فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

"قارات الأوبئة" لفوزي كريم:

الواقعة من مرصد اللامكان

 

فلاح رحيـم

 

كان لابد لفوزي كريم أن يتجاوز الغنائية التي طبعت معظم شعره إلى جنس شعري أكثر تعقيدا و درامية لتعميق أدائه الشعري و قراءته لتجربته العراقية الحافلة. إن واحدة من أكبر المشاكل التي عانى منها الشعر العراقي في العقد الأخير، و سيبقى يعاني منها زمنا طويلا هي مشكلة تجاوز مستوى التأسي على الذات والشجن الباكي في التصدي لتجربة أذهلت العالم لما وسمها من تشعب وأحداث كارثية دامية وامتداد زمني زاد على ثلاثة عقود من الاستثناء السياسي وإعلان حالة الطوارئ . لقد أكد الناقد والشاعر دونالد ديفي على حاجة الشعر لتجاوز الغنائي نحو الدرامي لكي يتمكن من الإيفاء بمتطلبات تجارب كبيرة لها حجم الكارثة في دراسته المميزة عن الشاعر البولندي شيشلاف ميووش . إن هذا الاستحقاق هو دون شك اكبر تحد يواجه الشعر العراقي المعاصر في محاولته استنطاق التجربة العراقية الدامية استنطاقاً يفوق البكائيات ويغوص إلى أعماق الخلق الشعري التي يتحول فيها الألم والشقاء إلى معرفة يستنير بها القارئ ويحياها .

        من هنا كما أرى تأتي محاولة فوزي كريم كتابة سيرة ذاتية شعرية طموحة. ومعروف أن السيرة الذاتية شكل درامي ينطلق من مسلمات كثيرة ، منها وجود بنية سردية تستند إلى رؤيا أو تصور يراجع عمق الماضي المشتت انطلاقاً من راهن لحظة الكتابة . وتنطوي لحظة السيرة دائماً على جمع دال لشتات التجربة الحياتية بأكملها ، ويندر أن تكون مجرد تراكم من الأحداث التي لا تنتظمها رؤيا معينة . قد يهدد الوقوع في فخ هذا التراكم العشوائي كتابة اليوميات، لكن السيرة تختلف . لدينا إذن وثيقة هامة تصدر عن شاعر عراقي من الصفوة المتقدمة عاش زمنه وحاول جهده القبض على جمرة الوفاء للنفس وقيم الفن التي انقطع إليها .

يقول فوزي كريم في قصيدة " جزر نائية " من مجموعته " قصائد من جزيرة مهجورة :

 

                        ولو توهمت دلالات لكل هذا

                        لهالني جهلي!

                        ولافتقدت متعة الباحث في مهلِ

                        عن عبث الموجة بالرملِ

 

تتجاذب الشاعر إذن رغبتان متناقضتان ، الأولى هي الرغبة في العثور على دلالة لكل ما حدث لإقناع النفس والآخرين بأن ما حدث ويحدث تفصيل في لوحة اكبر ، لا قسوة عمياء ليس لعنفها من دلالة . لكن رغبة الشاعر التي دأب عليها دائماً في معانقة تفاصيل التجربة وعَرَضيّتها وتدفقها تجعله يخشى الوقوع في اختزالات التعميم وفي الكليات . ألا تشبه حركة قلم الشاعر على الورق عبث الموجة برمال الشاطئ ترسم عليه مالا تحكمه إلا تصادفية اللحظة ؟

        لكن الشعر ( والفكر عموماً ) محكوم باحتواء اضطراب التجربة للخروج برؤيا ، والمخيلة تفوق بطر العبث اللاهي عندما يتعلق الأمر بالتجربة العراقية ( وكل تجربة حرب كما أرى ). وسنجد إن تضارب الرغبتين المذكورتين آنفا لا يحسم قبل كتابة هذه السيرة ، بل يحمله الشاعر معه ويرفد به محاولته هذه للتمكن من فوضى المعيش .

        ليس شاغل الإمساك بتفاحتي الرؤيا وجزئية اللحظة هو المعوق الوحيد أمام انجاز هذه القصيدة وعدها . هنالك معضلة المرصد الذي اختار الشاعر ان يستكشف منه نثار تفاصيل حياته . فهذه السيرة لاتأتي في نهاية مشوار شعري طويل يطل عليه الشاعر من برج التقاعد الامن ليقرأه قراءة سيرية . بل هي تأتي في ذروة شعرية وتأريخية يحرص الشاعر على تأشيرها عندما يسجل مكان وزمان كتابتها : لندن، 1995 . يمكن ان نفهم دلالات هذا التموضع لو تخيلنا بديلاً عنه : بغداد، 2015 مثلاً . وأنا أدعو الشاعر ( أطال الله في عمره ) إلى محاولة كتابة سيرة أخرى حين ذاك ، عندها سنفهم خصوصية هذه السيرة المتوهجة كالجمرة التي لا تنشغل بالتعاقب الزمني لذاته ، وإنما بالسعي إلى رؤيا قد تمنح المواساة . إلا إن لهذا التموضع مشاكله الضاغطة التي تشكل الطابع السيري للقصيدة . يقول فوزي كريم في قصيدة " لا ، لن أعود إلى الطفولة " :

 

                        سبعة بحار من الرمل بيننا

                        سبعة بحار من دم القتلى .

 

يمنع الراهن عودة آمنة تسمح للشاعر باستعادة رغيدة لطفولته ، وهو ما انعكس في ان الهم السياسي قد التهم الكثير من تفاصيل السيرة وغيّبها في مصائبه . هنالك محذوفات كثيرة مما اعتدنا على قراءته في مثل هذه القصائد ، بدلاً من وصف الحب الأول لدينا وصف لكارثة الحرب العالمية والسحل والقتل . بل نجد أن المرأة تغيب كوجود أنثوي يتجاوز الترميز السياسي والمعرفي عن هذه السيرة . لا ذكر لمشاغل الحياة اليومية ، لما عرف عن الشاعر من ولع بالفضائل الموسيقية ، لعلاقته بالعمل ، لحوادث تتصل بوجوده الاجتماعي . هنالك استقطاب فاجع لكل المؤسسات والقيم والتقاليد والثوابت مما يشكل الحاضنة لأية معرفة بناءة في ثالوث مأزوم هو الجسد والمثال والسياسة .

        سبق لفرانك كرمود وأن ناقش ببصيرة نافذة في كتابه " الإحساس بالنهاية " معضلة السعي لمقاربة  تصادفية الواقع دون قبول لما توفره المفاهيم الشاملة من تقاليد ، تلك المقاربة التي يحدوها أمل واهم بإمكانية الالتحام بالتجربة التحاماً مباشراً حياً . وقد ورد ذلك في الفصل الخامس " القصص الأدبي والواقع "، الذي يتناول فيه رواية " الغثيان " لجان بول سارتر. الرواية التي انتهت إلى معضلة مربكة لأن سارتر وهو يرفض المتواضع عليه بحثاً عن حرارة التجربة انصاع لتقاليد السرد الروائي لكي ينشئ نصاً دالاً . لقد ظل الأمل الستيني في معانقة التجربة دون افتراضات مسبقة ( الذي أخذه الشعراء الستينيون ، وفي طليعتهم فوزي كريم عن الوجودية السارترية وبواكير الظاهراتية ) الهاجس الذي يحرك فوزي كريم طوال مشواره الشعري . وما كتابه " ثياب الإمبراطور " إلا التتويج النقدي لهذه الرغبة . لذلك نجد في سيرته هذه انه إذ تحرر من اختزالات التقاليد المكرسة والمفاهيم الشمولية سجن نفسه في ثالوث هو الجسد ( حيث المتعة الحسية المتنكرة لكل حاضنة متعارف عليها ) ، والمثال ( حيث السمو مع الشعر والفنون الذي يتنكر لقوالب الإبداع والمخيلة )، ثم السياسة ( التي تكرّست في تجربة الشاعر العراقية بوصفها عنفاً قمعياً مجنوناً يتنكر لأية مؤسسات ديمقراطية مقبولة ).  إن رفض فوزي كريم للوساطة الرمزية القادمة من التقاليد والأيديولوجيات المعروفة وتوقه إلى التحام حي بالتجربة في مستوياتها الحسية والميتافيزيقية والسياسية حرمه من الاستقرار والركون إلى وسادة المتعارف عليه ، وشحن تجربته بحمى غنائية شجية مأزومة تحولت في هذا النص المتوهج إلى سرد درامي متسائل . بهذا المعنى تؤشر هذه القصيدة منعطفاً نأمل ان تستكمل شروطه مستقبلاً بتصالح المثقف مع الاجتماعي والسياسي في ظل مؤسسات وتقاليد تنصفه وتهادنه . فالارتباك الذي تنتهي إليه هذه السيرة ، والاحتراق الذي تصطلي به ذات الشاعر في ضياعها خارج الوطن وخارج حاضنة ثقافية مقبولة، شاهدان على أزمة عميقة في الثقافة العراقية اكتشفها الشعر عبر صوت فوزي كريم قبل أن يدركها المفكرون والسياسيون .

        ربما كانت أسطورة كلكامش التي ترد كثيراً في الأدب العراقي الحديث هي المورد الذي تزود منه الشاعر بمفتاح للرؤيا التي تنتظم سيرته . يرد في قصيدة " ماعين " من ديوان " السنوات اللقيطة " قول الشاعر :

                        مرآة الماضي تصفو حين تحل الأسطورة

                        بدل الذكرى .

                        والشعر ، إذا غادر وقع الساعة ،

                        فهو مجرتنا الكبرى.

 

يدرك الشاعر إذن إن عشوائية الذكرى وتفريعاتها لن تُسلم نفسها لصفاء اللحظة الشعرية إلا إذا احتوتها الأسطورة، ذلك لأن في الأسطورة التماسك والدلالة واحتشاد المعيش بطاقات الغيب . كما إن زمن الشعر لا يبدأ إلا إذا خرجنا من تعاقبية زمن الساعة ورتابته العابثة . من هنا يتلبس الشاعر ثياب كلكامش ويعود إليه عدة مرات في قصيدته ليستعين به على تكثيف شتات التجربة واحتواء نصال الذكرى الحادة .

 لن تفرض القراءة التالية مسلّماتها على نص القصيدة لما له من استقلالية يتعذر على أية فرضيات مسبقة احتواءها. سأعمد إلى متابعة فصول القصيدة كما وردت فيما يشبه تسليم القياد للنص. لكن الفروض التي بدأت بها قراءتي ستبقى حاضرة تصد مقاومة النص لها تارة وتمتثل له تارة أخرى. إن هذه الجدلية بين الفروض وإبداعية النص هي ما يخلق حركية أية قراءة منتجة في نهاية المطاف.

 

كلكامش و الدفلى

يبدأ الفصل الأول منثورا، مما يشير إلى رغبة الشاعر في قراءة متأنية متفحصة للتجربة بعيدا عن اشتراطات موسيقى العروض، لكنه سرعان ما يفلت من قبضة النثر بعد 14 بيتا ليتصاعد سرده عبر الوزن  والقافية و يتحول إلى استذكار شجي. لكن هذه الانتقالة لم تلغ المشروع الذي بدأه الشاعر في مقاربة اضطراب تجربته مقاربة تأويل و عقلنة، ذلك المشروع الذي يظل مطلع القصيدة شاهدا عليه. تكمن  أهمية المطلع  أيضا في أنه أحتوى على صور تنتمي إلى حقول دلالية متنوعة سنكتشف و نحن نمضي قدما في قراءة القصيدة أنها تمثل كل المكونات الأساسية لرؤيا هذا العمل. هنالك الحياة اليومية الهادئة البسيطة خارج اعتبارات السياسة تشير إليها صورة البيوت المتراصة كأقراص الخبز. هنالك البؤس الذي يطل على العالم ("شبابيك مهترئة كالمناخل")، ثم هنالك مشكلة القمع السياسي ("أبواب تكتم أنفاسها أمام طارق الليل")، هنالك الرغبات المكبوتة التي تئز بفعلها أسلاك الكهرباء. ويتوج كل هذا صورة الأزقة المعقودة كضفيرة المحارب؛ هنالك إذن معركة برغم أن حركة الحياة اليومية متواصلة.

        تتجمع كل هذه العناصر في نهاية المقطع الافتتاحي في رؤيا ستعاود الظهور لاحقا يدخل فيها كلكامش هذه الأزقة الفقيرة ليقطف وردة دفلى الدار، "ثم يبيع شذاها للعطار". هنالك الكثير من إيحاءات القصيدة في هذه الصورة البليغة، فالبطل البابلي الأسطوري كلكامش يحضر في هذا الزقاق البغدادي بكل عنفوانه و أسئلته الوجودية المتعالية على اليومي والدنيوي. والشاعر إذ يستحضره عبر رؤياه يتماهى معه و يختزل فيه الكثير من إشكالياته. كأن الشاعر هو من يقصد أجمل ما في الدار (الدفلى). لكن هذا التصعيد الرؤيوي سرعان ما ينتهي بصدمة الواقع عندما لا يفعل كلكامش بهذه الوردة أكثر من أن يبيع شذاها للعطار. هل في هذا استباق لاضطرار الشاعر طوال قصيدته إلى أن يترك همومه الوجودية الكبيرة ليشارك العطارين والناس أجمعين مشاكلهم اليومية و مآسيهم السياسية؟ لن يشك من يستكمل قراءة القصيدة في صحة ذلك.

        مع بداية القصيدة يتأكد معنى هذه الرؤيا عندما تعاود صورة دفلى الدار الظهور في صلة دالة مع أطفال البيت الذي ولد فيه الشاعر في زمن مترد (فيضان، مرض، حرب عالمية):

 

                                نحن الحمقى كنا نكبر

                                دون محاذرة، ونلوّح للدفلى

                                في حوش الدار بحمى الفرد.

 

كما أتجه كلكامش إلى دفلى الدار في رؤيا الشاعر يتجه الشاعر في طفولته إلى هذه الدفلى و إشكاليته الوجودية واضحة، إنها "حمى الفرد". لكن كلمة "حمقى" تدل على أن حقائق الحياة أقسى من أن  تستوعب "حمى الفرد" ، و أن ما يترتب على مسعى الشاعر إلى الدفلى سيشبه ما انتهى إليه كلكامش في رؤياه عندما انتهى به الحال إلى بيع شذى الدفلى للعطار.

 

        الواقع أن ثنائيات الشاعر تتأكد منذ البداية، و يتأكد معها عجز المحيطين به عن فهمها: هنالك مفارقة في ولع الشاعر بالأشياء من جهة، وتوجعه سعيا وراء وهم لا يتحقق: حسية الأشياء مقابل وجع الوهم. أخوه يغضب من الأول و أمه من الثاني. و هو يعطيهما العذر في حيرتهما و غضبهما. تواجهنا الدفلى بعد أبيات قليلة مرة أخرى: " أبي مات و أمي ماتت. و احترقت في الدار الدفلى". في ضوء الأبيات السابقة يكون غياب الأب و الأم إيذانا بمواجهة مباشرة مع وقائع التجربة القاسية فهما الحماية و الدرع الواقي إلى حين، و لذلك فإن دفلى الدار التي اجتمعت حولها إيحاءات التطلع الرؤيوي للشاعر في صورته الكلكامشية، تحترق بموتهم فتتحول الرؤيا من حلم سعيد إلى ذكرى تؤطر مواجهة حادة وشائكة مع وقائع التجربة. و تكرار كلمة "معذور" و "معذورون" التي تندرج تحتها ضديات كثيرة منها "الجاني و المجني عليه، السارق و المسروق" ، الزاني و الزانية و راجم بيتهما، هذا التكرار يشير إلى شمولية رؤيوية تعلو فوق الأضداد و تحتويها كلها، فهي منشغلة بما يتجاوز تفاصيل التجربة. فيما بعد ستكون العلة في الكثير من إشكاليات الشاعر إن عناصر الضديات و تفاصيل التجربة سترفض تسامحه هذا، وستسحبه مرارا من عليائه الرؤيوية إلى أوجاع وجوده المكبل. هكذا إذن تعقب هذا الترديد الإيقاعي لتسامح الشاعر صورة القطط التي هي حمى الشاعر تحت الجلد ووجعه ("بالأظفار تخرمش وجهي") و نذير تسارع نحو أفق مسدود.

             يحرص الفصل الأول من القصيدة على رسم صورة بانورامية لتشكل وعي الشاعر و خصوصياته. و في هذا الإطار يأتي المقطع اللاحق الذي يسرد فيه الشاعر قراءاته في كتب التراث. لكن الملاحظ أن هذا المقطع يبدأ بصورة فتاح الفال الذي يعبر من روحانياته المزعومة نحو حلمة نهد بريء و يتأتيء "ظهر الحق". هذه الصورة الساخرة للزيف و الشعوذة (تعقبها "معذور" أخرى) هي المدخل لقراءات الشاعر في كتب التراث. و سنلاحظ أن الشاعر يظل و هو يمتاح من التراث منشغلا بالراهن من وجوده. فبعد أن قرأ كتاب "المستطرف" وضع "على الأثر كتابا/ في فهرسة الأرواح و ديارات العزلة / وعنيت الأرواح الضالة في أنفاق الدولة." كما أنه وضع كتبا أخرى منها "تفسير المغلق من آيات ضلالي في الماء المسحور" و "تسامي النفس بفعل الكبت الجنسي" و كتابا آخر لم يكتبه "عن المستور". مشاغل الشاعر الراهنة إذن المتمثلة في الدولة و الكبت الجنسي والضياع في ماء مسحور هي التي تبث الحياة في تجربة الشاعر مع التراث وتجعل من المتعذر اختزالها. لذلك  يقول في أعقاب ذلك مباشرة " ولذا لم أؤخذ بالصوفي، صديقي.."، ثم "لم أؤخذ بشعار الثوري، صديقي..". و الإشكالية في حالة كهذه أن الشاعر و هو ينهمك في استعصاء التجربة المعيشة على الاختزال لم يجد ملاذا له إلا كأس الشراب في البار الذي حوّله الشاعر في الكثير من قصائده إلى أسطورة رامزة هي حانة "كاردينيا".

يتأكد المعنى السابق في صورة تتكرر في القصيدة هي صورة رائحة العرق الناضح من جسد الشاعر في صيف بغداد الملتهب التي تطهر حاشية وجوده من:

 

                                عفن الساعات

                                و تخرجني لوجود أصلب عودا

                                من قش هتاف لا ينقطع و رايات.

 

هكذا إذن لا يعثر الشاعر في الهتافات السياسية و الرايات الأيديولوجية المختلفة على وجود صلب. ما الوجود الصلب إلا ذلك العرق المتفصد من جسده كناية عن انشغال حي بالتجربة.

 

        لكن علينا أن نتذكر دائما أن الحلول الكاردينية التي يحاولها الشاعر ليست حلولا حقيقية. فالتجربة أوسع من انشغال الفرد بذاته ( بحسيتها "العرق المتفصد من الجسد" ، و رؤاها الحالمة). تعود إشكالية التاريخ العراقي الملتهب على الدوام لتضع هموم الشاعر الوجودية في بوتقة فعل سياسي لا سبيل إلى إهماله. بعد وصف جلسة الكأس في كاردينيا تعيد اشتراطات السيرة الذاتية الشاعر إلى لحظته المعيشة فلا يجد من حدث يواصل به السرد إلا حربا جديدة تتمثل في ثورة تموز ضد الحكم الملكي عام 1958. و لا غرابة في إطار قصيدة من هذا النوع أن نجد على صفحة واحدة وصفا لأشياء البار التي يعانق بعضها بعضا، وبقايا المازة وماء الثلج المائع ويد لم تسقط بعد عن الكأس الخالي، يعقبه وصف لمشهد يصل فيه العنف حد تمزيق جسد رئيس الوزراء الأخير نوري السعيد وسحل جثته في شوارع بغداد وإحراقها. و تشير  هوامش الشاعر عن القصيدة إلى أن في الأبيات إحالة إلى عبور بقايا الجثة المتمثلة في فخذ محترق أمام بيته في "العباسية". هذا الخليط العجيب من بقايا البار و ضجة السحل و الحرق مكوّن جوهري في تجربة فوزي كريم، وعجزه عن الفصل بين الاثنين و الاكتفاء بأحدهما هو إشكالية شعره و حياته دون شك. فهو من جهة يعجز عن الاكتفاء بأشياء البار وعالمه الحالم، و من جهة أخرى يعجز عن رفع راية سياسية تختزله و تمحو خصوصية رؤياه. لكن عجزه عن الحالين هو مصدر قوة تجربته الشعرية التي تبقى صورها تتنقل بين المحيطين لتزداد غنى و حيوية. فرائحة العرق التي أشرنا إليها في المقطع السابق بما تحمل من دلالة وجودية متصلة بالممارسة الحرة التي لا تقبل الاختزال تختلط هنا برائحة اللحم البشري المحترق و"رائحة الجثث"؛ وهي رائحة ذات دلالة جديدة: إنها رائحة الاختزال السياسي هذه المرة و التقوقع في أفق المرحلة السياسي الراهن.

                موقف الشاعر من هذا المكوّن العنيف سردي بأعمق معاني الكلمة. هنالك ما حدث، وهنالك نظرة الشاعر إلى ما حدث القادمة من تسعينيات القرن العشرين التي وجد العراقيون فيها أنفسهم في حبائل مأزق تاريخي كبير لا فكاك منه نتيجة شعارات لا تختلف كثيراً عما هتف به من خرج في كرنفال السحل. بدلاً من أن يسرد الشاعر خروجه وأخيه هتافين مع الآخرين بوصفه مأثرة وطنية في سجل النضال الوطني نلمس شعوراً بالذنب وبأنه ساهم في القتل . رائحة اللحم المحترق اخترقت جسد المشاركين " وتوارت " فيهم . لنلاحظ أن الجسد "مغلول " ، أي أن هنالك محاولة لفهم ما حدث على انه رد فعل على الأغلال، لكنها محاولة لا تشير إليها إلا هذه الصفة اليتيمة؛ النظرة من التسعينيات تمنع أي عذر. و الواقع أن الشاعر يحاول تأكيد وعي أبكر بمأزق العنف السياسي عندما ينهي هذا المقطع بالقول عن تلك السنة: " و فيها انقطع / الوصل الواهن بيني و الرائحة وبيني و المرحلة وبيني و النظرية".

                هنالك اعتذار عن خروجه مع أخيه للهتاف ، و تأكيد على أن صلته بتلك الرائحة كانت "واهنة". لكن الشاعر يصعد بهذه التجربة إلى أبعد مستوياتها فيجعلها مؤشرا على انقطاع الوصل بينه وبين "المرحلة" (و هي مفردة سياسية استهلكت خلال العقود الأخيرة في العراق)، و بينه و بين النظرية وهو ما عرف عن الشاعر من تشكيك في النظرية واختزالاتها. و سرعان ما يزداد وضوحا سبب رفضه ما حدث، فبدلا من الديمقراطية أضاءت صيف بغداد نجوم العسكر الذين كللوا رأس الشعب/المسيح الأشيب بالشوك و جعلوه أرشيفا لبيانات الثورة و ملعبا لفتنهم الضيقة التي أهدرت كل المعاني الإيجابية في التحرر من الاستعمار.

 

                يمهد كل هذا لانسحاب الشاعر من المسرح العراقي. وهو انسحاب إلى الشعر أولا: الجميل "حين تغيب الشمس" و الميّال للعزلة.إنها العودة إلى البرج العاجي "القمم البيضاء" التي يسندها الشاعر على قاعدة معممة

 

والشعر يغادر، حين يضيق، إلى القمم البيضاء

الشعر يغادر أبدا

وقفاه بفعل الجفوة مألوف.

 

لابد من فهم هذه القاعدة فهما شاملا، فالشاعر إذ يبدأ من تجربته الخاصة، سرعان ما يتحول إلى ما يراه حقيقة شعرية ثابتة هي رفض الشعر الحلول على أرض واحدة مع اختزالات المرحلة والنظرية. غير أن الشعر الذي سعى إليه الشاعر لينسحب من التجربة سرعان ما يعيده إليها، فكل تجربة شعرية كبيرة (هنالك ابن الرومي، وأبو الطيب،و أبو تمام، وأبو نؤاس ..وغيرهم) هي تجربة وجود في نهاية المطاف. هكذا يعود الشاعر عبر ابن نباتة الخارج من قبو في "الشورجة" [المنطقة التجارية الكبرى في بغداد] ليواجه حقائق الفاقة والعوز. وفي هذا السياق تظهر كلمة "الرحيل" الذي يمثل إيغال الشاعر في الانسحاب من حقائق التجربة العراقية القاسية. ويكون الرحيل هذه المرة من الشعر إلى بيروت. وبرغم أن الفاقة تلازم الشاعر هناك فإن بيروت تضج بالأشعار.

تخضع تجربة الشاعر في بيروت للقانون ذاته الذي حكم تجربته العراقية. عنف العسكر في العراق يتكرر في العنف الطائفي في لبنان. ويكون اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 محطة جديدة في سرد الشاعر لسيرته. ونجد هنا مرة أخرى ثلاثة مقاطع يقدم الشاعر في المقطع الأول عالمه  الحالم، صورته و هو يجلس فوق جرف المتوسط يحس "الزغب الدافئ للحيوات الغامضة يمس أصابع/قدميّ." هذه الصورة الساكنة فعالة في سياق السرد الذي يقدمه الشاعر. يتبعها قوله "أحاول، و أنا في مفترق الحسي و غير الحسي،/ معانقة الخالد." ذلك إذن هو أفق تجربة الشاعر: "الخالد"، ولكن هيهات. المقطع التالي يعلن نذر الحرب، ثم تكون لشهوة القتل و التدمير الغلبة.

هكذا ينتهي الشاعر بين بغداد وبيروت، بين حربين ماهما إلا كناية عن حرب كبيرة هي وقائع التجربة، وحلمين هما حلم كبير بذلك الخالد الخارج من الحسي و غير الحسي. ويغرق كل هذا في هتافات "نموت و يحيا الوطن" التي تتردد بأصداء تهكمية واضحة، خصوصا وأن الشاعر يكرر من جديد قبل نهاية الفصل صورة رائحة عرق الفعل الذي يطّهر وجوده و يصل به إلى وجود أصلب عودا من قش الهتافات. أما آخر صورة فمحفورة بدلالات عميقة على مجمل الفصل: هنالك طفل يشد حذاء جندي مشنوق فتطول الرقبة والحبل.  هل هذا الطفل هو الشاعر نفسه وقد خرج يهتف وراء الفخذ المحترق من قبل؟ يتركنا الفصل الأول وقد تعمقت الإشكالية وتشعبت.

 

نظرة شاملة

 

بعد أن قدم الشاعر في الفصل الأول أهم مكونات تجربته المقصودة بهذه السيرة الشعرية، اختار أن يتوقف قليلا لالتقاط الأنفاس قبل أن ينطلق في الفصول اللاحقة نحو مزيد من السرد و محاولة الفهم. زمنيا يعلو الفصل الثاني على وقائع السرد كلها و يواجه القارئ بوصف مفصل لإدراك الشاعر أن ما يحرك العالم حوله ويشحنه بالمعاني و الأصداء الشعرية إنما هو ذات الشاعر المتوهجة التي لا تقبل السكون والانطفاء. هنالك التورط في المحن و الكتابة المشتبكة بوحل الجروح والافتتان بالرحيل.

لكن العالم المحيط بالشاعر غافل عنه والطبيعة صماء: دجلة لا يحتفي به رغم احتفاء  الشاعر بدجلة، و العشب لا يراه رغم توهجه بالعشب، والزهور المحتضرة لا تدري أنه ينشج لموتها. كل هذا يدفع الشاعر إلى السعي وراء وجه الملاك الذي يتصيد الشاعر غفلته لأنها علامة دالة على براءة العالم العلوي؛ عالم الشعر. لكن الشعر لا يخدع نفسه فينشر على الطبيعة الغافلة أقنعة تقدس غفلتها القاسية، من هنا ما نجده من استعادة للوقائع، لمجموعة من الصور المفزعة القادمة من أتون تجربته العراقية: الكلاب و القطط تنبش بقايا قتيل، الحمار في زريبة جاره وهو حلقة الوصل الوحيدة بين الريف و الحاضرة، ثم السياسي الذي اقتيد فجرا و تبادل مع الشاعر نظرة ساخرة المشهد إذن حافل بالأسئلة والإشكاليات، وهي أسئلة يرى الشاعر إنها ستبعثره قريبا.

 

كلكامش في بغداد

 

يواجهنا الشاعر هنا و قد عاد إلى بغداد من جديد. لم تفلح بيروت في تأمين ملاذ آمن له، و قد أعادته من حيث أتى محملا بالهموم ذاتها التي خرج مثقلا بها. و نلاحظ هنا أن القصيدة تتطور عبر مفاصل الخروج من الوطن و الهاجس الذي يعود بالشاعر إليه مرارا. العودة في الفصل الثالث تكون بالجسد و الروح، و في الأغنية الأخيرة تكون أملا و حلما "سأعود إليك /و أقول هنا يسكرني الكسل". يمكن القول إن الأحداث المحركة للسرد الشعري تتمثل في هذا السفر من الوطن وإليه. هنالك دورة مرهقة تتكرر و تغتني بالدلالات في كل مرة. يبدأ الفصل الثالث بمعمار عمودي من الشعر يصف خمارة الشاعر الأثيرة التي يدرك القارئ أن لها دلالات رمزية هامة ، إنها علامة على موقف أكثر منها رد فعل مجرد.

لكن الأبرز في هذا الفصل هو لقاؤه بكلكامش الذي يظهر هنا على رصيف في بغداد ليعلن نبوءته السوداء التي تنذر بدمار شامل. إنه الظهور الثاني لكلكامش بعد ظهوره الدال في الفصل الأول. و نجده هنا يغتني بملامح تجربة العناء العراقي الراهن التي ترّكب على محور الهم الوجودي والعود الأزلي. يظهر كلكامش متنكرا في بغداد، وعندما يسأله الشاعر عما يدعوه إلى التنكر يقول إنه يتنكر

 

بقناع الحاضر.  

                   ففي هذه المدينة يموت الإنسان مغموما

              في القلب. وفي القلب يأسه وهو يهلك.

 

أي أن كلكامش/الشاعر يواجه المدينة بقناع يمكّنه من التعامل مع لحظة التأزم القائمة، البعيدة عما يعتمل في قلبه من شجون، إنها مدينة القمع و الغم. ها نحن أولئك نرى هنا مزيجا عميق الدلالة من عناصر تجربة الشاعر عبر النزول بشخص كلكامش إلى الشارع البغدادي، وهو هنا ليس صورة للشاعر فقط، بل هو واحد من تلك الأجساد التي تطوف في النهر عاجزة عن تحقيق آدميتها بسبب زوابع العنف. تغذي القصيدة هنا عجز كلكامش عن بلوغ غاياته الوجودية (الخلود) بعجز الإنسان العراقي عن تحقيق آدميته الذي يبدو أنه لا يقل صعوبة عن مطلب كلكامش الوجودي، فهو أقرب إلى مطاولة السماء واحتضان الأرض بأسرها.

لكن القصيدة تقدم لنا قراءة جديدة و أصيلة لملحمة كلكامش. فالتركيز هنا لا ينصب على حلم كلكامش الوجودي بالخلود فقط، بل نجد فيها كلاما آخر على حلم أنكيدو. و لابد هنا من الإشارة إلى أن ملحمة كلكامش  تتمحور حول حلمين وفق هذه القراءة: حلم كلكامش المثالي بالبطولة و الخلود (لنتذكر خلافه مع عشتار لأنه رفض الاستجابة لإغوائها وملذاتها ـ اللوح السادس)، وحلم أنكيدو:

 

الذي كان مولده في التلال

والذي يأكل العشب مع الظباء، ويرد الماء مع الحيوان

و يفرح لبه مع حيوان البر عند مسقى الماء. (اللوح الأول ـ العمود الرابع)

 

 و نعلم أن أنكيدو استجاب لغواية البغي وانساق وراءها، "أمسكت به من يده و قادته كما يقاد الطفل" (اللوح الأول ـ العمود الخامس). يستحوذ فوزي كريم على الحلمين معا، و الجمع بينهما هو ما يجتذبه إلى هذه الملحمة كمحور أسطوري تتكثف فيه همومه و مشاغله: فهو تواق إلى مثال كلكامش الميتافيزيقي، و إلى حسية أنكيدو الفطرية المحتفية بالحواس في آن واحد. لكن محاولة الاستحواذ هذه يؤطرها وعي فاجع ببطلان كل هذا أمام قسوة الراهن و دمويته، يقول لكلكامش " كلكامش هل تذكر الديدان؟"، ويقول عن أنكيدو "حلم أنكيدو مريع وآياته باطلة"، ثم يجمع نفسه بهذين البطلين الأسطوريين فيقول "حلمنا مريع وآياتنا باطلة". لنلاحظ أن هذه العبارة موجهة لكلكامش وقد سبق للشاعر أن وصف بها حلم أنكيدو، فهي مع ضمير المتكلمين تجمع ثلاثة أحلام محبطة في عبارة واحدة في توليفة من المثالي ـ الحسي مقابل عنف الواقع وتشيؤه. الأبيات التي تعقب هذا الإقرار الحزين وصف لبغداد التي أصابتها الخطوب بالذهول:

 

خذ هذه الشوارع التي تدب كالسلاحف.

وابدأ إن شئت

من مطلع شارع الخمارة هذا. عبر هذه الجسور الآثمة

والأعمدة البلهاء.

 

يجمع الشاعر هنا إذن عناصر سيرته الشعرية هذه كلها عبر لقاء جديد بكلكامش (المثالي ـ الحسي ـ العنيف المستبد) ليستيقظ من هذه الرؤيا على صورة تفصيلية لشارع أبي نؤاس في قلب بغداد ("شارع أسرارنا المحبب")، لكن كل شيء في هذا الشارع المحبب مطفأ و مبتل. بعد وصف شجي للفجر في الشارع نلمس برغم البلل و الانطفاء جمرات تتوقد في الشارع ذاته. و الواقع أن هذا التوقد غير متحقق أمام الشاعر بل هو نتاج مخيلته التي تتصاعد صورها من الواقعي (السمّاك الذي قد يمرق بعد قليل) إلى خليط الواقع ـ الحلم (السكير الذي "جفلته الصحوة المبكرة") لتبلغ الذروة في منقطع الصلة بالواقع "قد تمرق دراجة هوائية دون راكب". لكن الصورة الأخيرة تقترن بصورتين تمزقان الرؤيا بنصال الوجود البغدادي للشاعر إذ يضيف إليها:

 

كلب تستحثه رائحة الفتات

مخلوق ضال دون هوية.

 

تذكرنا الدراجة الهوائية دون راكب بدراجة الطفل (وربما دراجة الشاعر أيضا‍‍‍‍‍‍!) المنطلق في قصيدة "الغارب"، وفيها ما هو رؤيوي يسمو على التفاصيل الصغيرة، بينما تنزل بنا صورة الكلب الذي لا يسترشد إلا برائحة الفتات إلى قعر التجربة و دنيويتها التي تجعل البقاء على قيد الحياة هو المعنى اليتيم للحياة، ويتركب معنى الضدية طفل ـ كلب في توليفة الضال الذي لا هوية له.

لا أبلغَ من خاتمة هذا الفصل المشهدية الموحية:

 

          و خطفت الكتاب و الكراس الصغير من على خشبة المقعد

          و رحت مسرعا باتجاه (كاردينيا). كانت مقفلة

          و لا أثر للغريب و لا لرائحته الغريبة، وضعت

          جبهتي على واجهتها الزجاجية ورحت

          أطالع عتمة الخمارة. هنالك لم أجد ما أتطلع إليه.

          هنالك لم أجد ما أصبو إليه.

 

لا أبلغَ من هذه الخاتمة في التعبير عن أزمة الشاعر و ضياعه. إنها لحظه اصطدام بعشوائية التجربة و امتناعها عن الاستجابة إلى ما يضفي عليها بعض الانتظام. قدرة الشاعر على رؤية خواء حلمه (كاردينيا) هو مصدر أزمته و عمق تجربته في آن معا.

 

 

 

الثالوث الطارد

 

يتكون الفصل الرابع من سبع قصائد هي تنويعات على عناصر القصيدة التي سبقت    أضاءتها. تتصاعد هذه المقاطع السبعة في استعادة لعناصر السيرة الثلاثة (المثالي ـ الحسي ـ السياسي) حتى تصل لحظة اتخاذ قرار الخروج مرة أخرى من الوطن. هكذا نجد الشاعر مرة أخرى يعمق حفر الخطوط العريضة لتجربته فيبدأ في القصيدة الأولى من الحانة المذكورة آنفا. لدينا هنا صورة الشاعر بحسيته و لا انتمائه ( إنه الستيني الوجودي الذي أختار الهامش و كرس نفسه لراهن الجسد ـ الوجود)؛ المتسكع (الوحل في النعل)، المنقطع إلى حسيته المحبطة (عرق الاستمناء)، والمتعب (رائحة العرق). ليس ثمة من يخف لنجدته إلا النادل في تلك الحانة.

لكن هذا الرجل الذي انقطع لهامش الجسد و أسئلة الوجود يتحول شاء أم أبى تحت تحديقة الهم السياسي العراقي إلى رقم أبكم في معادلات سياسية فجة. جاره يلتقط هروبه ورغبته في تلبس مخلوق من زمن آخر:

 

      يعبئها في فوهة مسدس،

      ويطلقها شائعة لرجال الأمن.

 

و ليس أمام الشاعر إلا أن يحول أحلامه من المحيط الوجودي إلى محيط الهم السياسي العراقي:

 

أنطلق بأجنحة ملاك

في الأفق الرائق لأراك

بيتا لم يهدم بعد، ونخلا لم يسجن

ومياها تملأها الأسماك،

فأخف إليك

 

حتمية الهم السياسي هو محور معاناة الشاعر، و أمام هذه الحتمية لا يجد الشاعر ملاذا يحميه من البار أو عين الجار التي تترصده:

 

النادل يبصرني فيخف إلي.

منتصف الليل يحل علي

و على جاري.

 

تختزل هذه الأبيات الثلاثة إشكاليات الشاعر في معادلة صعبة يعيش الشاعر أسيرا لها، مكابدا أزمته الوجودية و السياسية. إنه الحالم في تموضعه البغدادي وهامشيته و التباساته يراوده حلم منتظم رائق لا سبيل إليه. و هي حركة دائبة لا ترحم:"وأنا أتردد بين الحلم وبين الحالم كالبندول."

 

لدينا في القصيدة الثانية من الفصل الرابع لحظة ثمينة يتأمل فيها الشاعر أداته الشعرية "الكلام". و هذه القصيدة تقر في نهايتها ببطلان ما ظل يراود الشاعر من أغراء خطف مداد الكتابة من فم الطير، أو ارتماء في مدار الجنون. إنه الإقرار بأن الكلام لا يمكن إلا أن يكون اشتباكا بالتجربة، و أن على الشاعر الإقرار بهذا. نعم، هنالك عبثية الكتابة على رمل التجربة المتحرك، وهو ما يجعل الشاعر أسير ازدواجية مراودة اللغة بحثا عن مفاتنها، و الخروج من هذه المراودة وقد أدمت أصابعه أشواك اشتباك اللغة بالتجربة.

 

لا مناص إذن من العودة إلى واقع العنف الذي يهدم كل ما يبني الشاعر من ملاذات. القصيدة الثالثة مثلا تقدم صورة الجنرالات المتعطشين للحروب وهم يمارسون بواكير حماقاتهم في شمال العراق في حرب مدمرة تجفل لها طبيعة كردستان الوادعة (الأرانب و الماعز ذو الثعنون). و يتجه اهتمام الشاعر وهو يرى راية الغزو تدمر كردستان إلى "النائم في الظل" ( "كم هتكت عذرية النائم في الظل"). وترد هنا لفظة "بدو" (التي تتردد كثيرا في أعمال الشاعر) محملة بظلال سلبية من البدائية والتهور والجهل. وقد قيل في الحديث النبوي الشريف "من بدا جفا". تنتهي القصيدة بالخوف والريبة وقد انتشرا كالغازات السامة " كلانا احتراس". هذا هو الجو الذي يسود البلاد ويغتصب كلام الشاعر، بل ويدفعه إلى الخروج من الوطن مرة أخرى.

 

الخروج الكبير و الذروة المضادة

 

يستحق الفصل الخامس وقفة خاصة. يتناول فيه الشاعر لحظة اتخاذ قرار الخروج من الوطن إلى المنفى في مسعى لرفع هذه اللحظة إلى وهج أسطوري يذّكر بسفر الخروج. " أهلل لخروجنا، للخروج الكبير".  لفظة "خروجنا" محايدة ملتصقة بالذات ومحيطها، لكن "الخروج الكبير" أسطورية مطلقة تسع العالم والتاريخ. يمكن لقرار تتخذه ذات مأزومة أن يعني كل شيء، فالعالم لا يترشح بيننا إلا عبر وعي مخصص قصدي.

يحدد الشاعر برهافة حادة طبيعة قرار الخروج هذا؛ إنه يقع قبل أن تبدأ مشاغل النهار اليومية الرتيبة المنصاعة التي يحذر فيها الناس بعضهم بعضا حفاظا على مصالحهم الضيقة: "قبل الأفجار،/ قبل الاستعدادات المبكرة للحذر"، إنه قرار فيه شجاعة ورهبنة. المنافي هي الأخرى تهلل لاستقبال هؤلاء الذين تنكبوا مشاق المغامرة. و لابد من ملاحظة أن الشاعر يستخدم هنا، برغم أنه يحوم حول وعيه الذاتي كمحور لكل القصيدة، ضمير الجماعة المتصل لقناعته إن لهذا الموقف طابعا جماعيا، و لا أقول سياسيا. فالشاعر يعي اتصال مصيره بمصير من حوله، وقدر هذه القصيدة السيرية أن تنمو وسط الجماعة وهمومها.

يدرك الشاعر أن المدن التي يقصدها لا تهلل كلها لهذا الخروج، هنالك مدن لن تكون سهلة أو مضيافة، و ليس لدى الشاعر إلا مواجهتها بمفاتنه التي ينشرها على اتساعها لغواية هذه المدن المتشككة، مرددا أغاني مساكن الصفيح في المنحدرات التي تعوي للشمس.

لابد أن نعيد النظر في الوسائل التي يعتمدها هذا المقطع المتوهج من القصيدة لكي يرفع لحظة اتخاذ قرار الخروج إلى المنفى، وهي :

                                          1.                       ربطه بالخروج الكبير .

              2.        ضمير الجماعة في " خروجنا " وتهليل المدن للقادمين . يعيد هذا المشهد إلى الأذهان تهليل الحشود للأبطال .

              3.        إدراج علاقة المنفي بنفيه ضمن معجم الغواية " فاتحاً مفاتني على اتساعها " الذي يعلو على الاعتبارات الاجتماعية .

              4.        ربط أغاني الخروج بالحداء ، وهذه المفردة تكفي لاستحضار ما يصاحبها من بداوة وترحال ، وما يعلق بالذاكرة من أبيات مشحونة بالتحدي والفخر للمتنبي في سياق مماثل .

يختم الشاعر المقطع الأول بتحد آخر؛  " من يجرأ أن يكون قريناً فيهلل كما نهلل "، هذه إذا لحظة لن يطيقها الكثيرون . وتتواصل استراتيجية الأسطرة " عالياً نهلل كما لم يهلل أحد من قبل." ولابد من ملاحظة إن هذا الشاعر الذي يرفض الانضواء تحت أيديولوجية سياسية محددة ( بالكسر والفتح ) يلجأ في تهليله هذا إلى النمط نفسه الذي يرد في القصائد السياسية النضالية، و لكنه يرد في سياق مختلف يجعل أبياته أعمق دلالة. لنتأمل هذا البيت: "آه، قتلانا يجوبون مفاصلنا. و على مراثينا يسندون الرؤوس." ليس قتلى الشاعر من السياسيين بالضرورة، إنهم شعراء مثله ينتمون إلى قبيلة  الأدب المسبية المنتهكة في ظل عنف الطغاة، وروعة هذا البيت إنه لا يصدر عن سياسي، و إنما أديب اضطرته دكتاتورية السياسيين إلى الخروج مثقلا بذكرى قتلاه. لكن دقة اللغة الشعرية قد تغيب عن القراءة الأولى. فالقتلى ليسوا في الذاكرة فقط الآن، إنها لحظة الخروج والحركة بحثا عن ملاذ، والقتلى يجوبون (لنلاحظ إنهم لا يسكنون، لا سكون الآن) مفاصل الخارجين "وعلى مراثينا يسندون الرؤوس"، وهي صورة ساكنة. ولكن أيثقل حضور القتلى في المفاصل حركتها أم يشد من أزرها؟ تلك هي قوة الشعر و غرابته، إنه يمزج المعنيين دون أن نشعر بأي تناقض بينهما.

من الصور الدالة أيضا تشبيه الخروج و التهليل (و هما فعلان أسطوريان هنا) بالتحديقة التي تخرج من محاجر القتلى، و هي تحديقة تمتد إلى بعيد مشحونة بأسى القتل و غضب المقتول من قاتله وحلمه في أفق جديد. معان تشتبك و تصنع ما يميز هذه الأبيات من كثافة شعرية.

في هذا السياق يعود الشاعر إلى وسيلة الأسطرة الرابعة فيربط ذلك الخروج بترحال البدوي "هنا المفازات أكثر برا"؛ والصحراء مفازة لا مهلكة كما أن الأعمى بصير، و الذاكرة تجد هنا في الفضاء الصحراوي متسعا للإشراف من علو على تجربتها الماضية لتفهمها و تتحايل على جمرتها " هنا ترقى الذاكرة أعلى الكثيب". ثم صورة الذئاب البرية تنبش و لا دم يتدفق، هكذا هي رغائبنا.

لكني سأتوقف أطول عند الأبيات الثلاثة الأخيرة من هذا الفصل المحوري:

نهلل إلى الكالح الذي يلي الألوان،

من قارات الإنسان

إلى قارات الأوبئة.

 

لا يعني التهليل و الاحتفاء الفرح أو خداع الذات. فالشاعر و من معه يدركون و هم يقررون الخروج أنهم بذلك يتركون ألوان الحياة المستقرة المتنوعة خلفهم إلى حيث لون الغربة الكالح الوحيد الذي ينتظرهم. إنها نقلة من قارات الإنسان حيث الوجود الدال المنتج إلى قارات الأوبئة حيث الوجود المأزوم المؤجل البارد. و يبقى الشاعر وفيا لإستراتيجيته في أسطرة الحدث، فكلمة قارات تعني أن الإشكالية قد ارتفعت مع البيتين الأخيرين من هذا الفصل إلى مستوى الحدث الكوني، لأن الشاعر لا يتكلم هنا بتبسيط عن الوطن بوصفة الفردوس، و المنفى بوصفه الجحيم، الوطن هو كل القارات وقد أحترم فيها الإنسان (و لا يغيب هنا الإيحاء الإنسانوي للفظة "إنسان")، و المنفى هو كل القارات (بما فيها الوطن) وقد استوطنتها الأوبئة بما لمفردة "وباء" من شمول و انتشار فاجع.

 

هنالك تصاعد للنبرة في الفصل الخامس و حركة الأحداث تندرج في لمّ شتات الحبكة في تصور دال. لكن ما يعقبه في الفصل السادس يمثل بجلاء ذروة مضادة، إذ يشعر القارئ الخارج لتوه من هذا الكرنفال المتصاعد بنكسة ما بعد الذروة في هذا الفصل الذي يبدأ بالقول:" هادئ الطبع أدخل لندن." هدأت النفس إذن بعد وهج الخروج و انتهت إلى برد لندن. يختار الشاعر إمعانا في التهدئة مسرحا لمشهده الأول مكتبة المتحف حيث تختزل لحظات التوهج التي عاشتها الإنسانية عبر كل عصورها إلى وثائق مرتبة ساكنة باردة. قصيدة "أردية الراهب" التي يبدأ بها الفصل السادس تواصل حبكة القصيدة و تقذف القارئ من التهليل إلى "صفحات تقلبها في الرواق اليد الباردة." و لا شيء سوى صدى خطوات الشاعر يلاحقه. أما الشاعر فيرنو إلى السقف يتطلع في صورة الراهب المرسومة عليه تتموج أرديته على منحنيات القباب. يفكر الشاعر من جديد في الرهبنة والانقطاع إلى الفن والمخيلة، لكن العبارة المقوسة تعقد الأمر: "آه من جسد لا يليق." انسحاب الراهب و أرديته المتموجة تناسبهما القباب العالية لا الجسد المسكون بهاجس الحياة الذي يمنعه النبض الحي  من الاطمئنان لموقف الانسحاب. و مع أن الشاعر وحيد يلاحقه صدى خطواته فإن العبارة المقوسة بعد ذلك دالة هي الأخرى: "آه من خطوة لا تلين."

هنالك في النقلة بين الفصل الخامس والفصل السادس ملاحظة فنية تدفعنا إلى إعادة التفكير في دلالة موسيقى الشعر. فالمعروف أن النثر أقرب إلى الوصف والتقرير بينما استخدام بحور الشعر و قوافيه أقرب إلى الاحتفاء و الخطابية. لكن فوزي كريم يوظف هذا العرف الأدبي بطريقته الخاصة لشحن أبياته بالمعنى. فمقطع التهليل مكتوب نثرا، بينما مقطع السكون في المنفى البارد مكتوب بمجزوء المتدارك. إن لهذا الإجراء بلاغته المعبرة، إذ لا يسع الشاعر و هو يرفع الخروج إلى مستوى الأسطورة إلا تذكير القارئ و نفسه بنثرية باطن الخروج الذي يشي بصخب الاحتفال بحقيقة أنه خروج من قارات الإنسان إلى قارات الأوبئة، وبالتالي فالنثر إجراء شكلي يضبط لحظة التهليل دون أن ينكدها. من جهة أخرى فإن لحظة دخول المتحف لحظة باردة نثرية فيها حسرة (و ربما حسرتان إذا اعتبرنا العبارتين المقوستين حسرتين)، لكن هذا لا ينفي وهج الحياة والرغبة داخل الشاعر، والموسيقى توازن هنا برودة المكان بحركية ذات الشاعر.

تقدم القصائد الأربع التي تشكل الفصل السابع وصفا لحال الشاعر في لندن. بعد مكتبة المتحف هنالك قصيدة "توكاتا" التي تمثل محاولة حسية للاستغراق في ملذات حياته الجديدة. و تثير "عائلة الأرغن" إشكالية لذة الحس عبر فتاة لها وجه دمية تنهشه الأصباغ وظلمات حسية تغوي الشاعر. غير أن الشاعر يتحول عن هذه المرأة إلى المرآة، فاللذة التي يأخذها زائلة "تفر كتوكاتا" و لا يتبقى سوى رائحة العفن وأكياس اليأس. سؤال المرأة له استنكاري لأنها ترى أن إلغاءه لها سيضيق الشعر و إنه لا بد أن يأخذ حاجته منها إذا أراد الشعر. لكن للشاعر نزوعا إلى ما هو أعلى من الحس المحض وهو لا يجد موردا يغذي نزوعه هذا إلا فيه هو، ومن هنا نجده ينتشل الجناحين اللذين يحلق بهما فوق جلال الأرغن كملاك من المرآة لا من المرأة.

يتواصل المعنى السابق ويغتني في قصيدة "الانتساب للأبدية"، فالشاعر و قد قرر التحليق فوق الحسي يختار الانتساب للأبدية ضاربا صفحا عن الزوال الحسي الذي يحيط به. و اختيار الأبدية هو التعبير الشعري عن موقع اللامكان الذي اختاره الشاعر. هنالك انسحاب من جديد إلى الداخل الذي يقدّم إلى القارئ مشتبكا بغزارة الاستعارات الدالة: الجمجمة (بيت من طين لبساطتها و سعيها إلى السكينة)، و هنالك تحت حجاب الصدر ربيع و قيثار في قلب باك (لا يخطئ القارئ هنا نبرة الشعر المهجري الرومانسي). الأبدية إذن اعتكاف زاهد، والشاعر في منفاه لا ينتظر حلا و ليس له إلا الذاكرة في مواجهة الحاضر الخانق. خلاص الشاعر أن يصبح و ذاكرته ظلاًً. هنالك غزارة استعارية باهرة في هذه القصيدة القصيرة تجعل السعي إلى تجاوز الحسي و الملموس إلى الأبدي و الخيالي ممارسة حية أكثر منها تقريرا باهتا.

يطالعنا الشاعر في قصيدة "عائلة" من هذا الفصل، بعد تساميه و سعيه إلى الأبدية، وسط عائلته. لقد انتهى به السعي إلى السكينة إلى دخول مؤسسة عريقة (الزواج) علّها توفر له الإطار الذي يتفرغ فيه لربيعه وقيثاره. إنها قصيدة عن الزوجة ـ الحلم التي يكرر الشاعر معها صورة مرآة القصيدة الثانية ردا على حسية صاحبة الوجه الذي تنهشه الأصباغ. فالزوجة تكتسب هنا ذلك الصفاء الذي يميز مرآة الذات التي منحت الشاعر جناحين يسمو بهما. لكن الشاعر لا ينسى وهو يرسم هذه الصورة المطمئنة للعائلة أن يشير إلى ذلك الهاجس الذي ظل يثقله في الطريق إليها: هاجس حاجاته المنفلتة من كل مؤسسة، هاجس اللامكان الذي يجعل الانتماء امتثالا مقيتا. لنتوقف قليلا عند صورة "الثياب" هنا. فالشاعر يتجه إلى قرينته "عاريا من ثيابي"، كما يقول، و قد يعني ذلك إنه يتجه إليها صافي النية بدلالة عريه من الهاجس الذي ظل يثقله في الطريق إليها المقترن بالعري من الثياب. و هي تقول له " كن ثيابي"، فكيف نفهم ذلك؟ قد يحتوي هذا على إحالة إلى قوله تعالى "هن لباس لكم و أنتم لباس لهن" ، ويكون المعنى بذلك أن هذه المرأة التي تستند إلى وقار مؤسسة عريقة و طمأنينتها تستقبله باستعداد تام للتماهي، وهو ما يعيدنا إلى صورة دخول الشاعر في "مرآتها" الصافية. و لكن هل يمكن أن نقرأ عري الشاعر عن الثياب و طلب القرينة منه أن يوفر لها الثوب بوصفه إشارة خفية إلى إشكال في قدرة الشاعر على الانفتاح التام على الآخر بدلالة الهاجس مرة أخرى؟ نحتاج إلى قراءة بقية القصيدة لتبدأ هذه الدلالة تتحرك و تنشط. أما هنا فهي كامنة.

يعقب ذلك صورتان: طفلا الشاعر بين يدي الزوجة (ربما لتأكيد وحدة العائلة كمحرك رمزي في القصيدة) يثيران سؤال المفقود في كل هذه المحاولة لبلوغ السكينة، ذلك هو سؤال الوطن و العودة متى تكون؟ إيقاع "يا أبانا الذي " يذكرنا بصلاة مسيحية، فالطفل يرى الأب متوفرا على قدرة إله، و الأب يعرف ضعفه و قلة حيلته، فلا يكون جوابه إلا رياحا تهب من مشاغل الحياة اليومية لتهش قطيع السحب التي تنكد أمن العائلة.

قطعنا إذن مع الفصل السادس و بضربات فنية رشيقة و سريعة و حادة زمنا طويلا. بدلا من سرد الرواية التفصيلي الواقعي، لدينا في سيرة شعرية ما يملأ المخيلة بالإيحاءات ويستجمع في لحظات متلاحقة دالة تجربة متشعبة مربكة.

 

الانتكاس والمراوحة

 

هنالك نقطة مقابل نقطة في هذه القصيدة تشبه العود الأزلي. بعد تهليل الفصل الخامس هنالك سكينة الفصل السادس, و الآن نحن إزاء صورة تحتدم بالتوق و التشوق إلى ما هو أعلى من سكينة المواقع المعرّفة والمؤسسات المكرسة. يتضح لنا هنا أن تجربة تجاوز الحسي الزائل لم تكن نهاية الشوط، إن الحسي يمتزج في تجربة الشاعر بذلك التوق إلى الأبدي و إلى ما يتجاوز الأطر المعروفة. ما يميز تجربة فوزي كريم إنه يصل إلى حقائق الواقع العراقي الفاجع بوساطة هذا المرصد الحسي/اللامتناهي البعيد عن الأيديولوجيات السياسية الجاهزة.

تبدأ "الفجر وشيك"، وهي القصيدة الأولى في هذا الفصل، بصورة كاتب السيرة فوق عشب ندي يعلن عن عزمه احتساء الخمر من فوهة القنينة، وهي مبالغة ترمي إلى التعبير عن رغبة في سكرة تعطل كل وعي عقلاني. لابد أن القارئ سيربط هذه الانتكاسة و هذا النكوص إلى الحسي بمحاولة الشاعر السكون إلى حضن العائلة كما مر ذكره. يتجه الشاعر إذن لفتح باب في ضباب الفجر (و برغم أن "يُفتح" مبنية للمجهول، لا ندري من سيقوم بفعل الفتح، فأنا لا أشك في أنه الشاعر نفسه من يقوم بذلك). يقود هذا الباب إلى مملكة يقف عند بابها حجاب يسألون الشاعر أن يعرّف نفسه، فيعرف نفسه بالقول " أقول أنا من يكتب شعرا ميتافيزيقيا." و الواقع أن كلمة "ميتافيزيقي" تعني ما هو متعارف عليه ، أي ذلك الفرع من الفلسفة الذي يتناول منهجيا البحث في المبادئ الأولية ومشاكل الواقع الأقصى، بما فيه الوجود (أنطلوجيا) وصورة الكون (كوزمولوجيا). يبدأ الهم الوجودي للشعر، بحثه عن المعنى في نثار التجربة، من لحظة تجرد زاهد يوفرها الحسي تارة و السمو إلى الملائكي تارة أخرى. وهنالك في الحالتين تفريغ للتجربة من محتواها السياسي الاجتماعي اليومي. هذا الهاجس الوجودي الستيني يزداد وهجا و امتلاء بالمعنى عندما يتم إسقاطه على الواقع العراقي الراهن. من هنا فرادة هذه القصيدة و فرادة اللحظة التي اختار أن يكتب فيها الشاعر سيرته.  و بهذا المقطع تعود القصيدة  إلى حيث بدأت، فتدمج مقطوعة "تعال نعزز الهوة التي تخلّفها الجذور" صورة صيد السمك في دجلة في الأيام الخوالي مع ما يحدث اليوم من انتهاك لهذه الهواية الوادعة من قبل زوارق كلاب الحراسة. يعقب ذلك فيض من صور العنف و القمع التي لا تقود إلى أكثر من ترديد يائس لرغبة الشاعر في احتساء مزيد من الخمر من فوهة القنينة. و لكن لنتوقف قليلا عند أبيات دالة ترد في هذا المقطع. يقول الشاعر:

 

مرتبك أنا. مرتبك أمام امتداده. أمام الإسفلت،

 يشبه ورقا رمليا بفعل الحصى الناعم،

و الانحناءات شاحبة الإضاءة لأعمدته.

 

أليس من الدال دلالة عميقة أن تنتهي محاولة الشاعر كتابة سيرته الذاتية، بكل ما تنطوي عليه هذه المحاولة من رغبة في الفهم وتمكن من التجربة، إلى هذا الارتباك أمام ورق الوجود المتعين الذي يتحول فيه الإسفلت إلى ورق تصعب الكتابة عليه إذ لا يعرف الشاعر ما يقول بسبب ارتباكه؟ من هنا النكوص في هذا المقطع الأخير إلي ما بدأ به الشاعر من سرد لطفولته و لأحداث العراق التي سبق أن أشار إليها من قبل. كأن هذه القصيدة لا تملك من حيلة لإغناء نفسها إلا المراوحة، تارة بين الحسي و المثالي و أخرى بين المنفى و الوطن. و كل قطب  من هذه الأقطاب يقذف بها إلى القطب الآخر دون بلوغ تنوير يهدئ من روع الشاعر و هو يرى التاريخ حوله يندفع في زخم نحو المجهول. في الأبيات الأخيرة من هذا المقطع عودة خائبة إلى المربع الأول لا يرفدها بالحياة إلا حنين شجي إلى اللحظات الحميمة في الوطن. هنالك رفض لكل ما يمكن استحضاره للتعويض عن الوطن، بما في ذلك البيت الذي يهجره الشاعر و الديمقراطية البريطانية العتيدة التي يفخر بها جنتلمان السوق ذو العينين الزرقاوين الألمنيوميتين.وبديلا عن كل هذا هنالك سكرة الحس المأزوم التي تكفيها قطعة جبن.

لكننا جميعا مهما بلغ بنا يأسنا محكومون بالأمل. ما قيمة الشعر والفكر إذا أجهد نفسه كل الجهد لكي يخرج علينا بعدمية مطلقة؟ من هنا نجد أن الأغنية الأخيرة تصر على تكرار سين الاستقبال لتتمركز على المستقبل و أمل العودة إلى الوطن حيث سكرة حقيقية عفية هي سكرة الكسل و الراحة في حضن الوطن الأم، لا سكرة الخمر المأزومة.

 

بين الواقعة واللامكان

 

بينما يرفض الشاعر أن يُختزل إلى راية أو نظرية، نجده من حيث لا يدري مندرجا في اختزال كبير هو الواقعة العراقية بما تفرضه من جبرية سياسية خانقة. ووعي الشاعر بهذه الجبرية ثم رفضه الانصياع لها هو المأزق المأساوي الذي لا يجد الشاعر حلا له. لقد كشفت القصيدة للشاعر، قبل أن تكشف للقارئ، أن آخرَ تجربته المعيشة المتمثل في المحنة السياسية التي يعيشها العراق هو مكونها الأساسي، و أن سعيه إلى تشييد أبراج من الجسد و التسامي المثالي ينسحب إليها مقدّر لها اللامعنى إذا ما انفصلت عن مكونات الوعي الخارجية.

من الاكتشافات الهامة لهذه القصيدة بلورتها لقانون الديكتاتوريات العجيب في أنها لا تحيا إلا إذا تخللت كل التضاعيف الصغيرة للوجود الإنساني. إنها التحديقة الميدوزية التي تحيل كل شيء إلى رقم أخرس في معادلة القوة ورغباتها العمياء. فوزي كريم الذي لم يعرف عنه الانتماء إلى تنظيم سياسي أو تبنيه لأيديولوجيا سياسية مخصوصة مما ظهر و يظهر على الساحة العراقية، كان يمكن له لولا هذا القانون المستبد أن يحيا في برج الفن والجمال والموسيقى. لكن عدوانية الأنظمة الديكتاتورية ما بين الكولونياليتين في العراق لم تسمح بإقامة برج من هذا النوع، واشتراطها الولاء المطلق أو الخيانة العظمى موقفين لا ثالث لهما جعل من المحتم على شاعر مثل فوزي كريم أن يعيش محنته التي كرس لها معظم شعره. أزمة الوعي اللاسياسي (الوجودي إن صح اختزاله إلى ذلك) إنه يسّيس ضد مشيئته تحت تحديقة الاستبداد، وهو ما نستدل عليه في القصيدة من غياب استقصاء مطول للتجارب اليومية المكونة لذات الشاعر (لنقارن هذه السيرة الشعرية بسيرة الشاعر وليم وردزورث "المقدمة" مثلا). الحميمي تلتهمه شراهة الاستبداد و تستقطبه بين برج الجسد والفن المستوحد وحراب السياسية المشرعة أبدا.إن افتقاد الشاعر فوزي كريم إلى حاضنة أيديولوجية أو عقائدية تتيح له الحصول على مرصد من قلب الواقعة، منه ينطلق للمشاركة فيها، قذف به إلى حمى الارتباك والحيرة، وأتاح له بذلك نقل وجه أساسي من وجوه التجربة العراقية المعاصرة. إن هذا المرصد الواقع في اللامكان هو ما يميز فوزي كريم عن شاعر كبير آخر مثل سعدي يوسف وجد في الولاء الأيديولوجي ما يوفر مرصدا من قلب الواقعة أتاح له إبداعا أصيلا أضاء وجها آخر من وجوه هذه التجربة الحافلة.

ينسحب هذا الاستقطاب الثيمي على بناء القصيدة إجمالا ومكوناتها السردية. و قد لاحظنا إن الحركة المحورية في تجربة الشاعر تقاس دائما بالمسافة الفاصلة بين الشاعر ومحنة وطنه قربا و بعدا. هنالك احتراق بهذه التجربة، ثم انسحاب إلى الجسد واحتماء بحواسه التي تكتفي من الحياة ببدائيتها، أو تحليق ملائكي سعيا إلى مثال شعري يغسل الروح من أدرانها. و لا أعتقد أن ثمة مبالغة في القول إن كل نتاج فوزي كريم الشعري يمكن أن يقاس بمقدار اقترابه من سعير الواقعة و انسحابه بعيدا عنه. و على ذلك تنقسم قصائد الأعمال الكاملة إلى:

 

1.     قصائد الواقعة: تنهمك في ظرفيّتها انهماك المشاركة.

2.     قصائد الانسحاب: تعتكف في الجسد والمثال.

3.      قصائد اللامكان: تتأمل اللغة والشعر بديلا عن الأيديولوجيا.

 

إن ما يبقي شعر فوزي كريم حيا و مقروءا هو حقيقة أن الخارطة متداخلة و مفهوم التجربة بابعادها الثلاثة (واقعة، انسحاب، لا مكان) يزيده غنى التداخل بين عناصره و يساعده على انجاز وعد الشعر بالشجن والتنوير. 

        لكن هذا التفاعل بين العناصر الثلاثة يكاد يصبح حلقة مفرغة أمام عنف الواقعة وجنونها. و يأتي المنفى تتويجا لهذه الخيبة و حقلا دلاليا يستوعب وجع الشاعر و رغبته في وجود حي مطمئن. تمتاز بنية القصيدة بالدائرية، إذ هي تنتهي حيث بدأت. و الشاعر بعد أن يبدأ بنيّة كتابة سيرة متنامية لتكوينه، يحاول في منتصفها (الفصول: الخامس و السادس و السابع) أن يرصد محاولة الخروج من رحم التكوين إلى عالم جديد علاماته تأسيس عائلة ومرافقة الحكماء في مكتبة المتحف في لندن،لكن المحاولة تنتكس فجأة ويتفجر في الشاعر حافز يرمي به إلى مرابع الطفولة في زخم من الصور النوستالجية المتدفقة. إن ما يفجر هذا الحافز النكوصي هو استمرار النزيف الفاجع في العراق. نحن هنا ننظر في تجربة لا تشبه في شيء تجربة المهاجرين من مدن الجنوب البائسة لتأسيس أنفسهم في مباهج الشمال. فالوطن يلاحق المغترب العراقي بفواجعه المتلاحقة و يكدر عليه صفو الغفلة، ولابد أن نتذكر هنا كيمياء الاغتراب المعقدة التي تضفي على الوطن أبهة الحلم و اللامكان. لا غرابة إذن في أن هذه القصيدة التي لاحقت شوطا طويلا في الزمان و المكان قد انتهت حيث بدأت، إنها أحجية الوطن الذي به و بدونه تلتبس المعاني.

 

 

 
 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail