العدد 16 خريف 2009

 

شعرية السرد بالكاميرا 

قراءة في قصيدة ياسين طه حافظ (( عالم آخر.. ))

 

أ . د.بشرى البستاني                                                     

                                            

(1)

النص:

في الظلمة بيت

في البيت غرفة

في الغرفة وجه تدلى على صفحة في كتابْ

 

البنادق محشوة يسألون النوافذ عن ضوئها

جاحظات عيونهمو

يقرؤون الأزقة بابا فباب

وأنا الصفحات الحميمة تأخذني

موغل ، موغل في الغيابْ..

 

في الصباح تشبّث بي الجار مرتجفاً

أنت ما كنت تفعل في الليل كانوا هنا!

الجنود ! الجنود ريتهمو !

حول بيتك كانت بنادقهم!

كل من مر يسأل صاحبه ثم يصعدُ

ينظر في النافذة

ويغادرها،ثم يأتي لها آخرونَْ..

المدينة غارقة في الظلام ْ

وضياؤك وحدك مشتعل ٌ

وقفوا خمسة ً

خمسة وقفوا

ما سمعت الذي كان يجري ولكنهم

وقفوا ينظرون إلى الضوء مشتعلا

والى الباب ، ثم إلى بعضهم بارتيابْ

كم بعيد أنا

 

كنت أقرا عن عالم آخر في كتاب. ( 1 )

 

(2)

يمكن الإشارة بدءاً إلى أن التراسل بين انواع الفنون ليس بالفكرة الجديدة فقد بدأ النزوع نحو وحدة هذه الفنون قبل قرون يوم راح الفن يبحث عن تأطير أهم ممارساته بالشعر والتصوير ، وتحولت هذه النظرة في القرن الثامن عشر الى موضوع مستقل تحت مصطلح " علم الجمال " حيث دمجت تلك النظرية نظرية الأدب أولا ثم أدمجتها بنظرية عامة للفنون ، ومنهم من يعود بإرهاصات هذا الاتجاه الى أزمنة ابعد  ، لكن هذه الدعوة لم تأخذ مكانها اللائق   إلا على   يد  لسنج   (  1729 1781 ) وكانط ( 1724 1804 ) بوصفهما أول من بدأ في ممارسة هذا البحث الجمالي الذي عمل على تعميق نظرية وحدة الأعمال  الفنية ( 2 ) التي شاع تأثيرها على المنجز الفني أدبا وتشكيلا ومنجزات مرئية .

إن التطورات التي شهدتها الفنون عموما ولاسيما الفنون السينمائية بكل فروعها وتقنياتها لم تستطع أن تبعد الأدب والشعر بشكل خاص عن ميدان الحضور، فضلا عن أن فنون السينما والمسرح والتلفزيون ستظل مرتكزة على الأدب في اعتماد رواياته وقصصه ومسرحياته وحقول شعريته من اجل إنجاز هدفها، لذلك كان السيناريو والمونتاج والإخراج وتقنيات الضوء والظل من الفنون المهمة التي مثلت الوسائط الفنية في عملها على تهيئة النص الأدبي ليكون بؤرة هذا الفن الجديد. إن رسوخ الشعر وسمة الانفتاح التي اتسم بها، وإيقاع العصر الحديث العاصف المتداخل وتراسل الأجناس في الأدب والفنون وتوافدها على بعض ، كل ذلك جعل استقبال الشعر للفنون الأخرى واحتواءه لها أمرا طبيعيا عززته قدرة الشعر على الاحتواء والهيمنة ، بحيث يصير الفن الوافد نبضا حميما في صميم القصيدة الجديدة ، على أن انفتاح الشعر على الفنون الأخرى ليس بالأمر الحديث، فالموسيقى والسرد والحوار والفن التشكيلي والسيناريو والضوء والظل  ، كل ذلك كان موجودا في الشعر لأنه فن التصوير باللغة والموسيقى، ولانه فن الحياة الاول الذي عبر عن دواخل إنسانها اصدق تعبير، لكن الذي حدث ان تطور هذه الفنون وانفتاحها على تقنيات عصرية كان لا بد له من التأثير على الشعر حين يفد إليه لكن بتوازن مدهش وانسجام لا يلغي خصوصية الوافد بل يمتص منه الرحيق لاغناء روح الفن الأصلي ، فاستخدام وسيلة سينمائية في الأدب المكتوب مثلا يؤدي في اغلب الأحيان إلى نتائج مختلفة، فاللقطات التي تعود بنا إلى الوراء كثيرا ما تستخدم في الأدب بوصفها عنصرا من الماضي، لكن تحقيق هذا الأمر في الفلم أمر فيه صعوبة كما يقول بيلا بالاز، فالصور المتحركة ليس لها صيغة زمنية، وهذا يعني أنها دائما في حالة المضارع، يقول روب غرييه : السمة الجوهرية للصورة هي أنها في الحاضر، أما الأدب فله نظام كامل للصيغ الزمنية، فالذي نراه على الشاشة شئ في حالة الحدوث لان الذي يقدم لنا هو ما يحدث وليس الحديث عما حدث.. إن انفتاح الفنين الأدب والسينما على بعضهما أمر مهم أفاد في معالجة الفرق الشائع الذي يقول إن السينما فن مكاني في جوهره بينما الأدب فن زماني محض..(3)

إن تأثير القصيدة على الفلم أمر يؤكده فنانو السينما أنفسهم، يقول فردريكو فليني ، إني أحاول أن أحرر عملي من بعض القيود كحدود القصة التي لها بداية ونهاية إذ ينبغي ان يكون الفلم كالقصيدة له بحر وإيقاع، كما طالب باسوليني بسينما شعرية لا سينما نثرية، فضلا عن أن كثيرا من الروائيين،المعاصرين قد تعمدوا الاقتراب من خصائص الشعر وأساليبه أمثال جويس وفوكتو وبروست وغيرهم (4) ، إن ذلك التراسل الفني يسهل البحث في اثر الفن السينمائي على الشعر من حيث إفادته من التقنيات والحركة والتكثيف في الأداء بالصورة والسرد بواسطة اللقطات والمشاهد ، مادام الشعر قادراً على ضم الفنون الوافدة ودمجها في مشروعه الإبداعي .

إن قصيدة اللقطات هي قصيدة تعتمد في إثراء شعريتها على حساسية الكامرا الشعرية بمخيلة مبدع يحسن الإفادة من تقنيات الفن الذي يراه ملائما للتعبير عن تجربته ، وقد كانت هذه الكامرا وسيلة الشاعر في هذه القصيدة وهو ينتقي الصور ويتقن توظيف المونتاج الذي لا يمكن للكامرا الفنية أن تشتغل بدونه لانه الفن الذي  يُحكم توزيع اللقطات قطعا ووصلا وهو الذي يقوم بإعادة تشكيلها من خلال ترتيبه للصور وتركيبها بحيث يصبح لها دلالة خاصة، فعملية المونتاج في السينما لا تتم وفقاً للتسلسل الطبيعي للحدث، وإنما وفقاً للأثر الذي يريد المخرج إحداثه في المتلقي (5)  كذلك يكون فعل الشاعر / المخرج  في القصيدة، وللمونتاج مجموعة من الطرائق والأساليب التي يسلكها في أدائه، فمنها المونتاج القائم على اللقطات المتناقضة، وهناك المونتاج القائم على التوازي، وفيه يتم تقديم حدثين متوازيين متداخلين بحيث تقدم اللقطات بالتبادل، ومن أنواعها المونتاج القائم على أساس التماثل، وفيه يتم تقديم حدثين متماثلين، وهناك المونتاج القائم على الترابط وفيه تقدم اللقطات متتابعة  يربطها موضوع واحد، وأخيرا المونتاج القائم على تكرار لقطات معينة إلحاحا على فكرة خاصة  (6) وقد يتداخل نوعان من هذه الأنواع مع بعضهما كتداخل لقطات متناقضة، تعرض بطريقة التوازي كما حدث في قصيدة الشاعر ياسين طه حافظ موضوع هذه الدراسة.

وبما ان الصورة في الأدب وفي الفنون هي فضاء مكاني مكتنز بالزمن إذ لا شئ يتشكل خارج سلطة الزمكان وجودا ، فان السرد بالكامرا سيتضمن كل المستلزمات  السردية من رؤى  ووسائل وعناصر... شخصية وحدث وزمان ومكان مهما كان أمر هذين الفضاءين مضللا من جهة او شموليا من جهة أخرى ، إلا أن الوقائع والأحداث الجارية مع ربطها بحياة المبدع للنص استطاعت أن تشير الى مكان بعينه وزمان معاصر ، هما العراق بما يجري فيه من محن وعذابات ..

 

 

( 3 )

حالما اقتربُ من شعر المبدع ياسين طه حافظ أتذكر مقولة بيفون ، الأسلوب هو الرجل هدوءا وتأملا ورصانة تعبير ، إذ تعمل قصيدته المتأنية هذه على قول عذابات الواقع قولاً وجودياً يبوح بهمس شفاف متجاوزاً الصوت العالي، متسربلاً بسؤال الوجود ، ومعضلة مكابدات الإنسان ممزَّقاً بعدوانية الطغاة في كل مكان ، مذبوحاً في براءته، مسروقاً في لقمته ومهدداً في بيته، لكن فضيلة الفن تكمن دوماً في عدم الاستسلام لعوامل السلب، لأن المقاومة ستظل عنوان الحضور..

ان قصيدة (عالم آخر..) التي سُردت بالكاميرا تشكلت من أربعة مشاهد، وكل مشهد شكل وحدة سردية احتوت على لقطة واحدة مرة كالمشهد الرابع ، أو على لقطات عديدة كما في المشاهد الأخرى ، وهي جميعا تُلتقط و تُعرض في فضاء ليل تسوده الوحشة والخوف والتوجس المتأتي من وقائع الاستلاب التي تجري فيه ، فالظلمة من بداية الخلق وفي كل الكتب السماوية كانت رمزا للشر والمكيدة ،على عكس النور الذي رمز لكل قيم الخير والإشراق والفرح ولذلك كانت مساحة الظلمة هي المهيمنة في القصيدة بينما كان للضوء حيز صغير جدا ومحدود بنافذة القارئ ، لكن اقترانه برمزين منفتحين على الحياة هو الذي قرن به حلما واملا ليس لمداهما حدود ...النافذة والقراءة .

تشكل المشهد السردي الأول من لقطات ثلاث في كل سطر لقطة حيث تبدأ الكاميرا الشعرية بالتقاط الصورة العامة عن بعد حينما تصور الظلمة فضاء خارجياً عاماً، ثم تغادر الكاميرا عمومية المكان نحو التخصيص لتصور مكاناً خاصاً في ذلك الفضاء هو: (بيت..) وفي اللقطة الثانية تغادر الكاميرا فضاءها الآخر لتدخل البيت ملتقطة صورة (غرفة) ولا تكتفي بالوقوف في فضاء البيت حول الغرفة لأنها تواصل اجتيازها نحو الداخل لنجدها في السطر الثالث داخلة إلى حيز أكثر خصوصية ، وهناك تلتقط صورة وجه تدلّى على صفحة في كتاب ..

في الظلمة بيت

في البيت غرفة

في الغرفة وجه تدلّى على صفحة في كتاب

إن اللقطات التصويرية تنتقل هنا من الكل إلى الجزء من العام إلى التخصيص ، بعدها تتحول الكاميرا الشعرية من الغرفة والوجه المتدلي إلى مشهد آخر يبث صوراً لا علاقة لها بالمشهد الأول إذ تتوالى اللقطات وتتآزر الصور والأصوات من اجل دفع الصراع إلى الذروة إذ يبدأ المشهد الثاني بتشكيلات حادة تشي بعنف مقصود ، هكذا :

 البنادق محشوة يسألون النوافذ عن ضوئها

           جاحظات عيونهمو

                    يقرؤون الأزقة باباً فباب..

لكن هذا الانفصال المتوهم بين لقطات المشهدين الأول والثاني ما يلبث أن يتوارى لان الشاعر- المخرج الذي أطلق خيط دلالته الكامن الرفيع من الجملة  / الصورة الأولى أنهى المشهد الأول بشرارة دلالية هي الوجه المتدلي على صفحة الكتاب وعاود بث ومضة يؤكدها المشهد الثاني في لقطة واحدة:

               وأنا الصفحات الحميمة تأخذني

                            موغل، موغل في الغياب..

حيث يمتد خط التواصل في عملية التلقي التي تبدأ خيوطها بالتشابك في المشهد الثالث الذي يعد تنويعاً وتلويناً على المشهد الثاني من جهة وتوسيعاً لفضاءاته المكثفة من جهة أخرى، إذ يعمد الإخراج الشعري إلى تفصيل ما أجمله سابقا في لقطات سريعة موحية متداخلة فالمجهولون جاحظو العيون، قارئو أبواب الأزقة اتضحت هويتهم هنا وصاروا شاخصين للعيان ، واتضح هدفهم الراصد للقارئ وللضوء ولعملية القراءة ....

الجنود ، الجنود، رأيتهمو

حول بيتك كانت بنادقهم

كل من مر يسأل صاحبه ثم يصعد

ينظر في النافذة

ويغادرها ثم يأتي لها آخرون

 المقصود إذن (بيتك ) بيت القارئ الموغل بالكتاب والمعرفة  تاريخا وحضورا وحضارة ، الرافض تهديدَ من يريد فصله عن مشروعه القرائي فالعدوان ذو مقصدية مُخطط لها ، وإذ تكتمل صور ما حول البيت تغادر الكاميرا الشعرية فضاءها لتلتفت نحو المدينة في فضاء أوسع إشارة إلى شمولية العتمة في العالم وهناك تلتقط صورة المدينة غارقة بالظلام، وخلال هذا الظلام تركز على الضوء المشتعل عبر نافذة واحدة إشارة الى محدودية فضاء الوعي أمام شمولية العتمة ، ثم تبدأ اللقطة الأخيرة في المشهد:

 

وقفوا خمسة

 خمسة وقفوا

ما سمعت الذي كان يجري ولكنهم

وقفوا ينظرون الى الضوء مشتعلاً

والى الباب ، ثم إلى بعضهم بارتياب..

 ذلك انهم يخافون الضوء الذي يفضح جرائمهم لاسيما وان اشتعاله مستمر فقد ورد بصيغة اسم الفاعل المكتنز بفاعلية الحدث مُشتعِلا - ،فضلا عن كون الضياء أصلا مصدره الشمس التي كانت عبر العصور القديمة معبودة كونها واهبة الضوء والدفء والحياة ، وهي الأكثر قدرة على منح الإنسان الطاقة على الإدراك بالحواس وعمق الوعي ، ولذلك كانت الظلمة فضاء حركتهم ، ثم تنتهي القصيدة بجملتين إخباريتين يؤديهما سرد ذاتي ، في سرده تمويه فني فيه الكثير من الإيحاء بالمقارنة ما بين عالمين متناقضين هما عالم الواقع وعالم الحلم المنشود ..

إن حرية التشكيل الصوري التي يحققها المونتاج وهو يصل بين لقطة ولقطة ، وبين مشهد ومشهد هي فرصة تتيح مجالاً واسعاً للتأويل مع الاحتفاظ بخيط دلالي دقيق يبدأ بالتشكل من جملة الاستهلال الأولى في النص، وينمو بنمو اللقطات والمشاهد حتى يصل إلى آخر جملة في التشكيل النصي فاتحاً النهاية على المقاصد التي أرادها، وحينها يكون التواصل المضمر متواشجا مع التشكيل من جهة وناتجاً عنه، ولذلك فمن المهم القول: إن الكاميرا الشعرية هي كاميرا موجهة ذات مقصدية. وإن الجمع بين مشهدين وحتى بين لقطات- لا تبدو العلاقة الدلالية فيها واضحة للوهلة الأولى- لا يمكن أن يتم إلا بوساطة المونتاج الذي هو قطع من جهة وجمع ووصل من جهة أخرى، وذلك لا يتم إلا باختيار دقيق وترتيب للمشاهد المصورة في شريط نصي، فإذا كانت اللقطة المنفردة هي الوحدة الأساسية في بناء الفلم السينمائي فإنها تحاكي أصلا ما أطلق عليه النقاد "الصورة الجزئية أو المفردة " في الشعر التي تعد الوحدة الأساسية في تشكيل القصيدة، وارتباط الصور الجزئية ببعضها في النص الشعري يشكل الصورة المركبة، وفي الفلم يشكل ترابط اللقطات مشهداً، وهذا الربط ما بين اللقطات يتم من خلال فن المونتاج الذي يهدف إلى ربط اللقطات واحدة مع الأخرى مُزيلا ما ليس ضروريا من عنصري الزمان والمكان ومغيبا التفاصيل التي لا يحتاجها الشعر في سمته التكثيفية ، فهو يربط بين اللقطات عن طريق ارتباط الأفكار في المخيلة ، وبالرغم من البساطة التي قد تبدو من خلالها الفكرة، فان عملية المونتاج تمثل حجر الزاوية الرئيس في بناء الفلم (7) ، وفي بناء قصيدة اللقطات من جهة أخرى، وإذا كان المونتاج هو البناء اللغوي للسينما ولغة القواعد فيها كما يقول تيري رامزي، فانه فن تشكيل اللقطات والمشاهد أو المقاطع في النص الشعري أصلا، ويشبه ايزنشتاين المونتاج بنمو الخلايا العضوية فإذا كانت كل لقطة تمثل خلية متطورة، فان القطع هو ذلك الانفجار الذي يحدث عندما تنقسم الخلية إلى اثنتين، فالمونتاج هو تلك المرحلة التي تنفجر فيها اللقطة حين يصل توترها إلى حده الأقصى، ولذلك طرح فكرته في ضرورة أن يكون المونتاج جدليا ومناوئا لفكرة الانسيابية التي كانت مطروحة من قبل .. (8)  فما بين المشهدين الأول والثاني مثلا توجد أحداث مسكوت عنها وربما كانت أحداثا جسيمة تتعلق بحياة الناس ومصائرهم متنقلة من العام إلى الخاص (من الفضاء المظلم إلى الغرفة والقارئ) ومن الخاص إلى العام (من إنسان يقرأ إلى عالم آخر هو عالم الحلم..).

إن الوصف الذي يعد وقفة سردية تبطئ حركة السرد، وتتسم بنوع من السكونية لم يعد ملائما للقصيدة الحديثة التي تعيش عصر الفنون البصرية وعصر الكاميرا المتحركة وثقافة الصورة ، وفن المونتاج والإخراج العصري المناوئ للثبوت، لذلك التفتت هذه القصيدة إلى الاهتمام بشعرية التصوير السينمائي الذي بث في الشعر الحديث لوناً جديدا من الحيوية وفاعلية الأداء من خلال اندغام عناصر السرد التي أنتجت نسيجا نصيا ذا طبيعة خاصة .

إن الشعر الذي نهض تشكيله على التصوير منذ عصوره الاولى يعترف السينمائيون ومنظرو السينما بأثره في الفن السينمي وتأثيره فيها، لكن فنونها ما لبثت أن شهدت تقدما هائلا في النصف الثاني من القرن العشرين بحيث استطاعت أن تستقطب اهتمام الشعر الذي انعطف ليتأمل منجزها المهم، وليفيد مما يتلاءم مع طبيعة تشكيله اللغوي.

 

 

 

( 4 )

تنهض أهمية العنوان من كونه الوحدة الدلالية الأولى الحاوية لفكرة النص العامة بتركيز وكثافة، والتي تتفرع منها بالتتابع أنساق النص الأخرى، فالعنوان هو بؤرة الإثارة التي تعلن هيمنتها من الوهلة الأولى ليس على النص حسب، بل وعلى المتلقي كذلك، فهو يخضع لعملية تركيبية من قبل المبدع المؤلف و تفكيكية من قبل المتلقي بحثاً عن وظائفه الدلالية وتعقباً لإشاراته المنبثة في ثنايا النص .. (9)    أو المستفزة لعملية التلقي حينما تعمل على التشويش أو التضليل والتمويه، وليس جديداً القول إن المبدعين يتبعون واحدة من طريقتين في اختيار عناوينهم: الأولى اختيار عنوان قصيدة تمتلك القدرة على تمثيل المجموعة من حيث الدلالة الإستراتيجية المهيمنة فيها، والثانية تتجلى في تركيب وحدة دلالية صغرى لا علاقة لها بعنوانات القصائد الداخلية لكنها تمتلك القدرة على احتواء الأنساق الدلالية التي وردت في نصوص المجموعة مما يؤهلها لتكون مفتاحا يكشف عن مستويات النص البنيوية كافة، وقد اتبعت مجموعة الشاعر ياسين طه حافظ الطريقة الأولى حين اختارت القصيدة المدروسة لتكون عنوانا للمجموعة، ونظرة فاحصة لهذا العنوان .. (عالم آخر) يمكن أن تسجل الملاحظات الآتية:

1- أنه يتشكل من جملة اسمية على الأغلب، حذف أحد طرفيها وبقي الطرف الآخر وتقدير المحذوف مبتدأ أو خبراً يختلف باختلاف المتلقين وتباين القراءات إذ يمكن أن يكون بعد قراءة القصيدة :

 

 

 

في الكتاب عالم آخر

المقروء عالم آخر

الحلم عالم آخر

المأمول عالم آخر

هناك عالم آخر

الآتي .. عالم آخر إلى آخر التقديرات

وقد يكون متشكلاً من جملة فعلية تقديرها: يوجد عالم آخر           

كنت أقرأ عن عالم آخر، أو أحلم بعالم آخر.. إلى غير ذلك مما يرتئيه المؤول،

والجملة الثانية يؤيدها السطر الأخير في القصيدة ومنها انتزع العنوان، وفي كل الأحوال ستختلف المرامي الدلالية في كل تقدير من التقديرات السابقة وإن اتفقت في الأصول، على أن الحذف في التشكيل ذو مهمة دلالية لأنه يفتح أبواب التأويل، ويعطي المتلقي دوره المهم في تشكيل المعنى، ويمنح عملية القراءة حركيتها التي تعود بالثراء على النص.

2- يوحي العنوان بوجود عالمين،  عالم أول، واقعي، تؤيد القرائن في الديوان أنه عالم مرفوض، وتشير البنية التركيبية والدلالية للعنوان إلى عالم مختلف، مغاير، ومأمول يستمد جمال معالمه من المعرفة بسمات العالم الواقعي الذي تستقصي قصائد المجموعة أبعاده، كونه عالماً طافحاً بالعنف والاغتيال والدم والخوف والتأزم، ليكون العالم الجديد (عالم العنوان) هو الملاذ والمخلّص من براثن العالم الأول.

3- تشكل العنصر الملفوظ في بنية العنوان من منعوت ونعت وهما نكرتان ، وتتعدد وظائف ودلالات التنكير بتعدد السياقات التي ترد فيها النكرة، وقراءة متأنية للديوان ومن ثم للقصيدة وعنوانها تشير إلى أن التنكير هنا يؤدي وظيفة التخصيص، والتخصيص هو وظيفة من وظائف النعت كذلك حينما يراد به تقليل الإشتراك الحاصل في النكرات (10)،  فنعت النكرة يقلل من عموميتها ويعمل على تحديدها وتخصيص صفتها، فالعوالم أجناس، منها عالم الإنسان وعالم النبات وعالم الحيوان، ومنها عالم الحروب وعالم الحب وعالم الصدق إلى غير ذلك. َوفي ضوء وظيفتي التنكير والنعت المشار إليهما، فإن تركيبة العنوان لا يمكن أن تنفتح على المعنى خارج الأنساق الدلالية للقصيدة المدروسة ولقصائد الديوان عموماً، لا سيما وأن تركيب جملة العنوان بني على الحذف، وأهمية الحذف تكمن في فتح أفق القراءة إذ يلعب التأويل دوراً مهماً في تقدير المحذوف، فالحذف يشحن ذهن المتلقي ويحرضه على البحث عن التوجهات الدلالية التي يمكن تقدير المحذوف من خلالها، ويبقى الحذف خروجاً على السنن المتبعة في التعبير، ولذلك لا يتواجد إلا في الخطابات ذات الطبقات المتعددة التي تحتاج إلى متلقٍ يمتلك أدوات لغوية وفنية وحساً جمالياً يمكنه من مقاربة نص فني يتسم بالوعي والثراء، ولذلك فإن قراءة العنوان بعد قراءة الديوان تؤكد أن وظائف أخرى ستضاف إلى وظائف التنكير والنعت كوظيفتي التشويق والتضليل، إذ ما هي سمات هذا العالم الآخر، وأي آخر هو هذا العالم، وما هي طبيعة المقروء الذي انفتح على ذلك (العالم الآخر) لكن السياق، سياق القصيدة، وطبيعة تنامي الملفوظ من لقطاتها، والتأكيد على مفردة (كتاب) وما تشكله هذه المفردة من طبيعة وثوقية، ثبوتية تصل حد اليقين في إطلاق مفردة (الكتاب) على القرآن الكريم يجعل من هذا العالم المأمول الذي صار (ثريا) لنصوص المجموعة الشعرية هو عالم الحلم الإنساني الذي أتعبه القتل والتدمير والمحاصرة، لكنه لم يستسلم لأنه ظل متشبثاً بالأمل وسط معاناة الواقع.

 

 

(5)

إذا كان الشعر العربي القديم ونقده قد احتفلا بالمطلع والخاتمة، فإن الأدب الحديث ونقده واصلا اهتمامهما بالاستهلال لخطورة الوظائف التي يؤديها على المستوى البنيوي والأسلوبي من جهة، وعلى مستوى الإثارة في الاستقبال من جهة أخرى، ذلك لأن قيمته بوصفه مفصلاً مهماً من مفاصل الخطاب السردي  تكمن في قدرته على إضاءة النص والتلميح بظلاله وتحسين الدخول إلى سياقاته وتحفيز متلقيه بثراء الكلمة وكثافة الصورة، وشحن جو التأويل الذي تنطلق شرارته من الجملة الأولى لتواصل فعلها بشد قارئها حتى النهاية، لان ضياع انتباهه يعني ضياع الغاية، (  11) فالنص ليس جملاً متراصفة يقولها رَاوٍ أو متكلم، وإنما هو نسيج يرتبط مع البداية الاستهلالية بخيوط ممتدة ومتلاحمة ينضم بعضها إلى بعض من خلال بنيته السردية التي يتواشج معها فعل الزمان والمكان والشخوص بوصفها عناصر أساسية لبنية أي نص سردي، ومن خلال التحرك الحر لهذه العناصر والمكونات يمكن للمبدع إنجاز تشكيلات أسلوبية متطورة تنتج بمجملها فنية الخطاب الأدبي..(12)  .

إن الاستهلال هو مؤشر توجهات النص من حيث كونها زمانية أو مكانية من خلال الإشارات اللفظية التي تتحكم فيه، وقد يتوازن حضور الزمان والمكان في الاستهلال مما يشير إلى أهمية الفضاءين في احتواء عناصر السرد ومكوناته، وقد فعل الاستهلال في قصيدة (عالم آخر..) ذلك حينما مزج بين الفضاءين معاً مؤكداً على المكان الذي وقع عليه العدوان مرات.. مرة بالاجتياح وأخرى بالمحاصرة، فالنص إذ يسكت عن مصدر العدوان وعن تسمية العدو، فان مشاهده الأربعة تلتقي في أنساقها الرمزية حول تأكيد الظلم الصارخ الذي وقع على إنسان هذا المكان والعذاب الذي لحق به:

في الظلمة بيت

في البيت غرفة

في الغرفة وجه تدلى على صفحة في كتاب

إن شرارة الدراما تنبعث من الجملة الأولى في الاستهلال، ذلك أن جملة المطلع الاسمية (في الظلمة بيت) وان أوحى تركيبها بالاستقرار، إلا أنها تخفي صراعاً ما يلبث أن ينكشف في بداية المشهد الثاني، ويغذي الصراع امتداد الظلال الدلالية للرمزين واكتسابهما كثافة نوعية من خلال تتابع الحدث، فالظلمة رمز الشر والخوف والمجهول، والبيت رمز الأمان والألفة وبؤرة المحبة، يؤازره الكتاب نهاية الاستهلال، ويتواصل الصراع إذ تواصل الشفرات فعلها وهي تعمل على تصعيد القوى المحركة للمعنى حتى خاتمة القصيدة، فأهمية الاستهلال تكمن في كونه البؤرة البنيوية التي تنطلق منها الشفرة  ، هذه الشفرة التي تساعد القارئ على بناء حبكة العمل الأدبي والتي تضيء جوانب النص وتعين على إدراك الشخصيات واستلام المعاني الرمزية الثاوية فيه كما وضح ذلك رولان بارت حينما قسّم الشفرة على خمسة أنواع: شفرة بناء الحبكة وشفرة التفسير وشفرة الشخصيات ثم الشفرة الرمزية وشفرة الإحالة..( 13)  .

(6)

يعد الحدث عنصراً أساسياً في السرد إذ بدونه تفقد العملية السردية مبررها فهو مجموعة الوقائع التي تحدث في زمان ومكان وترتبط بالشخصية القائمة بالفعل أو الشخصيات التي يدور حولها ذلك الحدث، وكل حدث يخضع لنظام وترتيب خاص، فقد يشكل السارد أحداثه بترتيب متواتر أو متوازٍ أو متداخل أو متناوب، وقد يجمع بين أكثر من نظام من هذه الأنظمة، ويبدو في القصيدة أن السرد باللقطات جاء متوازياً مرة، متداخلاً أخرى وفي المشهد الواحد قد تتضافر الأفعال متتابعة من أجل تشكيل الحدث المقصود كما حدث في المشهد الثالث الذي تصاعد فيه التوتر إلى أقصاه، لكن ذكاء الشعرية يكمن في قدرتها على احتواء التوتر الدرامي الذي نجح في تحقيق مقاصده في المتلقي، لأن النص لم يكشف عن تفاصيل الحدث ولا عن أهدافه المباشرة لكن تضافر العناصر السردية وطريقة عمل الإشارات والرموز فيها هو الذي أفصح عن التوجهات الدلالية لها، وهذا ما جعل النص مفتوحاً بحيث صار القارئ هو الذي يشكل الحدث على الطريقة التي يراها وبالأسلوب الذي يفهمه، فماذا كان يبغي الجنود من محاصرة البيت، ولماذا كان الجار خائفاً مرتعباً من رصد النافذة المضاءة، وما هي نتيجة المحاصرة ومن اين جاء الجنود ...؟ إن السارد يوحي ببشاعة ما كان يهدف إليه الجنود من خلال انتقاء المفردات التي كانت تبث الخوف والهلع:

              في الصباح تشبث بي الجار مرتجفاً

فالفعل تشبث الذي يشكل بمفرده صورة استغاثة ، والحال مرتجفا- يصور هو الاخر وصفا حركيا مؤازرا للفعل تشبث، وتقديم الجار والمجرور-بي- على الفاعل الجارُ إشارة الى كون الوعي والمعرفة ملاذا ، كلها تشكيلات تظهر وتضمر شدة الاعتداء على البراءة التي لم تقترف إثما، أما تقديم الجار والمجرورالظرفي -في الصباح- فنوره رمز للكشف وتعرية للظلم المسكوت عنه . وتتوالى مشاعر الخوف والإنكار من خلال الإستفهام المجازي الذي أضمر الإشفاق والرعب، ومن خلال تكرار المفردات وحركية تكرار الجمل والأفعال:  كنت، كانوا، كانت :

                في الصباح تشبث بي الجار مرتجفا ...                      

                   أنت ما كنت تفعل في الليل

                     كانوا هنا..

                        الجنود، الجنود رأيتهمو

                        حول بيتك كانت بنادقهم

ومن خلال تبادل المواقع بالتكرار: وقفوا خمسة، /  خمسة وقفوا. 

إن كل ما ورد وصفاً للجنود كان ذا وظيفة ترهيبية فضلاً عن مهمته في الكشف عن الأشياء وصفتها والشخصيات وسماتها بحيث يكون الوصف وسيلة بنائية لا يمكن للبنية السردية أن تكتمل بدونها.

إن عناصر السرد في النص لا تظهر مكاناً بعينه، و لا تشير إلى زمن لكنها تفترض مكاناً وزمناً لأنهما الفضاء الذي يحدث فيه الفعل، فهما الظرف الذي لا بد منه لوقوع أي حدث، وغياب الإشارة إلى تحديدهما في النص يحول الحدث إلى دال مفتوح على كل زمان ومكان لأنه يحرره من القيد والشرط ويخضبه بروح الفن المنعتق من الحدود، لكن ذلك لا يعني أن النص الأدبي منبت كلياً عن لحظته التاريخية التي أنجبته ولا عن المكان الحاضن له، ولذلك فإن النص الذي حرص على تغييب هذين الفضاءين تمويهاً إنما كان في كل سياقاته وبكل الألغام الدلالية التي أضمرها يؤكد زمناً بعينه كما يؤكد أمكنة خاصة هي الأمكنة التي وقع عليها اضطهاد الآخر بهيمنته المادية و ذرائعية أهدافه، إن الزمن هنا هو زمن (الظلمة) الذي يتكاتف مع رموز العدوان (البنادق والجنود)، كما يصير البيت مؤازراً للبطل ( القارئ عن عالم آخر في كتاب..)، ومتوحدا معه في استهدافه وفي وقوع العدوان عليه.

إن الشخصية التي هي العنصر القائم بالحدث من جهة، والذي تدور حوله الأحداث من جهة أخرى تندغم بعناصر السرد في القصيدة فتتباين أساليب تقديم الشخصية من نص لآخر وتختلف هذه الأساليب في الشعر عنها في الفنون الأخرى، لأنها في النص الشعري تغادر التفاصيل والإسهاب وتلتحم بكثافة الشعر وومضه وإيجازه، ولذلك فهي في هذه القصيدة بلا أسماء ولا ملامح ولا توصيفات، وكل الدلالات التي رشحها النص عن الشخصيات هي دلالات كشفَ عنها الحدث والحواراتُ الضمنية التي تخللت السرد، فعامل العنف والرصد والمحاصرة هو الذي كشف عن قمع الجنود وإرهابهم، وفعل القراءة هو الذي كشف عنه شخصية القارئ مستشرف الغد، كما كشف عن إيجابيته من خلال استمراره في فعل القراءة بالرغم من المحاصرة التي مارسها ضده الجنود.

 

إن كثافة النص تتجلى في تعدد شخصياته وتنوعها بالرغم من قصر القصيدة فهناك حاملو البنادق الذين قدمت القصيدة وصفهم المقيت (جاحظات عيونهم) وشخصية القارئ التي يكمن بينها وبين عدوانية حاملي البنادق ، محاصري الأزقة صراع ٌ جوهريٌّ تشكل النصٌّ من أجل طرح حقيقته، كما وردت شخصية الجار مثالاً للإنسان البريء البسيط الذي يشكل الأغلبية المغلوبة في العالم، انه ذلك الإنسان الذي يشعر بالخطر ويقول حقيقة ما يجري بصدق ولذلك احتل سرده ثلاثة عشر سطراً من أربعة وعشرين سطراً هي مجموع سطور القصيدة، وما حيازته على أكثر من نصف ملفوظ القصيدة إلا دليل على هيمنة حضوره في الزمن وفي الحيز والدلالات التي عبر عنها: الخوف، التشبث، الاستغاثة، الكشف عن حقيقة ما يجري كونه الشاهد الأمين على العصر. فضلاً عن شخصية الجنود الذين ورد سرد فعلهم صراحة على لسان شخصية الجار. إن الفسحة الواسعة التي منحها الراوي لشخصية الجار كي تروي الحدث من زاوية نظرها هي تعبير أكيد عن الإيمان الضمني بكل ما طرحت، كونها الرمز الذي يمثل المجموع الإنساني الذي وقعت عليه آثار العدوان.

 

(7)

للسرد عموماً أنواعه، فمنه السرد الوصفي الذي يعتمد لغة واصفة خالية من الحوار، ومنه الحواري الذي يعتمد بنية حوارية، ومنه المزدوج المتضمن الوصف والحوار معاً، وينهضُ السرد في قصيدة ( عالم آخر .. ) على توا شج السرد الإخباري الوصفي مع الحوار الضمني، فقد بدأ النص بلقطات إخبارية تتخللها جمل وصفية، ويتداخل فيها الحوار مانحاً مفاصل القصيدة حركية وإثارة:

البنادق محشوة

يسالون النوافذ عن ضوئها

جاحظات عيونهمو يقرؤون الأزقة بابا فباب

ففي الفعل ( يسألون ) يكمن حوار لم يفصح عنه النص لكنه يوحي به، وفي المقطع الثالث يتجلى الحوار دون التصريح بأفعال القول، لكن التشكيل النصي يفصح عن حوار منفصل، وهو الحوار الذي يرد فيه رأي طرف واحد من أطراف المتحاورين، بينما تغيب أقوال الطرف الآخر ليظل الأمر فيها مسكوتاً عنه، وتلك طريقة فنية ذات أهداف دلالية مقصودة يحددها السياق، وربما كانت غايتها هنا إبراز بشاعة المشار إليه من خلال الإيحاء ببطشه إدانة له، وتعرية لهيمنة العدوان والقهر التي يمارسها ضد الطرف الآخر الذي مورس ضده الإسكات القسري مما ينتج عنه تضييع هويته والعمل على قمعه وتغييب صوته وطمس قراره، لكن دلالة النص لا تستسلم لعوامل السلب هذه بل تظل ألغامها الايجابية تزرع في ثنايا القصيدة حضوراً إنسانيا يتألق في أعماق الركام بين آونة وأخرى، وهذه الألغام تتمثل بشخصية القاريء والكتاب والضوء المشتعل رمزاً لكل عوامل الثراء الإنساني بقيمه المعرفية والحضارية، وبنوافذه المشرعة بالضياء كما سبق ان ذكرنا.   

    وتتواصل أقوال الجار في تساؤلات مكثفة يندغم فيها الحواري بالوصفي بالإخباري في شعرية تفعّلها خبرة في تأشير مواطن الخطر سلباً وإيجابا، فالنافذة بؤرة خطر للجنود، لكنها بؤرة ايجابية في النص، وكذلك الضوء المشتعل، وإذا كان الحوار في الدراما هو أداة الكشف عن الصراع القائم، فهذا الصراع إما أن يكون طرفاه شاخصين متقابلين، أو أن يكون احد الطرفين مهيمناً والآخر مغيباً، وليس شرطاً أن يكون الطرف المهيمن هو المنتصر في النهاية، بل قد يكون الكامن الخفيّ هو الأقوى لأنه البؤرة التي توجه مشروع النص، والتــي تحمل في كمـونها نبض الحياة وحسّ المستقبل لأنها تمتلك مشروع القراءة والحلم معاً ..

ويتضافر السردان الموضوعي والذاتي من اجل انجاز الوظائف السردية التي يلخصها منظرو السرد بأنواع... أولها الوظيفة السردية ومن ثم تأتي التنسيقية والإبلاغية والانتباهية وغيرها،  ولعل سمة الشعرية الأولى التي يحكمها التكثيف والإيحاء هي التي تمكنت من نسج هذه الوظائف نسجاً محكماً لإنتاج الدلالة المركزية التي يقصدها النص، ولعل الوظيفة التنسيقية هي من اخطر الوظائف التي يقوم بها السارد في النص الشعري لما لهذا النص من خصوصيات تتعلق بطبيعة تشكيله الخاص، وفي هذه الوظيفة يقوم السارد / الشاعر / المخرج بالتنظيم الداخلي للخطاب من حيث الاسترجاع والاستباق ومن خلال التقديم والتأخير والتداخل، وعلى هذه المسؤولية التنسيقية والتنظيمية يتوقف ليس تماسك الخطاب حسب، بل وجمالياته كذلك، أما الوظيفة الأيديولوجية فيمكن الإشارة إليها في محور لاحق هو محور المنظور أو الرؤية السردية.

ان السرد المزدوج الذي يشتمل على نوعي السرد الوصفي والحواري هو سرد نشط لتنوع ألوانه وتداخل الأساليب التي يطرحها، وإذا كانت طبيعة السرد هنا قد اهتمت بحضور بعض العناصر على حساب عناصر أخرى بدت شبه مغيبة، فإن ذلك يعود لأمرين: وظيفة القص ونوعه، حيث يتم الاهتمام بإظهار وتشخيص عناصر بعينها على أساس وظيفة السرد المرادة في سياق القصيدة لان تلك العناصر البارزة هي التي تحقق تلك الوظيفة وتؤدي مقاصد السياق وتطرح أهدافه الوظيفية، أما نوع السرد فيؤدي إلى تشخيص الحاجة إلى عناصر معينة أو إهمال عناصر أخرى بحسب قواعد هذا النوع ومتطلباته وحاجاته الأسلوبية .. (14) وفي ذلك يكمن تعليل بروز حركة الشخصيات وأفعالها، ووضوح توجهاتها إفصاحا عن طبيعة الصراع القائم في القصيدة والذي انصب أثره السلبي على الإنسان محاصرة وعدواناً مما أوقع بحياته الضرر والمعاناة.

 

 

(8)

إذا كان الصوت وتردده الإيقاعي في القصيدة واحدا من مصادر إنتاج المعنى فانه هنا يشتغل على هندسة بنيتها السردية في تقسيم المشاهد وتشكيل خواتمها كذلك، فقد لعبت القافية برويها المقيد (الباء الساكنة) الدور الرئيس في إقفال المشهد والتنبيه على بدء مشهد جديد. إن طبيعة الأصوات وسيكولوجية التفعيلة العروضية ( المتدارك ) وما لحق بها من انزياحات قام عليها النص قد اثر تأثيرا كبيرا ليس في خلق الجو التشكيلي للقصيدة، بل وفي إنتاج دلالاتها كذلك. فإيقاع الأصوات الهادئة يوحي بالامتلاء والجدية والرصانة، وقد يوحي بالتوتر والغموض والتوقع كما يوحي بالخوف حينما تصحبه لقطات تؤكد معنى الشك والرصد والعنف، كل تلك المشاعر تختبئ وتتوتر داخل السطر الشعري حينما يقفل الروي ذلك السطر بالسكون، لان حركة الروي و مصطلحها العروضي (المجرى) التي تمتد من خلال اشباعها في حرف يطلق عليه ( الوصل ) الفاً او واوا او ياءً انما يشكل نافذة تحويل وتنفيس نحو الخارج، وبقطع هذا الامتداد الصوتي يعمل التسكين على كتم الخوف والقلق والتوتر مما يزيد تلك المشاعر حدهً في الداخل، فالمشهد الأول ينتهي بالسطر:

( 1 ) في الغرفة وجه تدلى على صفحة في كتاب .

 وينتهي المشهد الثاني بالسطر:

( 2 ) موغل ، موغل في الغيابْ .         

والثالث :

( 3 ) والى الباب ، ثم إلى بعضهم بارتياب .

بينما ينتهي المشهد الرابع الأخير بالسطر :

( 4 ) كنت اقرأ عن عالم آخر في كتاب .

ان التفعيلة التي احتوت القافية والتي جاءت مذالة ( فاعلان ب-0) ومن النوع المترادف الذي لا تفصل بين ساكنَيه حركة، وبروي واحد هو الباء ،  استطاعت ان تعزز التشكيل المشهدي كما عززت توازن وانسجام الخيوط الدلالية التي نمت نموا دائرياً عبر مشاهد النص، ولذلك كانت الشخصية المركزية في القصيدة نكرة موصوفة نهاية المشهد الأول. (وجه تدلى..) لكنها انعطفت بنمو الوقائع والأحداث وظهور الدلالة إلى معرفة مؤكدة ساردة بضمير المتكلم.. (كنت اقرأ عن عالم آخر في كتاب ..) في بناء دائري محكم. إن الشاعر حينما يكون هو الراوي في القصيدة لا بد من أنه سيوظف كل الطاقات المتاحة من أجل تأثيث النص بكل ما يمتلك من ثراء الشعرية، مستمدا المزيد مما تمنحه عناصر الفنون الأخرى التي استحوذ عليها واحتوتها طاقته الفنية محولة إياها إلى شعر،

ان الموسيقى التي تعد وسطاً تجريدياً بحتاً يصعب الامساك بمضامينه تكتسب في الشعر بعداً يمكن تأشيره حينما تشكله الكلمات وتقترن به ..

 

 

(9)

ان الوقائع والأحداث التي تتوالى في النص السردي لا تُقدم في ذاتها او لذاتها، بل هي تسرد من منظور معين، ومن وجهة نظر أو رؤية خاصة هي رؤية السارد الذي يتواشج مع رؤيته حتى يصيرا كلاً متداخلاً لا يمكن فصلهما عن بعض، ولذلك فالرؤية السردية تقدم خلاصة الفهم الشامل للفعالية الإبداعية في نواحي النسيج والبنية والدلالة والوظيفة.. (15) وقد حدد اوسبنسكي الذي اكتملت على يديه نظرية المنظور أو الرؤية أربعة مستويات لها هي الأيديولوجي والنفسي المتصل بوعي السارد ووعي الشخصيات و المستوى المكاني والزماني والمستوى التعبيري مؤكداً أهمية المستوى الأيديولوجي بوصفه منظومة القيم المطروحة في النص الأدبي، والمستوى التعبيري لتحديد الملامح التشكيلية المختلفة عن طريق الكشف عن البنى والأنساق اللغوية المعبرة عن الرؤى ووجهات النظر في النص.. (16 )

ان الرؤية السردية التي انطلقت منها قصيدة ( عالم آخر .. ) تشير الى وعي عميق بمأساة الإنسان المعاصر، هذا الإنسان المحاصر بالقسر والقهر، المهدد بالتصفية, كما ان مهمة العدوان ( الجنود ) هي ملاحقة الوعي الإنساني ورصده من اجل اغتياله وتحطيم منظومة قيمه بالعمل على إطفاء الضوء تغييباً للقراءة الكشف وإلغاء للوعي الذي يكرس وجود الإنسان المعرفي والحضاري، ويعمل على تفجير طاقته على المواجهة والتصدي من خلال اكتشاف القوانين المتحكمة بالواقع وتفسيرها قصد وضع المعالجات الحقيقية لإيقاف عوامل التردي والهبوط في ذلك الواقع، لان السلطة القمعية المتفردة بالإنسان المعاصر هي سلطة هادمة للآخر الذي يرفض الانضواء تحت نسقها الأيديولوجي كون التبعية هي شكل العلاقة الوحيد المعترف به في حالة تغييب كل انواع التواصل الحواري، والركون إلى البطش الذي يلغي الآخر، ويقمع مشروعه الإنساني بالعنف ( البنادق محشوة .. ) وبالإرهاب والرصد لإشاعة الخوف:

يسألون النوافذ عن ضوئها جاحظات عيونهمو

                    يقرؤون الأزقة باباً، فباب

وهَكذا تُظهر القصيدة في المستوى القرائي الأعمق حدة المفارقة القائمة بين قراءة وقراءة، بين قراءة الوعي وتنمية عوامل الإيجاب والأمن والهدوء والسلام  (البيت، الغرقة، ضوء النوافذ ) وبين قراءة الأزقة والأبواب قمعا لصوت الاحتجاج الرافض وعملا على بث الرعب وإشاعة عوامل السلب في فضاءات الضوء والقراءة ، في ناسها وساكنيها، ولكن فضيلة الرد تكمن في القدرة على المقاومة وعلى ابتكار أشكال هذه المقاومة حيث تطرح القصيدة قضية( القراءة  وتماسك الشخصية ) بوصفها المنطلق الحاسم لكل الحلول التي يمكن ان تعالج إشكاليات الحياة المعاصرة: قراءة الذات، قراءة الواقع، قراءة السلطة، قراءة العدو، وقراءة الممكن من اجل التغيير، ولذلك كانت كلمة البدء ( اقرأ .. ) فبالقراءة يكتسب الوعــي أبعاده، لان المعرفة هي أداة إنتاج الوعي وتعميقه وتطوير آليات استقباله وتمثله ومعالجاته، ولما كان للعدوان فلسفته المتصفة بالدهاء والحصانة فإنه يعرف مكامن الخطر ومـن أين تأتيه، ولذلك فهو يلاحقه قصد إبادته وان كلفه ذلك من النفر والعدة الكثير، لأنه يدرك أن استمرار وجوده قوياً مهيمناً لن يكون إلا بتقويض الآخر الذي رفض الانصياع ، من هنا كان حرص القصيدة على تماسك وقوة شخصية القارئ / الشاعر وعدم اهتزازه أمام الترهيب ومواصلته القراءة ترصينا لوظيفة المعرفة والادب في عملية صنع القرار ورسم الموقف ، وما بقاء البيت بيت القارئ - صامدا عصيا على الاقتحام الا دليل على نجاة البؤرة واستمرار قدرتها على التواصل ايمانا منها بتواصل رسالتها الحضارية في التجدد والعطاء ، وتأكيدا على رفض هذا الشعب للعنف ومقته لكوارث الحروب واختياره للسلام فضاء للحرية والغد الاجمل ..

إن غياب الإشارة في القصيدة إلى أسماء المكان والزمان والشخصيات يعمل على شمولية النص وإنسانيته وتحرره من القيود والحدود بحيث يكون قادراً على التعبير عن الاستلاب الإنساني في كل زمان ومكان وهذا ما يفتحه على فنية أعمق وشعرية أثرى من خلال التعبير عن ذلك بانفتاح أجناسي تتواشج فيه فنون عدة وفرت له وسائل تعبيرية مهمة كالتوازي المشهدي والحوار والإفادة من فنون السينما والانعطاف السردي وغيرها.

 

وظلت إشارات النص تؤكد أن الإنسان المضيء معرفياً هو الكاشف، المنقب عن ذلك العالم الآخر، عالم السلام والحلم والأمن والتحضر المناقض لعالم البنادق والجنود المجهولين الذين يحاصرون ضوء المعرفة الطالع مـن صميم قيم الإنسان ومنظومته الأخلاقية المتسمة بالإيجاب، ولذلك كان هو الخطر الذي يهددهم، ومن هنا كانت نسبة الضياء إلى المخاطب الإنساني، والتأكيد على الإنسان مُشْعل الضوء:

                              وضياؤك وحدك مشتعل                   

في حين كان الوزن العروضي سيستقيم لو جاء الحال وصفاً للضياء :

وضياؤك وحده مشتعل

لكن التأكيد على ( الإنساني ) أكثر من مرة من خلال الإضافة الى ضمير المخاطب مرتين: ضياؤك/ وحدك، ومن خلال التخصيص بانفراد المخاطب (الشاعر الرائي ) / وحده بالضوء انما هو تأكيد على أهمية التألق الإنساني وسط عتمة العصر، وأهمية النهوض بكرامة الإنسان وذلك بالعودة إلى منابعه الأولى حينما فشلت كل تقنيات العلم في توفير عوامل احترامه وبناء حاضره وغده بناء يتسم بالتوازن والانسجام.

 

 

 

 

الهوامش والمصادر :

( 1 ) عالم آخر ، ياسين طه حافظ ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2004 ، 49 .

( 2 ) في الشعرية البصرية ، مجدي عبد الحافظ ،من كتاب في الشعرية البصرية ، مجموعة أبحاث ، صلاح صالح واخرين ، دائرة الثقافة والاعلام  ، الشارقة ، ط 1 ، 1997 ، 145  .

 

(3) الفلم والأدب، موريس بيجا، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، مجلة الثقافة الاجنبية، بغداد ، 1/1986: 29 .

(4) المصدر نفسه : 30 .

(5) أدوات جديدة في التعبير الشعري المعاصر، علي حوم، دار الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1 ، 2000 ، 64 ومصادرها .

(6) المصدر نفسه، 64 .

(7) فهم السينما، لوي دي جلينيتي، ترجمة جعفر علي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981 : 186 .

 (8)المصدر نفسه ،216  .

   ( 9 ) ثريا النص، محمود عبد الوهاب، الموسوعة الصغيرة، بغداد، 1995، 78 .

(10) معاني النحو، د.  فاضل السامرائي، دار الحكمة للطباعة والنشر بغداد، 1991، 3 / 176.

 

 ( 11) الاستهلال، فن البدايات في النص الادبي، ياسين النصير، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1993، 31.

(12) بنية السرد في القصص الصوفي، د . ناهضة ستار ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق ، 2000 ، 86 .

(13)  المصطلحات الادبية الحديثة، د. محمد عناني ، الشركة المصرية العالمية للشر، لونجمان، القاهرة، ط3، 2003، 10 مادة COD.

(14) القصص القرآني ومعطيات سينمة النص، فراس عبدالجليل الشاروط، مجلة الموقف الثقافي، بغداد، 41/2002، 83.. 

(15) المتخيل السردي، د. عبدالله ابراهيم، المركز الثقافي العربي ط1، ط2، الدار البيضاء بيروت، 1990، 5.

(16) بناء الرواية، سيزا قاسم، دار التنوير، بيروت، ط1، 1985، 184. 

 

كلية الآداب / جامعة الموصل

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

*

 

فوزي كريم :  المصالحة الخاسرة مع الحياة

ياسين النصير:  تراجيديا الشعر

عباس الغالبي : الصورة في شعر ياسين طه حافظ

 د.بشرى البستاني: شعرية السرد بالكاميرا 

 

*

 

ياسين طه حافظ : هل أنتَ ياسين بن طه؟

ياسين طه حافظ : ثلاثة شعراء

ياسين طه حافظ : سيدة النار والليل

ياسين طه حافظ : من "انثلوجيا الأسماء والأمكنة"

 

*

 

محمود النمر : حوار مع  الشاعر ياسين طه حافظ

عبر الانترنيت مع ياسين طه حافظ

 

*

اغلفة كتب الشاعر

 

 

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009