فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

منذ أن أصدر الشاعر العراقي فوزي كريم مجموعته الشعرية الأولى "حيث تبدأ الأشياء" في بغداد عام 1968، لفت إليه الانتباه كشاعر طليعي مجدد، وبعد تخرجه من كلية الآداب في جامعة بغداد خلال نفس العام تفرغ كلياً للعمل الكتابي الحر.

لقد أصدر هذا الشاعر الذي يقيم في لندن منذ عام 1978، تسعة دواوين شعرية، وخمسة كتبت في النقد والدراسة والقصة القصيرة. وإذ تتعدد اهتمامات الشاعر نجده يكتب النقد التشكيلي ويمارس الرسم، كما أنه يهتم بالموسيقى العالمية ويكتب عنها.

وفي تقديمه لمجموعة الأعمال الشعرية التي صدرت للشاعر، يقول الشاعر سعدي يوسف أن هذه الأعمال ليست كالأعمال الأخرى. وأعود لأؤكد أنها ليست كالأعمال الأخرى، منطلقاً من حقيقة بسيطة، هي أن شاعراً قليل الادعاء، أطلق صيحته، كأعمق ما تكون الصيحة، وكأعلى ما تكون الصيحة في آن.

وكان قد استهل مقدمته التي حملت عنوان -القصيدة في احتفائها- بالقول:"يدخل الناس بيت الشاعر ليروا القدِّيس، فإذا بهم أمام الساحر. ليس من مقابلةٍ هنا، فالاثنان يتكاملان على نحو أو آخر، وقد يثيران لدينا الدهشة ذاتها التي نستشعرها حين نرى لقلقاً طائراً نحو عشه المرتجى وهو يحمل في منقاره صحيفة أو علماً أو غصناً عجيباً.

يكفيك أن ترتدي بدلةً ذات ثلاث قطع، وتطيل لحيتك، وتحمل عصا (كما فعل فوزي كريم في بغداد) حتى تدخل معادلة القدِّيس والساحر، كأبهى ما تكون، وحتى يغدو الفصل بينهما أمراً مستحيلاً.

منذ السطور الأولى، يأتي:

ملِك، خطوته الأولى صلاة

(فتح الباب وحيّاني)

وأعطاني الكتابا

                        "حيث تبدأ الأشياء"

ومنذ السطور الأولى تأتي، مطالبة الساحر:

        مَهّد العالم لي خبزاً

        وسَوِّيه من الخمر جرارً

        لُفَّهُ من يًبَسِ التبغِ..

                                                "حيث تبدأ الأشياء"

إذاً، نحن لم ننتظر طويلاً لنمسك بهذه الوحدة الثنائية، بهذين المتَّحدين في واحد، ولسوف يظل الأمر هكذا، في المسيرة الشعرية الطويلة لفوزي كريم. سوف يمسي القديس أكثر تأملاً (أكثر يأساً؟)، وسوف تزداد مهارة الساحر (مرارته؟) في الصنعة الخطرة.

 نزور الشاعر في بيته بلندن، فنجد أنفسنا داخل صومعة تعبق بالإبداع. رفوف الكتب واللوحات تغطي الجدران، والتسجيلات الموسيقية تشكل مكتبة حافلة بأهم إنجازات الموسيقى العالمية. وفي البداية نترك الشاعر ليعرف قارئه الأسترالي على أهم محطات وخصائص تجربته الشعرية: (يرجى الكتابة).

  أنت تعيش في لندن منذ 26 سنة شاعراً عراقياً قادماً من الشرق، كيف أثرت هذه الفترة وبعدك عن وطنك الأم خلالها على عطائك الشعري وتجاربك؟

 

-   في مرحلة المراهقة الشعرية في بغداد كنت أطمع، شأن معظم أبناء جيلي، بمغامرة السفر والاكتشاف. ولكنني ما ان بلغت مرحلة أول الشباب، وأول النضج حتى فاجأنا القدر باستحواذ حزب البعث، ودكتاتورية صدام حسين على مقدرات حياتنا كأفراد، وجماعات، ووطن، وثقافة، وحتى كمستقبل. خرجت من العراق مع الكثيرين الذين خرجوا، لا طمعاً بمغامرة أو اكتشاف، بل هرباً. ولقد ثبتُّ هذه الحالة شعرياً في قصيدة كتبتها سنة هربي من العراق:

 

                   Each sail not counted as yours, oh policeman of the border,
                    Sailing not in useless search for The Meaning
                    But fleeing from all those black meanings,
                    Know that it is mine.

    هذه الثيمة صارت أساسية في شعري. صرت أتأمل النفس ككيان مقتلع الجذور، ولا أمل في العودة. وسرعان ما تحول هذا الهاجس الى حالة شاعر يدخل مكتبة عظمى، ليقيم فيها الى الأبد. هذا الهاجس أصبح هو الآخر ثيمة أساسية في شعري. من يقيم في مكتبة عظمى بسعة الفردوس الذي تخيله بورخيس، لا يستعين إلا بالمخيلة. ومع الزمن، الذي يوصله بالحياة والآخرين، لا يستعين إلا بالماضي. ولذا أصبحت المخيلة والماضي من الثيم الأساسية أيضاً. الزمن المستقبل تركته لشعراء الايديولوجيا ، الذين يزدحم بهم الشعر العربي. المخيلة قوة حية لجعل الماضي حاضراً. ولذلك ما من حنين في هذا الشعر الذي أكتبه طيلة سنوات المنفى. الحنين عادة ما يكون لشيء مفتقد. الماضي لدي وجه من وجوه الحاضر الحي.

    أشعر أحياناً كثيرة بأنني محظوظ لأن القدر دفعني الى انكلترا، لا إلى منفى آخر. وأنه فتح لي أبواب اللغة الانكليزية وثقافتها. فهنا تعلمت قيما في الثقافة عديدة، كالجدية، والاكتراث، والانتساب للانسان كقيمة عليا، والنفس الطويل، والعقلانية، وعدم الانشغال بالظاهر، والتعالي عن اللعب الشكلي، وعن الايمان بالفكرة الواحدة .

 

-         

   تصدر مجموعة "الأعمال الشعرية" تخطيط لك دونت أدناه عبارة "الشاعر بقلمه" لماذا بقلمه وليس بريشته؟

-   واضح انني وضعت البورتريت بقلمي، حتى لو كان قلم رسم، لا بريشتي. بالتأكيد لا أستعمل نفس التعبير حين أشير الى إحدى لوحاتي بالزيت. عادة ما كنت، منذ الصغر، ألهو ساعة كتابة القصيدة، بتخطيط على هامش الورقة. وكثيرا ما كان التخطيط يستحوذ على الورقة جملة، ويلغي شاغل القصيدة ويحل محلها. لقد بدأت الرسم قبل الشعر في صباي الأول. والأدق أنني بدأت النحت قبلهما، على حجارة بيضاء كنت أنتخبها من بين حجار مرصوف على امتداد جرف نهر دجلة المجاور لبيتنا. وما أن أسرني الشعر صار الفن نشاطاً جانبياً. والى اليوم أود لو أني أضع تخطيطات لكل قصيدة أو قصة أكتبها، وأنشرها كوحدة بين النص والرسم داخل كتبي.

-         

   نجد أمامنا لوحات زيتية رسمتها أنت، كيف بدأت تجربتك مع الرسم، وماذا يدور بذهنك للمستقبل؟

-   قلت أني بدأت الرسم منذ الصغر. ثم سرقني الشعر. على أني لم أهمل الرسم يوماً. ولكنني لا أتعامل معه كمحترف. تعلمته بدربة ذاتية، وفي لندن صرت أعنى بالقراءة عنه وعن الفن جملة. ومثل الموسيقى صار مع الأيام أحد أهم مصادر تجربتي الشعرية. وأحد أهم مصادر ثقافتي جملة. لا أشعر أن الفن التشكيلي ينفرد، في تغذيته للشاعر، على عنصر الخيال البصري. تماماً كما أن الموسيقى لا تنفرد، كما أرى، على تغذيته بغنى الايقاعات الموسيقية. هناك خيال سمعي اقترحه الشاعر تي أس إليوت. و أعتقد أن الرؤى التي تُستوحى من الفن البصري، أو من الخيال البصري، هي رؤى تنفرد بطبيعة غاية في الخصوصية. مثل الخصوصية التي تنفرد بها الرؤى التي تُستوحى من رباعيات بيتهوفن الأخيرة. التأثير يتخلى عن عناصر الفن المادية الملموسة للتشكيل أو الموسيقى (الخط، اللون، الكتلة، أو الإيقاع، الخيط اللحني، و التداخل الهارموني)، ليصب في مجرى آخر. الشاعر هنا ينتفع من رؤاهما التي كانت بصرية وسمعية، كما ينتفع من الهواجس الدينية بعد أن يجردها من مادتها العقائدية الإيمانية المحدودة.

    مع الرسم أشعر أني أصرف توتري الروحي، وحتى الفيزيائي، مع حركة الفرشاة أو القلم. ذلك التوتر الذي أشعر أن الكتابة والقراءة، وحتى الموسيقى، تشحنه وتضاعف من زخمه. وهذا يعني أني ارسم في الساعات التي أحتاج فيها أن أصرف التوتر الذي يلم بي في ساعات العمل الذهني الطويل. ما أرسمه خاص وشخصي جداً، ولذلك لم أكترث حتى اليوم بإقامة معرض.

   

   نعود إلى الرسم أين تجد التجربة التشكيلية العراقية خصوصاً والعربية عموماً من الحركة التشكيلية العالمية التي اطلعت عليها عن قرب؟

- بسبب المنفى البعيد، وبسبب أن الفن التشكيلي نشاط ثانوي في حياتي كشاعر وكاتب، تبدو متابعتي للنشاط التشكيلي العراقي والعربي قاصرة. لا شك أنني أعرف ببصيرة نافذة أن الفن التشكيلي العراقي متميز ومتفوق كالشعر. أعرف ذلك لا من خلال جيل الرواد ومن جاء بعدهم من تلامذة فقط، بل من خلال العدد الفائق للعادة من الفنانين الذين التحقوا بالمنفى العالمي، منذ جاء حزب البعث الى السلطة. فانا الى جوار عدد منهم هنا في لندن، وفي أوربا. ولقد حدث أن التزمت بكتابة عمود في جريدة "المؤتمر" المعارضة، الصادرة هنا في لندن، حول لوحة انتخبها من أعمال فنان عراقي كل أسبوع، أهدف فيها الى إنضاج خبرة القارئ في كيفية قراءة اللوحة، تماما كما يتوجب علينا أن نقرأ القصيدة، أو العمل الموسيقي. كانت التجربة ناجحة، حيث بلغ الذين قدمتهم حوالى المئة. على أن الذين لم افلح في تقديمهم أكثر عدداً. الظرف العراقي الشاذ والمرضي الذي أحاط بحياة الفنانين، على توالي أكثر من جيل، أربك العلاقة بين الفنان ولوحته، وبينه وبين الفن العربي والعالمي. فهو أسير موجات الغرب الفنية، التي تخضع بالضرورة لمسببات ومؤثرات غربية جد خاصة. وليست جميعها مؤثرات صحية على كل حال. إلا أن هذا الظرف من جانب آخر جعل الفن لدى عدد كبير من الفنانين نافذة غاية في الحساسية على خبرتهم الداخلية، الخبرة التي تعزز هويتهم الانسانية، وتعزز روح المقاومة. 

   أنت متابع جيد للشعر الإنكليزي، هل يمكن أن تلقي لنا نظرة عامة على واقعه الحالي؟ ومن تفضل من الشعراء الإنكليز المعاصرين ولماذا؟

- اعتقد أن الشعر الإنكليزي، منذ شيكسبير، رائع دائماً. ما كان أحوجني إليه، أنا العربي الذي كنت أعاني من موروث شعري تثقله الهيمنة اللغوية، التي لا تخلو من لمسة قداسة، واللعب البياني واللفظي، كما تثقله الصراعات الايديولوجية التي لا تقل قداسة. خصائص هذا اللعب وجدتها في الشعر الفرنسي، ولقد تفشى في سنوات التجريب الأخيرة في الشعر الانكليزي، والأمريكي بصورة خاصة. ولكن هذا البلاء لم  يصب شعراء عديدين أكثر تأثيراُ وهيمنة، أجد في أصواتهم غذاءً كبير الصحة والفائدة. من الشعراء الذين قرأتهم وهم أحياء معاصرين لي: آر.أس.توماس شاعر ويلز القس الملتهب بالشكوك، الخشن كالطبيعة الخام الوعرة. وشيموس هيني شاعر ايرلندا النابش لخبرته الداخلية كما ينبش التربة بالمسحاة أبوه الفلاح. و تيد هيوز، وفيليب لاركن شاعرا انكلترا المتعارضان كتعارض الليل والنهار، واللذان رحلا مؤخراً شأن توماس. هؤلاء أساتذة خبرات غاية في الخصوصية والتميز. هناك عدد من الأصوات المتميزة من الأجيال التالية مثل توم بولن  Tom Paulin ، Carol Ann Duffy، Simon Armitage، Jo Shapcott، Douglas Dunn. الأصوات الشعرية الجديدة كثيرة ومن الصعب الاحاطة بها، على اني عرّفت بكثيرين منهم الى العربية في عروضي للاصدارات الانكليزية.

   وماذا عن الشعر الأسترالي؟

-   بالرغم من أن عمر الشعر الاسترالي لا يتجاوز المائتين سنة، هذا إذا فهمت من سؤالك الشعر المكتوب بالانكليزية، لأن الشعر الاسترالي المحلي ( الأبوريجيني) يرجع الى آلاف السنين قبل ذلك، إلا أنني أشعر أنني مقصر في متابعته والاحاطة به، بسبب هيمنة الشعر الانكليزي المكتوب في الجزر البريطانية دون شك. شاعر استرالي مهم واحد تابعته هو A.D. Hope ، بدافع من قراءتي لكتابه The New Cratylus، الذي انتفعت منه بسبب تلبيته لتطلعي الى شعر لا يستجيب الى الروح التجريبي والموضات العابرة بشكل طائش، وعلى حساب الغنى الموسيقي والمحفزات الكامنة في الضوابط، التي هي موروث اسهمت البشرية عبر آلاف السنين في انجازه. الكتاب ملاحظات أوتوبيوغرافية في الشعر كحرفة تعتمد عناصر لغوية، روحية، وفكرية. الكتاب كما قلت دفعني الى قراءة قصائد مختارة لهذا الشاعر في مختارات penguin من الشعر الاسترالي، وفي المختارات والاحاطة النقدية لها التي توفرت لدي في كتاب الشاعر الذي لا يقل جودة James McAuley: A Map of Australian Verse.

 

   لقد ترجمتَ قصائد مختارة لكواسيمودو لماذا اخترت هذا الشاعر دون غيره، وكيف كانت تجربتك مع ترجمة الشعر عموماً؟

-   هناك شعراء عالميون، بأي لغة كانت، أشعر في لحظات قراءتي لهم، أنهم ينتمون الى ذات العائلة التي انتمي اليها. أشعر أنني أصحبهم في قصائدهم حين أقرأها، وأتخيل أنني صحبتهم في قصائدهم ساعة كتابتها. وكذلك الأمر حين أكتب قصيدتي، انهم لا يقلون مشاركة. حدث هذا مع الشاعر البولندي milosz، الذي ترجمت له كثيراً، وأسعى الى نشر ما ترجمته في كتاب. الأمر ذاته حدث مع الشاعر الايطالي Quasimodo. وحدث مع الانكليزي R.S.Thomas، وآخرين . في حقل قراءتي للشعر العالمي، والعربي أيضاً، يشدني الصوت الشعري الذي يُعنى بالانسان ككيان داخلي حتى في بعده الميتافيزيقي. أنت تعرف أن الايمان لا ينتسب لهذا الجوهر الانساني الداخلي قدر انتسابه للاهداف والأفكار  والمثل، التي تكون الايديولوجيا، القابلة للتغير والزوال. الارتياب والتشكك والقلق والتعارض هو جوهر ينتسب للداخل الانساني ، الذي يُعنى به الشعر. الشاعر الذي يغني للمثل الثابتة بقناعة ثابتة لا يطربني. وكواسيمودو شاعر فائض الحنو على الانسان. قصيدته أغنية تصدر من غاب داخل ضباب كثيف.

-            لا أميل الى الترجمة الشعرية ولكن يحدث أن تدفعني قرابة الصوت الشعري الذي أطلع عليه الى ذالك. ثم دافع آخر تبشيري يتولد من قناعتي بأن الشعر العربي يقع تحت وطأة هذا الانتساب للأهداف والأفكار والمثل، التي تكون الايديولوجيا، بعيداً عن الالتباس الانساني الداخلي.

     

   كيف تبدأ القصيدة لديك، وكيف تأخذ طريقها إلى الورق ثم إلى النشر؟

- لأني، منذ صغري، لا أفصل الشعر عن الموسيقى، ومع النضج عرفت السبب بوعي، حتى وضعت كتاباً في ذلك هو كتاب "الفضائل الموسيقية"، أشعر دائماً أن قصيدتي تبدأ من همهمة في لحن غامض. ثمة طاقة بدائية في الكلمات، لا تقدر على تفجيرها وإزالة قشرتها (قشرة الاستعمال والاستهلاك اليومي) إلا الرغبة الغريزية في الرقص أو الغناء. لا يحدث هذا لأني شاعر غنائي فقط. لا بد أن الأمر يحدث بذات الطاقة مع الشعر الدرامي والشعر الملحمي. مع أن شعرنا العربي غنائي في جملته. والغريب معي أحيانا ان القصيدة لا تولد فقط من همهمة لحنية أو إيقاعية غامضة، بل أنها تولد وتكتمل مع لحن يولد ويكتمل معها. وأجدني عادة ما أرتجل لحناً لكثير من قصائدي، وحدث ذلك في أكثر من قراءة شعرية عامة أمام الجمهور. ولكن هذه العلاقة بين قصيدتي وبين الموسيقى الشعرية أصبحت أكثر تعقيداً مع التجربة والنضج. تماماً كما تعقدت الموسيقى الجدية مع الأيام.

   ما رأيك بما يتردد حول أن الشعر في أزمة، وأن المستقبل هو للرواية؟

- معظم مصادر هذا الكلام تعود الى الصحافة والى النقاد الكسالى. دائماً هناك شاعر لا يفهمه الجمهور، ودائماً هناك شاعر يقرأ لملايين الناس. فن القصص أقرب الى عامة الناس دائماً، ومنذ نشأته. وما من صراع بين الفنين، وما من وجه للمقارنة. أنا أكثر الشعراء عزلة عن الناس(دعك عن عزلة المنفى الطويلة!)، وأنا أكثر الشعراء عزلة عن المحيط الثقافي والشعري العربي، وأنا أكثر الشعراء عزلة عن تيارات هذا الشعر التي تتجه منذ القديم نحو ما سميته الأهداف والأفكار والمثل العقائدية، ولكنني مع ذلك أشعر أن لي صوتاً شعرياً كفاية، وله قراء كفاية، حتى لو لم أُنعم برؤيتهم والتماس معهم.   

   عدت مؤخراً من دعوة وجهتها إليك إحدى الجامعات السويسرية ، هل تحدثنا عن هذه الزيارة وعن أهم المهرجانات الشعرية العالمية التي حضرتها؟

-   العام الماضي تُرجمت قصيدتي الطويلة "قارات الأوبئة" الى الفرنسية، ونُشرت في دار النشر السويسرية Editions Empreintes، تحت عنوان Continant de douleurs القصيدة كتبتها عام 1991، عام حرب الخليج الثانية. وهي أشبة بسيرة شعرية أستعيد فيها سنوات الطفولة والصبا والشباب تحت هيمنة الصراعات العراقية العقائدية الدامية. صرخة احتجاج دون شك، ولكنها دراما تراجيدية. القصيدة المترجمة الى الفرنسية حققت صدى جيداً في المراجعات الصحفية. جمعية تُعنى بالترجمة داخل جامعة لوزان وجدت من المناسب عقد امسية للقراءة من القصيدة، والحوار حولها. الطريف أنني شعرت أن القراءة من النص العربي الأصلي كانت لا تقل تأثيراً ، كانت موسيقى النص وحدها كافية لإيصال الشحنات الشعرية الى الآخر. حتى سألني أحدهم إذا ما كنت أغني بعض المقاطع!

-            لا أدعى الى مهرجانات عربية أو عالمية إلا نادراً، أو بالصدفة.  

  ما الذي تنشغل به الآن من مشاريع جديدة؟

 

       إنني متفرغ منذ سنوات طويلة للكتابة والقراءة والرسم والموسيقى. علاقتي مع الحياة تمر من هذه القنوات. وكما انشغل في أكثر من كتاب في القراءة، كذلك أنشغل في أكثر من مشروع للكتابة. صدر لي كتاب الآن تحت عنوان  return to Gardenia، وهو كتاب استعادة لسنوات الطفولة والصبا والشباب عبر المعترك العراقي الدامي الذي بلغ أعمق عتمته مع صعود صدام حسين دكتاتوراً. أرسلت الى الناشر كتاباً جديداً، هو عبارة عن مجموعة المقالات العديدة التي كتبتها كيوميات منذ بدأ نظام الدكتاتور يواجه تهديداً بالاطاحة به حتى مرحلة زواله. الكتاب عنوانه: Diary of The End of a Nightmare  . وأنشغل الآن بإنجاز الجزء الثاني من كتاب Musical Values ، وهو جزء يدرس علاقة الموسيقى بالفن التشكيلي، يسبق الجزء الثالث الذي يدرس علاقة الموسيقى بالفلسفة. مجموعة شعرية جديدة تكاد تكتمل بين يدي سأرسلها للناشر قبل عودتي القريبة لزيارة بغداد، أختتم بها مرحلة المنفى الطويل. كتاب آخر أشرع به حول علاقتي كشاعر مع الموسيقى. وكتب أخرى تحتاج الى تحرير، وإعادة نظر حول الموسيقى، النقد، والشعر الانكليزي. زحمة مشاريع كما ترى، ولكنها تدب كالحياة بلا تزاحم وارتباك.

        

o        لقد أصدرت مجلة "اللحظة الشعرية" بالعربية ولكنها توقفت عن الصدور هل يمكن أن تحدثنا عن هذه الترجمة بشيء من التفصيل؟

 

 

    بعد حرب الخليج الثانية التي حطمت العراق وآماله، ولم تقض على دكتاتورية صدام حسين، رأيت أن أصدر مجلة تعنى بالشعر، ولكنها في الحقيقة تهدف، عبر الشعر ومعالجته، الى مواجهة ظاهرة في الثقافة العربية وعلى رأسها الشعر، أكثر تدميرية من كل الظواهر، وهي ظاهرة تغليب الفكرة على الإنسان. هيمنة العقائد وقداستها جعلت الانسان في المعترك الدامي ضحية سهلة وكبش فداء. الشعر العربي في أغلبه يبحث عن الانتصار، لا عن الحقبقة. لأنه بدورة مطية الدعاوى والعقائد، دينية أو علمانية. ذهبت في هذه المجلة لموجهة الظاهرة اللفظية والشكلية، كما واجهت ظاهرة محاكاة ثقافة وأدب الغرب بصورة عمياء. من سلسلة مقالات "ثياب الامبراطور" التي كتبتها في المجلة نضجت فكرة المواجهة النقدية التي وضعتها في كتاب " ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة". طبعاً المجلة واجهت بدورها محاربة وإنكاراً من معظم الأطراف ذات الفاعلية في ثقافتنا الأدبية والثقافية. ولأنها اعتمدت على جهد فردي في التحرير والتكاليف اضطررت الى إيقافها. بعد سنوات عرض على صاحب دار النشر "المدى"، وهو ناشر كتبي فخري كريم، إعادة إصدار المجلة داخل مجلته الفصلية. واستمر ذلك حتى سقوط صدام حسين. أوقفت المجلة طمعاً بإصدارها من جديد مستقلة وشهرية من بغداد. 

 

 

 

       *كيف كانت خطة المجلة للموازنة بين نشر نصوص عربية ونصوص مترجمة؟

 

    كنت وما زلت مهتماً بترجمة شعراء من الغرب أعتقد أنهم على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لشعرنا، الذي يكاد يخلو من العمق، بفعل إهماله جانب التأمل الفكري. في الأعداد التي أحررها هذه الأيام انصرفت الى ترجمة نصوص من الشعر الهندي القديم، لأنني أعتقد أننا أهملناه بفعل الرغبة العمياء في محاكاة الغرب. في حين أن هذا الشعر الشرقي المهمل هو أقرب الينا، في التأثير الصحي، من شعر الحداثة الغربي. إنه ينطوي على هذا التأمل الروحي والفكري العميق. ترجمت قصيدة "Savitri" وهي جزء من "الماهابهاراتا" الشهيرة التي كتبت بعد القرن التاسع قبل الميلاد. ترجمت أيضاً قصيدة The Cloud Messenger للشاعر Kalidasa  من القرن الرابع الميلادي. وهي جميعاً قصائد طويلة جداً، ملحمية في الأولى، وغنائية في الثانية. ومن القرن الثامن عشر ترجمت عن الشاعرين كبير (هندي)، ومير (أوردو).

 

   بالمناسبة ماذا يجذبك  من المجلات الأجنبية المخصصة للشعر وما هي أبرزها من وجهة نظرك ؟

 

    تستهويني المجلات الموسيقية، التشكيلية، الشعرية، والثقافية عامة. أحبها تأتيني بالاشتراك الى البيت صباحاً. أكثرها حضوراً هي المجلات الموسيقية، فهي شهرية، وأنا مشترك بهن منذ سنوات طويلة. بالنسبة للشعر صرت أفضل الاعتماد على متابعة ما تصدره دور النشر المتخصصة من دواوين شعرية لمختلف الأجيال، مثل Faber and Faber، Carcanet، Bloodaxe. الإنترنيت صار مصدراً لا محدودا للمتابعة الشعرية.  

 

 

 

 

                               9/3/2004

 

 

 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail