيكي هذا العمل عام 1976 بتكليف من مسرح بيرگ في فيينا، وقد اراد، على حد قوله، ان يعبر فيه عن محورية معترك الخير والشر في الانسان الواحد، لأن الفكرة وراء دراما كوته ليست لكتابة مسرحية حول الله والشيطان يحيطان شخص فاوست بالامتحان، بقدر ما هي إثبات ان عناصر الصراع إنما هي كامنة داخل فاوست نفسه، «ولهذا السبب حاولت ان أتعرف على طرفي الصراع موسيقيا داخل جسد آلة موسيقية واحدة».


-
Caldara: Maddalena ai piedi di Cristo (Narmonia Mundi) - Peter * Eben: Faust. (hyperion)

 

 

ترفيهية تيليمان وجدية هاندل

(13/4/2001)


    الألماني جورج فيليب تيليمان (1681 ـ 1767) من أغزر موسيقيي مرحلة الباروك إنتاجاً وموسيقاه، مقارنة مع مجايليه الكبيرين «باخ» و «هاندل»، تبدو عذبة وفاتنة على السطح. ولكنها تخلو من العمق الذي تتوفر عليه موسيقى الأخيرين. ولذلك لم يترك قاموس أوكسفورد الموسيقي مساحة تفصيلية لنتاجه، بل اكتفى بالاشارة الى الغزارة: 600 عمل من فن «الافتتاحية»، 44 من فن «الآلام» ، 40 أوبرا... الخ.
    من بين هذه الأعمال واحد للآلات الموسيقية على شيء من الشهرة والشعبية وضعه تيليمان عام 1733 تحت عنوان Tafelmusik، ويعني حرفياً موسيقى الطاولة، أو المائدة، وهو ضرب من التأليف الترفيهي، يعزف عادة في الفواصل الزمنية التي تقدم فيها كورسات الطعام، أو بعده مباشرة، موسيقى تليق بذائقة الطبقة الأرستقراطية أو البرجوازية النامية. وهذا الضرب من التأليف ابتكره «تيليمان» وسعى الى نشرة بإعلان خاص يعتمد الاشتراك.
«في عام 1733، لمحبي الموسيقى أن يتطلعوا الى منجز موسيقي كبير تحت عنوان «موسيقى الطاولة» من قلم تيليمان سوف يحتوي على تسع قطع كبيرة ل
آلات سبع، الى جانب أخرى لآلة واحدة أو آلتين أو ثلاث. وسبيل الاشتراك مفتوح وعلى دفعات فصلية..».
ولقد حقق المشروع نجاحاً واسعاً بين محبي الموسيقى وعازفيها ومؤلفيها. ويكفي أن «هاندل» كان واحداً من هؤلاء المشتركين، والسبب ان تيليمان، واسع الشهرة في عموم أوروبا، كان على دراية حرفية عالية بكل فنون التأليف، فهو مؤلف وقائد أوركسترا ومعلم وناشر، و
أعماله تغذي دائماً الكتب الموسيقية النظرية بالشواهد والأمثلة.
    في هذا العمل الطويل انتبه تيليمان الى ضرورتين في التأليف، أولاهما: انه استهدف الجمهور الأوسع في موسيقاه، فهي تفضل الاشكال الأوضح والبنيات الابسط، والالحان التي تتداعى وسطاً دون اللألأة والاصوات الخفيفة العميقة. وثانيتهما: انه عبّد الطريق لأسلوب يمكن ان يدعى أسلوب «الذائقة الخليطة»، ذائقة ثقافات وطنية عديدة من كل أوروبا، خاصة الفرنسية المتعينة في فن «السويت» وافتتاحياته ذات المراحل الثلاث والبولندية ذات الطعم الحاد، والايطالية ذات المسحة الأوبرالية، وهذا الميل إنما يعكس بصورة غير مباشرة الميل الانسكلوبيدي الذي ميز عصر التنوير.
    هذا الإنجاز يمتد لأربع اسطوانات CD (أكثر من أربع ساعات) أعادت شركة Teldecنشره بقيادة الموسيقي الألماني الشهير «هورننكورت»، وهذا القائد تميز باستعادة موسيقى الباروك (باخ ـ هاندل...) وموسيقى المرحلة الكلاسيكية (موتسارت ـ هايدن..) وما تلاها باعتماد الآلات الموسيقية الأصلية لذات المرحلة. وما زالت «كانتاتاته» لباخ تتصدر محاولات الآخرين.
    عمل تيليمان يتكون من أجزاء ثلاثة.. كل جزء يتكون بدوره من: افتتاحية وسويت ـ رباعية ـ كونشيرتو ـ ثلاثية سوناتا لآلة منفردة ثم خاتمة قصيرة، وهذا التكوين السداسي يتحلق حول «الكونشيرتو» في الوسط والخاتمة تلتزم بالمقام الموسيقي في المفتتح من أجل أن تشعر المستمع الى اكتمال الدورة بعد التنويعات التي يقطعها مع الرباعية والثلاثية والسوناتا.
    انه عمل يليق بأذن تحاول اقتحام عالم الموسيقى الجدية لأول مرة. ويليق ايضاً بأذن جادة في فترات الاستراحة التي تفصل بين موسيقيين مثل باخ وهاندل.
    في حوالي عام 1736 كان هاندل الواسع الشهرة قد أشبع نفسه والناس بموسيقى الأوبرا ذات الطبيعة الايطالية، وشاءت له عبقريته ان يعدل الى تعميق فن بدأه قبل سنوات لا يقل درامية عن فن الأوبرا، هو فن «الأوراتوريو» حيث الحكاية المستوحاة من التاريخ أو التوراة لا تقدم درامياً على المسرح عبر تمثيل الأحداث مسرحياً. بل يكتفي المغنون والكورس بالأداء الصوتي. وكان أوراتوريو «مأدبة الاسكندر» الفاتحة الأنضج لهذا الفن الهاندلي.. ولقد استوحى فيه نصاً شعرياً لـ «درايدن» يتحدث عن تأثر الاسكندر الكبير، عند فتحه لفارس، بغناء تيموثيوس حيث دفعه الى إحراق عاصمتها، ثم ندم على ذلك.
انه عمل موزع بين الأغنية (الآرية) والريستتيف (الكلام المنغم) والكورس. وطبقات الصوت فيه: السوبرانو (تؤديه فيليستي بالمر) والتينور (أنتوني جونسون) والباص (ستيفن روبرت). وقائد الأوركسترا والعمل هو الالماني هورننكورت نفسه، ولقد صدر العمل عن ذات الدار
Teldec.
    اعتمد الشاعر درايدن السيرة التي كتبها بلوتارك، واستعمل الاستعارة (استعارة الجملة واستعارة الحكاية) للتعبير عن تقلبات المشاعر الأمر الذي حاوله هاندل في موسيقاه، ولأن الفكرة تدور حول تأثير فن الموسيقى على الانسان، حيث ترتفع به الى ما وراء ذاته، فإن هذا العمل، وكل عمل لهاندل، انما يهدف الى لحظة الجد والى الأذن الجدية، مقارنة بعمل تيليمان السابق، والاصغاء الى هذين الاصدارين بالتناوب يمنح فرصة للمقارنة، وفرصة لاشباع زمنين عزيزين على كل انسان: زمن الجد العميق، وزمن الاستراحة المشوق.


Telemann: Musique detable (Teldec). Handel: Alexander"s Feast (Teldes)  

 

 

أوبرا «آريودانتي» لـ هاندل: موسيقى لا تغيب عن مشاعر الإنسان

(3/11/2000)

 

    قاموس «اكسفورد» الموسيقي يحصي قرابة سبعين عملا دراميا موسيقيا في حياة هاندل (1685 ـ 1759)، موزعة بين فني الاوبرا والاوراتوريو. والمدهش ان جميع هذه الاعمال ذات حضور حي في النشاط الموسيقي اليوم. فليس هناك عمل منسي، بل على العكس، كل واحد حقق اكثر من عرض واكثر من تسجيل. هذا إذا ما تجاوز عمل «مسايا» وحده عشرات التسجيلات ومئات العروض. ولأنني لم أتجاوز الخمسة والعشرين عملاً دراميا، هو مجموع ما توفرت عليه في مكتبتي الشخصية، اشعر مع كل عمل جديد احصل عليه وكأنني احقق اكتشافا، ولكنني سرعان ما اعرف ان هذا العمل الجديد سبق ان عزف وسجل اكثر من مرة، من قبل اكثر من قائد اوركسترا واكثر من فرقة عزف ومغنين. فأي احتفاء بهذا الموسيقي المدهش، الذي يفضله الانجليزي تافنر حتى على باخ؟.
    بين يدي آخر اصدار لأوبرا «آريودانتي» Ariodante عن عرض حي قدمته «اوركسترا دولة بوفاريا» تحت قيادة «ايفور بولتون» عام 2000 يناير (كانون الثاني). ودليل النشر الموسيقي يذكر اصدارين سابقين تقوم بدور البطولة في أحدهما الميتسو سوبرانو الانجليزية جانيت بيكر واحسب ان أداءها يسمو على أداء المغنية الايرلندية آن موراي بطلة التسجيل الذي بين يدي الآن. ففي صوتها ضرب من التوتر اسهم التسجيل الرديء في خنقه، ولكن جناحي «هاندل» أرحب، في نسيجهما الموسيقي. وزحمة ألحانهما واغانيهما، من ان يخذلا مغنيا او تسجيلا غير ماهر التقنية. وضع هاندل هذه الاوبرا في لندن عام 1734، في موسم تعامله الأول مع «كوفن غاردن». ولذلك تتمتع بخصائص الاوبرات الأخرى في هذه المرحلة: فهناك مشهد باليه موسيقي في كل فصل مثلا، واروعها هنا باليه الحلم والكابوس الذي يلم بالبطلة «جينيفرا» في آخر الفصل الثاني.
    أوبرا «آريودانتي» واحدة من اغنى أوبرات هاندل بالألحان لأنها تضم قرابة أربعين أغنية (منها الحان فواصل سيمفونية وباليه وكورس). وهذه الأغاني هي التي تأخذ بيد الاحداث وبيد المستمع معا: الأميرة الاسكتلندية «جينيفرا» تحب الفارس «آريودانتي» (تقوم بدور الأولى السوبرانو «جون روجرز» وبدور الثاني «موراي» التي اشرنا إليها والصوت الأنثوي بدور الرجل أمر مألوف في أوبرا مرحلة الباروك). ولكن الدوق الشرير «بولينيسو»، الذي يطمح بتاج الأميرة، يتآمر مع الوصيفة ليحطم الفارس المحب بفعل شيطان الغيرة، فيجعل الوصيفة تأخذ ملابس الأميرة عند نومها وتخرج له على موعد غرامي خادع، على مرأى من العاشق المسكين الذي تدفعه الغيرة إلى محاولة الانتحار في البحر. الملك يؤخذ بالخديعة ايضا فيتنكر لابنته البريئة ويلقيها في السجن. وهي تدفع إلى كل هذه العتمة: انتحار حبيبها ولعنة ابيها والسجن، دون معرفة السبب. اغاني الفصل الاول الفرحة بفعل لقاءات الحب ومباهج الملك السعيد تنحدر إلى الحان نصف مضيئة او معتمة، مثل الحان الشر على لسان «بولينيسو» (يقوم بالدور كريستوفر روبسون وهو من طبقة «كاونترتينور» وتقابل السوبرانوا لدى المرأة)، التي تذكر بالحان «إياغو» الذي يوقع بـ «عطيل» في اوبرا فيردي الشهيرة:
«إذا ما كانت الخديعة تثمر نجاحا فسوف اطلق الحقيقة إلى الابد ان من يبحث عن الحق وحده لن يحصل على السعادة..» ومثل لحن الخيبة في حنجرة البطل «آريودانتي» حين يرى المشهد الخادع:
«ألا اسعدي
أيتها البغي الغادرة بين ذراعي حبيبك.
إن خيانتك
أوقعتني بين براثن الموت.
ولكنني سأعود كظل معتم وشبح غامض للعقاب».
    هذه الأغنية، التي تمتد قرابة اثنتي عشرة دقيقة، لهي درة تاج هذا العمل وقلبه الأسيان فاللحن متهادٍ متفجع ومنذر يحيطه صوت الوتريات: العليا مُكتّمة Muted والسفلى مكتفية بالنبر الخفيض Pizzicato. وان التصفيق في العرض الحي لا يكفي لإعادة الأغنية لمرة واحدة ربما، في حين املك ان أعيدها حد الإشباع في العزلة مع قطعة الاسطوانة المعدنية.
«آريودانتي» يعود فعلا، فقد
أنقذ من الغرق، ليحقق انتقامه، ولكن الوصيفة «دليندا» (تقوم بدورها السوبرانو جولي كوفمان) تعترف له بفعل الخديعة وأنها لبست ثياب «جينيفرا» إرضاء للدوق، فيكشف الجميع عن براءة الاميرة وتنتهي الاوبرا بمباهج الرضا والزواج.
الاوبرا تمتد لثلاث ساعات لا يشغل فيها الحوار المنغم
Recitative إلا حيزا زمنياً صغيراً، في حين تتدفق الألحان في أغنيات معبرة عن شتى اللواعج الانسانية، وهذه واحدة من أروع مميزات موسيقى هاندل في أعماله الدرامية. ان مشاعر الانسان لا تغيب فيها بل هي تتمثلها في أعلى الدرجات الفنية. وإذا كانت أوبرا مثل «آريودانتي» غير شائعة تماما فالسبب، إلى جانب طولها شواهد الباليه فيها، وهي أمور لا تلائم الذائقة الحديثة، في ما تتطلبه من مهارات خاصة لدى المغنين تؤهلهم لاداء ادوارها والحانها. الاداء في هذا التسجيل جميل ولكنه لا يشبع العارف بموسيقى هاندل. واحسب ان تقنيات التسجيل عن العرض المسرحي الحي كانت ضعيفة لحد حالت دون وصول اصوات المغنين واصوات آلات الاوركسترا بوضوح ومباشرة ودفء.


Handel: Ariodante (Farao Classics)*

 

 

«القداس» الرفيع لباخ: ملحمة روحية باتجاه سعة الأفق واحتضان التعارض

(22/9/2000)

 

 

    ما «القداس» الموسيقي؟ في المصطلح دلالة دينية بالتأكيد. فقد بدأ غناء القداس كشعيرة دينية في الكنيسة الكاثوليكية وكنص مؤلف موسيقيا، في القرن الرابع عشر. ثم بدأت مرحلة تطعيمه بألحان من موسيقى الحياة غير الدينية في القرن الخامس عشر. في القرنين السابع والثامن عشر تطور دور المغني المنفرد داخله كما بدأت مرحلة جديدة لفهم الدور الاوركسترالي. وبهذين أصبح «القداس» Mass فنا موسيقيا كوراليا قائما بذاته ومستقلا عن الكنيسة التي أنجبته. ولكن اي فن موسيقي رفيع (أو غير موسيقي) لم يخرج من محيط المشاعر الدينية؟
    فن «القداس» عادة ما يتألف بنيانه من خمسة أجزاء محددة النص اللاتيني: تبدأ بطلب الرحمة من الله، ثم تمجيده ثم توكيد الايمان به، ثم مباركته.. وهكذا. وهذه الأجزاء أصبحت أرحب في تفرعها فصار الجزء الأول في ثلاثة فروع، والثاني في ثمانية.. وهكذا.
ان الخبرة الموسيقية تطورت في معالجتها لهذه ال
أجزاء الخمسة حتى أصبحت، كفن «الاوراتوريو» الكورالي الدرامي، وسيطا للتعبير الفني والروحي والفكري للمؤلف. ولعل أعظم عمل يمكن ان يتصدر هذا الفن في ارفع مستوياته هو قداس «باخ» الشهير Mass in Bminor. وضع يوهان «سباستيان باخ (1685 ـ 1750) عمله هذا في مرحلة عمره الأخيرة في مدينة لايبزج، ولقد امتدت سنوات التأليف المنقطعة المتأنية خمس عشرة سنة الا ان «باخ» لم يكن منصرفا اليه وحده فقد ألف فيها شوامخ موسيقاه منها قرابة 250 «كانتاتا» للاوركسترا والغناء البشري، وهي بحر لآلئ ومجرة كواكب. ومنها «احزان القديس ماثيو» او متى، واوراتوريو عيد الميلاد، وتنويعات غولد بيرغ على آلة الهاربسيكورد، وعمله المركب الأخير الذي لم يتمه «فن الفيوغ».
«القداس إن بي ماينر» كان وليد رغبة داخلية لدى «باخ» لا استجابة لطلب ولا نتاج واجب وظيفي. رغم ان معظم
أعماله، وقد ألفها استجابة، لم تخرج الا عن وجدانه العميق الرحب. بدأه عام 1733 في الجزأين الأولين ثم اكتملا في ما بعد. وكان انصرافه الحر له دليل دافع فني داخلي خالص، وكأن «باخ» في هذه المرحلة الأخيرة، وقد اكتمل الفنان الأمهر في داخله، اراد ان يترك للأجيال عينة لكمال فنه هو. فما عاد في تلك السنوات الأخيرة كثير الحماس لمنصبه كأستاذ موسيقى، ولا للتأليف الذي يمليه العمل. ولذلك قدم «فن الفيوگ» عينة لموسيقى الآلات، و«القداس» هذا عينة للموسيقى الكورالية.
    بعد الانتباهة التي بدأها مندلسون باتجاه موسيقى «باخ» صار الالتفات اليه والاستغراق فيه ديدن الموسيقيين جميعا. ولا نريد ان نطيل بهذا الشأن، فهذه السنة التي هي سنة «باخ» تحمل في طياتها كل يوم اكثر من شاهد على هذا الولع الإحتفائي، في قاعات العزف وفي دور نشر الكتب ونشر الاسطوانة.
    كان «القداس» هدفا ساميا لا يحيد عن تأمله الموسيقيون: مغنون منفردون، ومغنو كورس، وعازفون منفردون وعازفو اوركسترا، وقواد اوركسترا، كل يريد ان يجرب حظه في «تفسير» مرامي «باخ» حتى اجتمعت من هذه المساهمات تفسيرات عديدة، لعل اكثرها شعبية كان عزف الألماني «كاريان» (1950) بسبب استخدام الكورس والاوركسترا الضخمين. وكذلك كليمبْر، ثم جاء الموسيقي الاميركي «ريفكن» في أول الثمانينات ليعيد موسيقى «باخ» وعزفها الى ما كانت عليه بين يدي «باخ» وفي مرحلته، حيث كان الكورس محدودا ويتكون من المغنين المنفردين أنفسهم، لا يتجاوزون الأربعة يقابلهم أربعة ثانويون من نفس الطبقة. ان كلا من ضخامة المدرسة القديمة وحميمية المدرسة الجديدة، التي عادت الى الآلات والتوزيع الأصلي، يبدو ملائما لباخ، ويشبع حاجة عند المستمع، للغنى الموسيقي. فأنا احتفظ بـ «كاريان» و«كليمبْر» والأوسع «ريختر»، وحين اطمع بالانفراد مع أصوات المغنين والعازفين في فسحة اصغر والى مناخ ذلك القرن الثامن عشر اخرج اسطوانات «ريفكن». على ان اجتهاد الألماني «هورننكورد» يرى بان «باخ» كان يستخدم الأطفال لكورسه، ولذلك يبدو عزفه ذا طعم خاص. ولعل أقربهم الى النفس عزف الانگليزي «جون إليوت غاردنر» لانه احتفظ بتقليد الكورس الكثيف الصخم، الى جانب اعتماده حميمية المغنين المنفردين في الاداء الجماعي الذي يحتاج الى هذه الحميمية.
    وضع «گاردنر» تسجيله عام 1985 (شركة Archiv) مع فرقة «مونتفيردي» للغناء ومجموعة ممتازة المستوى من المغنين المنفردين لعل أبرزهم «مايكل تشانس» (طبقة كونتر تينور) وأداؤه في اغنيتين «آغناس دي» و«كوي سيديس» لا يقارنان الا بأداء المغنية الانجليزية الراحلة «كاثلين فرير» (طبقة آلتو). وكذلك مع عازفي فرقة «الباروك الانجليزية» خاصة عازفي آلة الفايولين المنفرد والفلوت والاوبو والبوق، لان «باخ» في جزء «التمجيد» وضع اربع اغنيات لا تستنفد مدى العمر لكل من صوت «السوبرانو» مع الفايولين المنفرد، وصوت «التينور» مع آلة الفلوت المنفرد، وصوت «الآلتو» مع الة الأوبو، وصوت «الباص» مع آلة البوق.
    هذا تسجيل اعيد نشره من جديد هذه الايام من سنة «باخ». ولقد صاحب نشره من قبل «اركايف» مشروعها الكبير الذي يقوم به «غاردنر» نفسه في عزف كل «كانتاتات باخ» مع العلم ان هذه الكانتاتات، انجزت كاملة ونشرت من قبل قواد اوركسترا عديدين منهم «هورننكورد» و«ريلنغ» و«سوزوكي» و«كوبمان» واخيرا «ليوسينك» وقد حاز مشروعه وهو ما زال في اوله، اعجاب نقاد الموسيقى.
    ان الجزء الأول وحده من «القداس إن بي ماينر» بلحن «الفيوغ» المركب الطويل ليستحق رتبة سامية في مراتب الفن. أما العمل كله فملحمة روحية ستظل تشغل كل مفكر جدي بمسألة الجمال وما يقود اليه من خلاص روحي باتجاه مزيد من الرحابة وسعة الأفق والعمق واحتضان التعارض.

 

 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail