فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

من مجموعة قصائد من مهجورة

(لم تنشر مستقلة. نشرت ضمن الأعمال الشعرية، دار المدى، 2001)

 

 

فاوست في مدينة كازا



1
 مقدمة وأغنية

في هدأة ليلٍ عربيّ الطابعْ،
تسكنه المحنُ بهيئةِ أسمالٍ
وسعالٍ أصفرَ ترشقُه
فوقَ الإسفلتِ مصابيحُ الشارعْ،
أنحدرُ من النفقِ المُطفَأ
في فندق باريس ،
لمدينة كازا
حيثُ أعابثُ موجاً يضربُ وقعَ خُطايَ، ولا يهدأْ!

إنْ كنتَ فتيّاً مثلي
فلنقتسمِ الأسمالْ
ولتقحمْ خطوَكَ قبلي
في هذا الدربِ الضالْ
ولنتشردّ

 



2

إرثي في هذا القدرِ من اللذةِ ملءُ جناحين،
وقيادي سهلٌ
نسرٌ عربيٌّ، صافَ وأشتى في الزمن الضائعْ،
لم يضربْ جنحاً فوق وِهادْ،
يتأمّلُ مشرقَ شَمسِ لم تشرقْ،
ومغيباً، منفضةَ رمادْ
يتحاشى سطحَ البحر، لأن السطحَ مرايا للأفق الساطعْ
يُخفي زمناًَ لا يتلاشى، شأنَ الموج المتدافعْ،
في ساحل كازا .
صرتُ نديمَ الزمن القابع كالأشنات بذاك القاعْ
طيراً نارياً، حتى فاض الشعرُ علي أرداني كالنعناعْ.

أن كنتَ فتيّاً مثلي
فلنقتسم الأسمالْ
ولتُقْحم خطوكَ قبلي
في هذا الدرب الضالْ
ولنتشرّد

 



إمرأةٌ من كازا ذاقت طعمَ دموعي
رشفتْ قطراتِ ندىً ندّت من أحرفِ شعري الموجوعِ،
فازدادت ظمأً.
شدّت حولَ الخصر ذراعي
واحْتَجلَتْ
بضفائرِ نعناعي،
رقصتْ
حتى ضجّتْ كازا
بسكارى الليلِ
قحابِ الليل،
جياع الليل .
ورقصتُ أنا
حولَ امرأةٍ فَتَنت شعري
بحرارةِ جسدٍ لم يُدفئْ جسداً غيري.
وتعانقنَا،
ما أشهى وقعَ خطاي على رمل الساحلْ:
أصداءُ شباكٍ تخبطُ أسماكاً؟
أم روحٌ تندب حظَّ الجسد الزائلْ
في خُلوة صوفيّ تسكنها الفئران؟
غنّيتُ وحيداً في ليل الميناء
وعند ضحى الميناء أكلتُ وحيداً، في مطعمه الصاخبْ.
مخموراً عدتُ إلي فندق باريس ، ورأسي قبضُ الريحِ.
مزقتُ الشعرَ، ورحتُ أفتشُ عن معنىً لتباريحي:
أأنا مجنون امرأةٍ خطرت لحظةَ نومٍ خاطفْ!
أم ميتٌ، منذ ولدْتُ،
وهذي المرأةُ نعناعٌ فوق ضريحي!
لو عثت فساداً في الكلمات، وبعثرتُ الورقَ التالفْ
في قبو قراءاتي،
وأنستُ لوسواس كانْ،
حتى أمضيتُ العقدَ الأسودَ بين دمي ودمِ الشيطانْ،
هل كنت سأمسك أولَ خيط يوصلني
لامرأةٍ خطَرت!!


هذا الحب جبينٌ بلَّله عَرَقُ الأتعابْ.
أو غصنٌ شفَّ، بطيئاً، عن فجرٍ
في عتمةِ غابْ
.

لندن 97/3/20



 

 

 

 

 

العزلةُ وقرينُها



1

أقترحُ العزلةَ تسكنها،
في منأىً عن أهوائكْ
والموتَ تعانقه طيَّ ردائكْ.
مُحترساً من عين رقيبٍ
لا يُحسن فهمَ أدائكْ.
أهواء المرء وليدةُ مجرىً لا يهدأْ
والعزلةُ ماءُ غديرْ،
يتآخى في زرقته الأحسنُ والأردأْ
والخيّرُ والشريرْ
.

 


2

لو أن الموتَ اختلسَ طريقاً
في السرِّ إليك
سيصيرُ عواءً أخرسَ، أنياباً ومخالبْ.
ولكيْ لا يُصبحَ بينكما مغلوبٌ أو غالبْ
شرّع لرسولِ القدرِ ذراعيك

 .

3

ما أجملَ ذكرى من أحببتَ، إذا ما ضعتَ بغاباتِ الذكرى
من دون دليلْ.
ما أوحشَ هذا الجسدَ الضيِّقَ بالمحن الكبرى،
أو أرحبَ موتَكَ حين يصير مجرَّتكَ الأخرى،
في متَّسعٍ لا يتناهى!


4

العزلةُ ماءُ غديرْ
يتأملُ فيها النرجسُ فتنتَه وزوالَ شبابه.
والموتُ مناجاةٌ للجسدِ تهدْهده
وتُهوّنُ من أتعابهَ
.

1996/11/14


 

 

 

 

 

يـا بـديـلي



أيها الشاحبُ النحيلُ،
يا بديلي،
يكفيك هذا القليلُ
من بقايا دربٍ نحاوله وثباً،
وأفقٍ نرتابُ فيما يقولُ.
سعةُ الليلِ في ثيابي، وبيتي
نفقٌ عاثرُ الخطى معقولُ.
كلما داهمَ النزيفُ دمائي
واحتواني جنحُ الضحايا الثقيلُ
تتراءى: كأنَّ نهرين حلاّ في حنايايَ واصطفاني النخيلُ .
أيها الشاحبُ الجميلُ
أيها الشاحبُ الجميلُ
.


1998/6/1





 

ثلاثةُ تخطيطات بالأسود

 

1
 هادي العلوي (عن المدينة الفاضلة
)



يتقشّر عنكَ لحاؤك: حربٌ ومراثٍ
وبقايا جسدٍ مُلتاثٍٍ
بالذلّ وبالتعذيب.
ولكي تتملّص من جثثٍ
هي نسجُ ردائكَ، صرتَ صفيَّ الصوفيين:

بيتٌ من طين ذاكرتي،
ومخيلّتي بيتٌ من طينْ.
وأنا عرّافٌ خُصّ بجرحِ بلاده،
بالنزف إذا أصغيتُ، وبالسكّينْ
أن شئَتُ الرؤيا>

ولذا عزّيتَ النفسَ بتقوى الحقْ
وبنيتَ مدينتكَ الفاضلةَ من الأبدالْ ،
واخترتَ الهفوةَ في الزمنِ المحدود لتفلتَ للمطلقْ.
ونسيتَ بفعل عزاء النفسِ عراءَ النفس،
وبفعل الأبدال الأوحال،
وبفعلِ الحق الخلق.

في الماضي، حيثُ تجلّت آخرُ كوكبةٍ لفضائلنا
في ليلِ الحكمة.
في الماضي، حيثُ تعرّت عند غديرِ الحكمة سيّدةُ الأوهامْ.
في الماضي، حيثُ يلوحُ الماضي مسحوراً بكتابه،
أبصرتُكَ مكترثاً في وحشةِ غابْ
تتوعّدُ بالسبابةِ أقداراً،
وتهشُّ ذئاباً بكتابْ،
وتغذُّ السير
.


دمشق 1997/12/29

 

 


2
سعدي يوسف (عن انتظار الفجر)



ما الذي حلَّ بالفجر؟!
إني أشتتُ ريحاً لكي يفلُتَ الخيطُ،
أستدرجُ الحلمَ فوقَ السريرِ المهاجرِ،
أقتادُ أعمى يعلّمني حرفةً،
وأساومُ في السوقِ بين المهرِّجِ بي والمشرّدِ!
طوبى لكلِّ الذينْ
أسلموا صوتَهم لليقينْ!
ولأكن في انتظاري،
أتخبّطُ في سُحنةٍ تُشبه الفجرَ. هذا خياري!

يا نديمي، ويا نديمَ الثريّا
ما لكأسٍ يحلُّ مرَّ المذاقِ
بين كفّي ورغبةٍ باغتباقِ!
أنفضُ الثوبَ عن بقايا رمادٍ
ساقطٍ من توهّجي واحتراقي!
وألبّي، وإنني أوهمُ النفسَ، نداءً يطلُّ من شفتيّا،
سائلاً عن موسْوسٍ كان حيّا
في ردائي: نعمْ وما زالَ حيّا
يتحاشى ليلاً بكفين، شُدّت عُروةُ الليلِ فيهما بوثاقِ.
آه من رغبةٍ تحاولُ شيّا،
عَلّ فجراً يحنو عليها نديّا
!

دمشق 97/12/24









3
  حسب الشيخ جعفر (عن الحاضر الذي لا ينتسب لمكان)



الصدفةُ تحشو أيامي بالقطنِ، فأصنعُ من قطنِ الأيامْ
ركناً وسريراً لصديقي الشاعر.
والصُدفةُ أجرأ من عصفورْ
يتحيّنُ فرصةَ أن يرتادَ فضاءً غيرَ فضائه،
ولذا أطلقتُ جناحيها
كي تعبث في الركنِ المهجورْ
من سَكنِ صديقي الشاعرْ.

وصديقي الشاعرُ لا يكترثُ لغير الكأسْ
وبقايا امرأةٍ دثّرها ببياض الرأسْ!
ولأنّ البردَ وشيكٌ غادرَ بيتَ صفيحٍ في عمّانْ،
واحتالَ على ماضيه بحاضرَ لا ينتسبُ لأي مكانْ.
فثيابي حصني ، قالَ، وجسَّ الكأسَ بحضن الكفّ،
كالساعدِ يحضنُ خصراً!
ثمّ أحاطَ بها والتفّ.
وصديقي أحسنَ صنعاً حين احتالَ على دنياه،
فعراقُ أبيه احترقَ ونخلتُه
ما عادت من نخل الله.
أودت بهما الكلماتُ العورْ،
وقصائدُ إخوته الصارخةُ بوجه الجدْي المذعورْ
أنْ يتجلّدْ
في مسلخه،
أنْ لا يرتدْ
عن مسلخه ،
أن يشحذَ سكين الجلاد
بعظام الرقبة.

لا تُحصِ القتلى، بل إحصِ القتَلة
في كلّ قناعٍ مصنوعٍ من كلماتِ:
سترى قفّازاً أسودْ
أو تسمعُ نزفاً لا ينفدْ.
ولذا، كنْ مثلي،
مثلَ جميع الجوالين وراءَ حدود الوطنِ ـ الفكرة،
نختبرُ الوطنَ المحترقَ بنا،
وسخامَ الوجه
بأصابعنا،
كيْ لا نُخْدَعَ أو نَخدعْ
.


عمان 97/12/5


 

 

 



حكاية مألوفة



وصديقي كانْ
لا يقرأ إلا نثراً صوفيّا
ويقول الدنيا
أزهدُ عندي من عفطةِ عنْز .

وصديقي يفتنه الحانُ، ويفتنه ندمانُ الكاسْ
فنديمُ الخمرةِ مفتاحٌ تتسّعُ به الرؤيا .

لكنّ الدنيا شحذتْ أكثرَ من سيف:
فالآخرُ سيف
والكلمةُ سيف
والوطنُ تعالى سيفاً فوقَ رقابِ الناسْ
وتعالي القائدُ سيّافاً!

فانسحبَ صديقي للعزلة
لا يأمنُ ظلاً حولَ الخمرةِ إلا ظلّه!
لكنْ في أحدِ الأيام ـ وكان الليلُ عراقيّا ـ
دسّت زوجتُه تحت فراش النوم جهازََ التسجيل
وتعرّت ثم دعته لشتمِ الدولة.

وصديقي اليومْ
في معتَقَلٍ
يتدّثرُ بالعلمِ الوطني،
ويعانقُ صورَ القائدِ فوقَ سريرِ النومْ
.


91/7/13




 

منحوتة باردة



لأن الغصونَ التي تتوارثُ جدرانَ بيتي
مدى العامِ ليست وريقة،
وأن الجذورَ العميقة
تغذّي مفاصلَها بالسمادْ،
وتمنحُ قشرتَها كلَّ هذا السوادْ!
لأني طليقٌ،
ولا يقتضي الشعرُ مني كلاماً ولا ورقاً أو مدادْ.
لأني وراءَ الكلامِ المعادِ أرى آخراً لا يُعادْ.
لأنَ الحواسَّ تبادلني وهمَها المسْكرا.
لأن ثيابي ملاذُ العواصف،
وأني بغير سنادٍ ولا قاعدة،
كمنحوتةٍ باردة
معلقةٍ في الفراغ
!

1993/11/16



 

 
 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail