العدد 16 خريف 2009

 

ياسين طه حافظ: المصالحة الخاسرة مع الحياة!

فوزي كريم

 

1

 

    استعدتُ قراءة ياسين طه حافظ، بعد قراءة حسب الشيخ جعفر مباشرة. الأمر الذي أملى علي رغبةً في المقارنة، قد تكون نافعة في إلقاء مزيد من الضوء على تجربة الشاعر، الذي تنصرف إليه هذه الدراسة.

في دراستي لشعر حسب أوضحتُ مقدار غريزته الواعية، واللاواعية، باتجاه قطع الصلة مع التاريخ المحيط، والحياة المحيطة، لصالح عزلةٍ أسميتها عزلةَ المحارب، لأنها لم تكن في لحظة منها سالبة الحركة، بل وليدة جهد شاق، وفعّال.

    قراءة ياسين طه حافظ تكشف، منذ اللحظة الأولى، عن غريزةٍ واعية باتجاه نقيض. كلاهما تتملكه حمى السعي المثابر، ولكن كل واحد منهما إلى سبيل. والمثير أن سبيل أحدهما لا يختلف عن سبيل الآخر فقط، بل يناقضه. وموطن الإثارة في أن الشاعرين يتوافقان في الانتساب إلى الجيل الستيني، ويتوافقان في العمر، وفي تجربة الانتماء السياسي في مرحلة شبابهما الأول، وفي أنهما جنوبيان، ينطويان على ذاكرة خصبة وفعالة. الأمر الذي يفترض اختلافاً في الرؤيا الشعرية، لا تناقضاً!

    إذا كان حسب مندفعاً بعنف باتجاه القطيعة مع الحياة، فإن ياسين مندفعٌ وبالعنف ذاته، باتجاه المصالحة مع الحياة، وبكل السبل التي تشاءها. وإذا كانت الحياةُ لا تكف عن التطفّل على عزلةِ حسب، واقتحامها القسري، فإنها لا تكف عن مجافاة ياسين، وتخييب أمله وظنه.

    مجموعات ياسين طه حافظ الشعرية، منذ "الوحش والذاكرة"1968، حتى آخر مجموعة شعرية، "ما قاله آخر الخطباء"2009، نسج متواصل على ثيمة الرغبة في المصالحة مع الحياة، بأيّ ثمن. والحياة جافيةٌ أبداً. المجموعة الأولى تبدأ من صفحتها الأولى بـ "من يسمعُ صوت الإنسان المُلقى في الهوّة.."[i]. وتنتهي مجموعته الأخيرة بـ "وستمضون كلاً إلى جهةٍ./ وسيمضي إلى بيته،/ وسيوقد مصباحه،/ ثم يجلس وحده منكسراً/ آخرُ الخطباء."[ii]

   

    أعرف ياسين معرفةَ صداقة منذ مجموعته الأولى. وكنت أصغره سناً، ويسبقني تجربةً شعرية، ولكنا أصدرنا مجموعاتنا الشعرية الأولى في سنة واحدة هي 1968، سنة الاحتفاء الستيني بالحضور الأكيد.

    كان تعرّفُه على اللغة الإنكليزية عنصراً حاسماً في تعزيز توازنه، واعتداله. متصالح مع الحياة والآخر، هكذا يبدو، ولكنه في صراع محتدم مع ذاته. وهذا الأمر هو الذي يسّر صداقتي معه، في مقابل النفرة التي كنت أشعرها من شعراء وكتّاب تزدحم حياتهم بالصراع مع الآخر، وبالرضا عن الذات، والمصالحة اليقينية معها. وما أكثرهم بين الستينيين.

    إن صراعه مع ذاته حارٌ ودامٍ. وكانت حساسيتي بالغة الحدة في التقاط العديد من لحظات ذلك الصراع، والتي كانت تُخرج ياسين من توازنه الظاهر، وتبعث الدموع في عينيه، لا بفعل الإشفاق والأسى، بل بفعل الغيظ والغضب. مرة كنا نشاهد فيلماً في سينما بابل في شارع السعدون. وكان الفيلم سوفيتياً عن حياة  الموسيقي يوهان شتراوس، في إقامته المؤقتة في بطرسبيرغ. في عمل كورالي نادر لهذا الموسيقي الذي عُرف بالفالسات الراقصة وحدها، كان صوت المنشدين، بمكبرات الصوت السينمائية،  يتصاعد ليبلغ ذرى تعبيرية أطلقت صاحبي من أسر توازنه ولياقته، ليقف صارخاً  بأعلى ما يملك من طبقة صوتية في حنجرته، استجابةً لنداء خفيّ، ومن أجل خلاص غامض. كانت لحظة وفاء رائعة للمعترك الداخلي. لا لإطفائه، وطمأنته، بل لشحنه وإشعاله.

    إن غيظ الشاعر هو سيلٌ "سُدَّ في وجهه المجرى"، بتعبير الجواهري. إنه غيظ من يقف في وجه قدر ميتافيزيقي، لا حيلة له معه. ولكنه غيظ من يقف في وجه التاريخ أيضاً. فياسين يعاني شقاءً أرضياً، تاريخياً، ولكنه في الوقت ذاته لا ينصرف شعرياً إلى الصراع مع هذا الواقع الأرضي وحده، ولا مع هذا التاريخ. لأنه يعرف بغريزة الشاعر أن مهمة الشعر إذا ما انسحبت إلى صراع كهذا، ستصبح مهمة َالشاعر المؤدلجِ بموقف. والشعر لا ينطلق من موقف. إن للشعر مهمة أخرى قد تكون خاسرة، ولكنها مضيئة بمسعاها وحده. بمسعاها ذاته.

    بالرغم من أن ياسين كان في أيام الشباب الأولى ذا موقف وقناعة، شأن معظم الشعراء العراقيين، إلا أنه استطاع أن يحتفظ بقصيدته سليمةً في مجراها الشعري المحتدم داخلياً، بعيداً عن مجرى الصراع مع المختلف، ومع الأفكار، والمواقف، والقناعات. أي مجرى الصراع مع الآخر، في حقل التاريخ. كان يعرف للقصيدة مهمةً أخرى قد تبدو في عيون كثيرين سلبية، عاجزة. مهمة الطامع برؤية الحقيقة بوضوح وأمانة، عبر مصفى معترك روحه، وحيرتها، وتساؤلاتها. لذلك بقي شعره خالياً من عنصر "الكراهية" رغم مرارة الغيظ.

    قد تكون قصيدة "البابلي" استعارة مناسبة:

 

جئت من قرية ربما اندثرت

وتموتُ هنا نبتةً سيئة

بين أنْ يُشفقَ العابرون عليها وأنْ

يُرجئوا تاركين إلى زمنٍ آخر قلعها

هكذا

كبرتْ.

عدتُ يوماً، خلعت رباطي وعلّقته

وخلعتُ بلا أسفِ بدلةَ الحفل،

جلدَ المهرّجِ،

ورأيتني أرجع بعد الغياب لذاك الطبق

ولذاك الحصير،

وأنا خجلٌ من يديَّ ووجهي،

خجلٌ أنني بعد كل الزمان،

أرى ما رأى البابلي:

             الحقيقةَ من خشبٍ،

هي تُحرق أو يأكل السوسُ أحشاءها، أو تكون

مقعداً أو سرير.[iii]

 

    بيانٌ عن الحال يكشف أكثرَ من عنصر لهذا المضطرَب. إنه يشارك في الحفل الزائف، (يا لضعفه!) يخلع ثوب المهرج دون أسف، (يا لشجاعته!) وينصرف لمشاعر الذنب، حين يكتشف الحقيقة على هذا القدر من العبث. (يا لشقاء الأخلاقي فيه!) يكتشفها كما اكتشفها كلكامش، بعد عناء البحث. ولكن كلكامش يكتشف عبر البحث العابث، وبعد العودة الخاسرة، حكمةً يتركها إرثاً للأجيال. فما الذي سيترك هو؟

        "..التحليل النفسي يكشف عن أن الغموض في قلب الشعر يعكس كمرآة التعارضات الغريبة للروح الإنساني. إنه يعلمنا بأن الضعف الإنساني ونفاذ البصيرة الروحي ينموان معاً يداً بيد، وان الألمَ والمهانةَ معاً قادران على تحطيم حدود العقل، وإطلاق سراح الشعر السجين، وأن معاييرَنا التقليديةَ للسلوك يجب أن يُعاد النظر فيها  على ضوء النزعة الإنسانية، وضوء تطورنا المعرفي بأن  الشاعرَ مخلوقٌ أكثر أهميةَ وأكثر تراجيدية معاً من الثوري والشاعر ذي الرسالة."[iv] 

 

    إن أكثرَ إشراقات الشاعر ياسين، على امتداد تجربته، كامنةٌ بمشاعر الضعف هذه. كامنة بهذا التواضع العلائي، الذي يبدو انسحاقاً في أحيان كثيرة. هذه المشاعر الاعترافية لم يترك لها شعرُنا العربي القديم والحديث إلا فُرجةً ضيقةً، تتنفس منها. شعر النبوئيين، وخارقي البطولة، وكاشفي الغيوب، والعارفين بالحقائق، لا يعرف مرارةَ الإحساس بالذنب، ولا طعم الخطيئة، ولا غربةَ الكيان الذي يدرك بعمق أنه مجرد "خرقةٍ تُخاط إلى الأرض"، كما يقول أبو العلاء:

 

قلتُ لو أنني أملك

 الرغبةَ

القوّةَ

الاقتحامْ.

 

قلتُ لو أنني أختلفْ

أتميز بين السوامْ.[v]

 

شجاعةٌ وسطَ أدبٍ عربي يدعو برمّته إلى "المختلف"!

    ويواصل أكثر تفصيلاً، في آخر القصيدة ذاتها:

 

القرونُ الصُوان التي نبتتْ

لم تُعنّي على الخرق

لمْ تدفع الاعتداءْ

وأنا صرتُ بالأفرع البيض مُستنكراً

واضحاً في العراءْ

وما عدتُ أَخفى على صائدٍ

فأنا عرضةٌ للتهكّمِ

أو عرضةً للفناء.

 

   في كل شعر ياسين نجدُ هذا البعد المفكر(حيث الفكرة ليست فعالية ثقافية مفصولة عن الخبرة الحية)، الذي يقترحه الشيءُ الخفيُّ وراء الظاهر. أعني بالبعد المفكر ذلك الوليد الشعري الذي ينتج عبر تزاوج بين الشعر وبين فاعلية العقل غير الواعية. هناك بعدٌ ميتافيزيقي غير مُعلن، يشف عبر المشهد، أو عبر الاستعارة، أو الإشارة. فالمتحدث الذي يعترف بمقدار عجزه، مع القرون الصوان التي نبتت له، يعرف أنه معرّض للتهكمِ على أمر لا يد له فيه. أو للفناء على يدِ صائد يخطف حياته أي لحظةٍ. هذا البُعد يرقى بالصوت الشعري إلى أفقٍ صحي، متعالٍ عن الشعر الذي ارتضى أن يصير مجرّد مُلحق عابر للحدث التاريخي، أو مُلحق للنظريات الأدبية.

    إن ما ييسّر على الشعر أن يتسطّح، وينبسط أُفقياً، دون تضاريس وطيات، هو افتقاده فاعليةَ العقل غير الواعية هذه. وليس أقل من ذلك افتقادُه فاعليةَ الذاكرة الناشطة التي تعتمد عنصر الخبرةِ الفردية الداخلية. والمؤسف أن أكثر من عامل توفر للشعر العربي المعاصر، ليأخذ بيده إلى هذا الانبساط الأفقي، والتسطح. الموروثُ الشعري العربي أحدُ هذه العوامل، وحاضرُ الانتساب إلى ثقافة مُسيّسة تتحكّم فيها المواقفُ والأفكار والعقائد اليقينية (ولا استثني ثقافة الانتساب الأدبي التي أعطت صبغة شبه عقائدية، يقينية، لأهوائها!) عاملٌ لا يقل خطورة. بالإضافة إلى استحواذ العمل الصحفي على مقدرات أكثر كتاب الشعر، منذ المرحلة الستينية حتى اليوم.

    شعر ياسين طه حافظ سعيٌ دائب للتبرؤ من ذلك. ولعل نقاهته من هذه العلل، التي وسمت شعرَنا المعاصر بميسمها، هي التي جعلته مقروءاً باحتراس. إنه لا يعتمد بلاغةً لفظية، ولا يحرص على ضوابط الإيقاع الصوتي الحاد. ولهجته الشعرية حكائية، عادةً ما تخرج من متحدث يطمع في أن يتسم بالحكمة، ولكنه  كيان مُرتاب بالنفس أولاً. وهو، بفعل ارتيابه بالنفس وبالآخر، لا يقدر أن يمنح  قارئه قبضةَ يقين اعتاد عليه من شعراء المرحلة. وهو بذلك لا يليق بشاعر المرحلة، ولا قارئها. إنه يذكرني، من حيث هذه العناصر، بالشاعرين صلاح عبد الصبور، ومحمود البريكان.     

 

    في القسم ألأول من مجموعة "في الخرائب حِليةُ ذهب" 1993، قصائدٌ قصيرة تنتهي بخاتمة اعترافيةٍ واحدة لا تكاد تفارقها. خاتمةٌ تلاحق الشاعرَ، ويلاحق الشاعرُ بها القارئ. وكأنه يُلحُّ عن قصد، موظِفاً كل تنويعاتِ المخيلة على الخاتمة، التي تبدو أشبه بإصدار حكم لا رجعة فيه، من أجل أن لا يترك لقارئه أدنى شك في أن شاعره، هذا الذي تتصدر صورته الغلاف، يعيش دون ظل على الأرض. ولا فرصة خلاص بقيت لخيطٍ موصلٍ بينه وبين المحيط:

 

"هنا، هذا جدارٌ واطئٌ مهجورْ

سأقعد فوقه،

أُدلي بساقيَّ إلى الأرضِ

ولا أدري الذي أفعلهُ، أبقى

بصمتٍ أرقبُ الدنيا..."[vi]

 

"تغيّر كلُّ شيء، صارت الدنيا

بلاطاً، قلعةً، مركز

.....

يهون الأمرُ لو ساعة،

ولو ساعات،

ولو شهرا!

ولكني كذلك منذ أعوامِ

تراقبني

أراقبها

وكلٌّ يلتظي حقداً على الآخر.."[vii]

 

".. فما أعطاني التطواف؟

...

سوى العودةِ للبيتِ

لأُلقي جملةً، خرجت معي في الصبح،

    لمْ أجد الذي أُلقي إليه بها،

فعدتُ الآنَ ألفظ جملتي وحدي!"[viii]

 

"صفيرٌ عابرٌ يمضي

ودائرةٌ من القلقِ

وأنت تظلُّ منفرداً

تحدثُ هذه الشجرة:

لقد يبستْ

وقد هلكت حشاشتها

وأنت اخترتها من كلِّ هذا الكون مُتّكأً

وعاصمةً من الغرق!"[ix]

 

"خُلقتَ هنا لتقرأ

ثم تحلمُ

ثمّ تُدفنُ خلف هذي البابْ!"[x]

 

"أُعاني الفقدَ

         من ينقذني الساعة؟

إلى أين أولي الوجه؟

في غرفة نومي ذئبْ!"[xi]

 

    خواتيم كهذه عادة ما تتوّج القصائد القصيرة. والقصائدُ القصيرة عادة ما يستعين بها ياسين من أجل أنْ يُعرّض كيانه للقارئ، عارياً من كلّ ما تتطلبه القصيدة الطويلة من رصد، وحكاية، ودراما، إنْ استدعى الأمر شخوصاً عدة. فالمرحلة التي كُتبت فيها هذه القصائد، آخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كانت مرحلة ذُرى للآلام التي عاشها العراق بعد حربين داميتين، ومرحلة الشروع في حصار مُذلّ. وياسين لا يحب أن ينقل عدوى توتره الداخلي على سطح القصيدة، بل يُخفيه، ويتركه يولّدُ مشهداً، أو تعليقاً على مشهد من حياته اليومية. ثم أن القصيدة الطويلة تأخذ مساحةً من الاكتراث أوسع من توتره الداخلي، الذي لا يشاركه فيه أحد. إنها قصيدةُ مشارَكةٍ عامة، يكتبها ياسين وهو يُمسك بيد الآخر، أو الآخرين، المُعبّئين، مثله، بالآلام. ولذلك نرى المراحل الأسبق من مرحلة الحرب والحصار، والتي كانت تحتفي بالأسى الشخصي، تنتفع من القصيدة التي تمتد لصفحتين أو أكثر.

    في واحدة من أكثر قصائده المبكرة تأثيراً:"منطقةُ القتل الثانية"،[xii] نصحب من يروي لنا حكايته من داخل القصيدة، لا الشاعرَ خارجها، لنتابع بعدسة سايكولوجية، تُذكّر بعدسة دوستويفسكي في "الجريمة والعقاب"، رصداً شعرياً غايةً في حساسية الكيان الأخلاقي، الذي يحس الدماء، ما أن يرى جريمة قتل. ولعل قصيدةً كهذه تبعث بي استعادة حائرة لأولئك الشعراء والنقاد، الذين يجردون الشعر من أية مهمّة أخلاقية[xiii]. مُطرَّزين بفتاوى اللغة، والرؤى الجمالية. متصورين أن الحساسية الأخلاقية في الشعر تعتمد الحكمة والنصيحة. ومن هذا التصور الساذج يسهُل عليهم شطب كلّ خبرة الإنسان مع الخير والشر، اللذين يتنازعان مصيره. ويتركان الباب مُشرعةً لشعر المديح، والفخر، والهجاء، وكلّ ما يُعبّئ الكائن بالكراهية.

    يبدأ الحدث مع الشخص، وهو يترك المسرح، مع آخر مشهد للبطل وهو يهوي مُضرجاً بدمه. الحدث الأول حقيقي، والآخر مسرحي كاذب. ولكن بطل القصيدة هشّ، مُعرّض لقتل كامن في القدر، وفي الحياة المحيطة، وما مقتل بطل المسرحية إلا لحظة إيحاء واتقاد لهذا القتل الكامن. وبالرغم من أن بطل القصيدة يعرف، كما هو واضح في المشهد، أن الممثل سرعان ما مسح عن وجهه الأصباغ لينصرف إلى متعه الأرضية خارج خشبة المسرح:

 

فالبطل المقتولُ قام ضاحكاً

وزال عن جبهته الترابُ والدم الكذبْ

وربما كان يغني الآن

أو يراقص العشيقةَ العشرين،

أو يشرب،

أو ينام في بيت التي دعته قبل الحفلْ.

 

إلا أن قدحةَ النار تمكنت من الكيان الهش وأشعلته. ولعله لم يتخيل الممثلَ وحده داخل الغفلة، بل تخيل معه الجمهور أيضاً. نحس بذلك من ثبات كلمة "وحدي"، التي تتكرر في القصيدة كمطرقة في منتصف ليل. خارج المسرح تُصبح بقعةُ الدماء خارطةً ترتسم في رأسه:

 

ترسم لي وجهاً على الرصيف،

ترسم لي طيراً ذبيحاً عارياً بين سواد الدود

وعارياً في خضرة الشجر..

 

وفي بيته الذي "أُسقط فيه" مرتجفاً، مُبلّلا، يسأل سيدةَ البيت "كوبَ قهوةٍ"، داخل لوثة وحمى الرؤى الدامية بشأن القتل، والدم النازف، والبسالة، والموقف النذل، والغدر، والتخلي الجبان الذي لا يُبرئ نفسه منه:

 

"وحدي أعاني مُديةَ القاتل والحيرةَ نصف الليلِ والسهرْ!

.....

أظلُّ طول الليلْ

وحدي، أعاني القتلَ بعد القتلْ!

 

   أية شُحنة أخلاقية تنبعث من مشاعر الذنب هذه؟ وأيّ وضوح رؤية شعرية، لم يربكها الشاعرُ بالمولَّدات اللغوية، والاستعارية!

    الموقف الأخلاقي ليس هو الموقف العقائدي. والموقف السياسي ليس هو، بالضرورة، الموقف الإيديولوجي. هناك هوةٌ كبيرةٌ تفصل بينهما. هوةٌ تفصل يقظةَ الضمير الإنساني عن يقظة الفكرةِ المجردة، المقدسة. والشاعر الحقيقي يعرف ذلك بالبديهة. ويعرف أن لا فاصل بالتالي بين يقظة الضمير المرهف وبين قوة الجمال الشعري. الشاعر يملك أن يقف مُحتجاً ضد الشر، بكلّ عُدة الفن الشعري.

    نعم، هناك تأزم، قد يحصل في الكيان الشعري الحي ذي الضمير، بين الضرورات التي يفرضها الموقف السياسي، والموقف الفني. ولكن هذا التأزم كفيل بشحن الشاعر بمزيد من الطاقة الخلاقة. ولعل أروع مثال أعرفه في هذا الشأن هو الشاعر البولندي ميووش. ولمن يرغب برؤية ملامح من هذا التأزم، له أن يقرأ كلمة ميووش الموجزة، التي ألقاها في حفل استلامه لجائزة نوبل عام1980.

    قصائد ياسين طه حافظ، وقصائد حسب الشيخ جعفر تقدم مزيداً من الأمثلة. ولعل القصيدة السابقة في طليعتها.

    في قصيدة "خطاب"[xiv]، أولى قصائد مجموعة "ما قاله آخرُ الخطباء"، يقول المتكلم بلغة اعترافية:

 

وأنا عشتُ في حذرٍ

أتقي غضبا مُضمراً

وأحاذرُ ثأراً قديماً

وإذا ابتدعتْ شُعلةُ الشعر فيَّ جمالاً

تململ وحشٌ وراء الجدار

فأغلقتُ بابي

وتواريتُ أخشى عقابه.

 

ما الذي يفصل الجمالَ الذي يبتدعه الشعرُ هنا عن يقظة الضمير الشعري، التي تستفزُّ قوةَ الشر وراءَ الجدار؟

 

 

 

 

2

  

    في مطلع هذه المقالة أشرتُ إلى منحى انبساطي باتجاه الحياة، والإنسان في شعر ياسين طه حافظ، في مقابل العزلة والقطيعة عند حسب الشيخ جعفر. كما أشرت إلى أن هذه الحياة، وهذا الإنسان كثيراً ما تكون استجابتهما مُجحفةً، وبالغةَ القسوة. وأرغب هنا أن استكشف معكم هذا المنحى الشعري، عبر الشواهد. ففي قصيدة "تجربة جديدة"[xv]، يُهديها إلى ابن الفارض، يلخص لنا الشاعر في مقطع صغير المحنةَ هذه:

 

قلتُ هذي فرحُ الدنيا وهذي

وردةُ الله: اقتربتُ، ابتعدتْ عني، اقتربتُ،

ابتعدتْ.... حتى تعبتُ.

 

ضاربٌ في الريح، هلْ مازلتُ غِرّاً

يستبي روحيَ وعدٌ ويُذلُّ الروحَ فوتُ؟

كلما لاحَ لي الضوءُ وأمّلتُ بوصلٍ،

رجعتْ كفي إلى رأسي، وأسبلتُ عيوني وانكفأتُ.

ساورتني فكِرٌ شتّى وأدركت بأن العيشَ

                              في المابين موتُ.

عالمٌ يقتلنا، في كلِّ يومٍ لي ميتاتٌ

ولي في كل يومٍ صحواتٌ، ليتني

في الطعنة الأولى انتهيتُ.

   

    إن قابليةَ الشاعر للفرح لا ريب فيها. وكذلك رغبته في الحب والاحتضان. تضج بذلك معظم قصائده. ولكنه لا ينقطع عن الاعتراف أيضاً بالإجحاف الذي يشبه قدراً أعمى: "أمشي على عكازتين بينما ساقاي من سنين/ مرهونتان.."[xvi]

    قابلية الفرح ورغبةُ الحب هما عنصرا مقاومة، تتحلى بهما قصائدُه المتأخرة، التي كتبها في مرحلة الحروب، والقتل الإرهابي المجان. لأن قوةَ الشر التي ترهنُ ساقيه أرضيةٌ، وتاريخية. لا قدرية ميتافيزيقية:

 

هلْ يجيء الربيع؟

هو مُفترقٌ لا أرى ما وراء تفاصيله:

الربيع الذي يتخفّى وراء العنابرِ

يُلقي ويُلغي إشاراته.

والشتاء المدجّج أغلق كلَّ الطرق

وهو الموتُ يرصدنا واحداً واحداً،

والرصاصُ إذا ساءه خطونا ينهمرْ.

هل يجيء الربيع؟

 

إذهبوا أنتمُ، إنْ تعبتم، إلى أي دفءْ

فأنا ها هنا

قابعٌ

مثلما برعمٍ، أنتظرْ!

 

    هذا التشبث بالأمل مدعومٌ بإحساس المشاركة مع الآخر: فالموتُ يرصدُ الجميع، لا يرصده وحده، شأن مشاعر الوحدة التي كانت تُملى على قصائد مرحلة سابقة على هذه المحنة الجماعية. إنه واحد من ملايين: "فلكٌ حولي، كما ضاعت ملايينٌ من الأوجه، ضعتُ".[xvii]ولعله أحوجُ إلى حضور الآخر الإنساني، الذي يمنح معنىً لاعتذاره إذا ما أخطأ، ويمسح عنه مرارةَ التعب: "وهل ألقى،.. يداً تمسح هذا التعبَ المرّا/ وتعطيني التماعةَ ضحكةٍ، ذكرى؟"[xviii]

    في قصيدة "أنا في الليلِ أفتح نافذتي"[xix] يقدم كابوس ليل المدينة المذعورة. ولكنه يقدم تشبّثه بالأمل أيضاً، بصيغة قد تختلف من حيث الشكل، عن سابقتها، ولكنها تتفق في المضمون:

 

هكذا أنا في الليلِ حيث يغيب الجميع

ويبقى غُثاؤهمُ والزبدْ،

أُوقدُ الضوءَ،

أترك نافذتي للعوالم مفتوحة،

قد يعودُ لنا الحبُّ في غفلةٍ...

والحياةُ الحبيبةُ تدخلُ بيتي

هي تعلم أني تعبتُ من الانتظار.

 

   الدنيا التي انقلبت ضدّه وحشاً قدرياً كاسراً فيما سبق، تنقلب عليه الآن وحشاً تاريخياً، أرضياً:

 

تغيّر كُّل شيءٍ، صارت الدنيا

بلاطاً، قلعةً، مركز

وصارت ترتدي، الصبحَ، ومنذ الفجر،

                           بزّتها الرصاصية

تراقبني كشرطيٍّ

أراقبها كلصٍّ حاصرته الشمس.[xx]

 

    هذا الانغمار فيما هو تاريخي، يجرّده الشاعر من حاسة الانتساب المؤدلج للتاريخ.

الشاعر ينتفع من مادة التاريخ الخام وحدها. ويجعلها مفتاحاً لرؤاه الداخلية الخاصة.

الشاعر ياسين مُعافى من الاستجابة لهذه الجاذبية، التي هيمنت على الشعر العراقي منذ نهاية الخمسينيات. إنه شاعر "يتابع المحنةَ خلف الوجوه، يفتّق العبارة عن آخر أسرارها ليسطع منها الضوء الذي احتجب، ومن ذلك الضوء يصنع أملاً"[xxi]، كما يقول في أحد نصوصه النثرية. قصيدتُه، بهذا المعنى، لا تخرج من السطح الظاهر في العبارة أو في الوجوه. فالفكرةُ والعقيدةُ قناعٌ ظاهريّ فوق وجه الناس والتاريخ. والقصيدة الحقيقية تخرج من خلف الظاهر الخادع، والقابل للتغير، وللزوال.

 

3

 

   في مجموعة المجلد الأول (68-1978) تجد ياسين طه حافظ، حين تفرض عليه التجربة الشعرية أن يخرج من عزلته الداخلية إلى الآخر، يتطلّع بعيداً، خارج مدى الرؤية العينية: "عودة كلكامش"، "شوق إلى روح بابل"، "زيارة مفاجئة من الآلهة شمس"، "حادث في زقاق بابلي"، أو "عبد الله والدرويش" المُتخيّل. ولكن ما أن تبدأ حروب الثمانينيات وحصار التسعينيات، داخلَ عتمة الدكتاتورية، حتى يجد الشاعرُ خروجه إلى الآخر جزءاً من تجربته الشعرية ذاتها، التجربة التي تفترض، لكي تتنفس، الاتصال الحسي، العيني مع الآخر. كان الافتراضُ الوحيد للآخر الممكن كامناً في الأسطورة، أو في الذاكرة الجمعية. ثم أصبح الإنسانُ والطبيعةُ والجغرافيا المحيطةُ به هي الملاذ، والقادح الأساس للتجربة الشعرية. وإذا كان التطلعُ الأول محدوداً في القصائد القليلة التي ذكرتها سابقاً، فإن الملاذ الحي وفّر عدداً كبيراً من القصائد، التي أنتخب منها: "جندي عراقي"، "تينة نهر الشيخ"، "بعقوبة"، "وجه في سوق أربيل"، "هواجس زوجة"، "طريق بهرز"، "عجوز كردي"، "أم إبراهيم"، "غرفة يحيى"، "مسألة رشدي العامل"، "حياة ومقامات محمد القبانجي"، "زقاق بغدادي"، "عن حقيقة بستان صادق"...الخ.

    إن الروح الاحتضاني أبعدَ الشاعرَ قليلاً عن عزلة الدرويش السابقة، ولكنه لم يُلقِه كاملاً في أحضان الحياة الإنسانية المُعاشة. لأنه ظل، في جزء كبير منه ، مُرتاباً، لا ثقة له بما تُخفي الحياة. ولذلك كانت قصيدتُه الاحتضانية للآخر، الإنسان، اختبارية وانتقائية في آن. وكذلك قصيدته الاحتضانية للطبيعة، فهو يبثُّ فيها أنسنةً تُعينه على الارتياب، وانعدام الثقة. إنه يحول الآخر في الإنسان والطبيعة إلى ذات من جنسه هو: جنس المرتاب، المعتزل.

   في قصيدة "أم إبراهيم"[xxii] تبدو أم إبراهيم أقدم من بيوت منطقة "التكية"، وقد التمّت على عتبة الباب. " بقيةُ عالمٍ خفيت معالمه/ وغادره بنوه، اسّاقطوا لَبِناً وأعمدةً." يُذكرها المتحدثُ داخل القصيدة بطفولته:

 

"أُخاطبها أنا ابنُ فلان...

وتصحو من غيوم العمر، تُمسكُ بي: أأنتَ كبرت!

وتبدأ بالبكاء، مصدّقةً ولا مصدقةً

تَلَمّس قامتي، وتعود تُمسك بي

لتطردَ حيرةً، أو ترتجي سنداً..

"وداعاً أمَّ إبراهيم!" غائبةٌ

كأن ما جئتُها أبدا.

 

    هذا بورتريت غير مخلص تماماً لنزعة القصيدة الواقعية الهادفة، التي عرفها الشعر العراقي منذ الخمسينيات. إنها عجوز، في الوحدة، والقطيعة حتى مع ذاكرتها. مُنتخَبة، ومُنتقاة لتصلحَ عيّنةً أليفة داخل شعره.

    الرصد الداخلي يذهبُ أبعد من ذلك مع "عجوز كردي"[xxiii]:

 

وجهُه صارمٌ حفّر السيلُ أحجاره

واستراحت على سفحهِ العرباتْ.

 

وعلى التِختِ في جلسةِ المستريب

يرمق العابرين بخطّ من النظراتْ

 

هلْ رأى؟ أو تذكّر؟ لا أحدٌ،

بين كل الذين حواليه،

         يعرفُ سرَّ انفراج أساريره:

 

فجأةً

وتبسّم صحوٌ جميلٌ على جبلِ الصمت

أطلعَ أزهارَه

وتلامعَ شلالُه

واكتسى بالنباتْ.

 

    أراده الشاعر مستريباً في ظاهر علاقته مع العابرين. وأراد سرَّ ابتسامته المفاجئة كامناً في داخله. إن القصيدتين عينات من قصائد كثيرة بالغة التأثير، بفعل هذه الرغبة المُكترثة بأن يجعلها عوناً له على أن يظلّ نائياً، أو مراقباً عن بعد في أحسن الحالات.

    ومع الطبيعة باعتبارها "آخر"، نجد الهاجس الانتقائي في خلوتها مع ذاتها، ومع تاريخها الدفين. فالهور المائي

 

..ذاك الجليلُ بنظرته الفصلُ

والحكمةُ الأزلية في صمته المديد.

أثاره هذا الدبيب الغريب

ألوفٌ مُهجّنةٌ تستبيح محاريبه النائيات

                       ..اكفهرّ!

تماوج مختلفاً:

زهرةُ القدَرِ ائتمنتها العصور عليها

هنالك مشرقةٌ، تحاوره من بعيد. شعلةُ الله[xxiv]

 

    عزلتُه المستريبة انتُهكت من متطفلين. وهي قرينة لعزلة الشاعر المستريبة، والتي تعرفنا عليها سابقاً. يحدث هذا مع "الغصن"، مع "النهر"، وأشياء الطبيعة الأخرى...

   

 

 

[xxv]

 


 

 الأعمال الشعرية ج1، الوحش والذاكرة،(دار الشؤون الثقافية العامة 1997،  ص7.[i]

 ما قاله آخر الخطباء، إصدار جريدة الصباح 2009، ص160.[ii]

 الأعمال الكاملة ج2، ص247-248.[iii]

 The Fire and the Fountain, John Press, Oxford1955, P.37.[iv]

 مطلع قصيدة "قرون الأيّل"،  مجموعة "ما قاله آخر الخطباء" ص45.[v]

 الأعمال، ج2، ص235.[vi]

 المصدر السابق، ص236.[vii]

 السابق، ص239.[viii]

 السابق، ص242.[ix]

 السابق، ص243.[x]

 السابق، ص244.[xi]

 السابق، ج1، ص70.[xii]

12  في ملف جريدة" الحياة" حول الشاعر المتنبي 7/6/2007) يكتب الشاعر أدونيس: "..هل يصح تقويم الشعر بوصفه "عملاً"؟

الشعرُ "لغةٌ" لذلك ينبغي تقويمه جمالياً- فنيّاً، بحصر المعنى. وليس "عملاً" لكي نقومه أخلاقياً، سلباً أو إيجاباً. الإصرار على تقويم الشعر أخلاقياً في نوع من "محاكمة" صاحبه، إنما هو إصرار على الاستمرار في متابعة "تقليد" تُنكره، جذرياً، جماليات الإبداع الفني وبخاصة في عالم اليوم.

الشعرُ طريقةٌ بالحس بالوجود، وفي فهمه، وفي التعبير عنه. فلا يصح النظر إليه إلا في حدود جماليته، في معزلٍ عن كل بعدٍ أخلاقي. فالشعر تحديداً "خرقٌ" (يجوز له ما لا يجوز لغيره)، فكيف يصحّ أن نُخضعه للواجب، أو لما "يجب"؟ [xiii]

 "ما قاله آخر الخطباء"، ص7.[xiv]

 السابق، ص 41.[xv]

 السابق، ص47.[xvi]

 السابق، ص41.[xvii]

 السابق، ص51.[xviii]

 السابق، ص115.[xix]

 الأعمال الشعرية، ج2، ص236.[xx]

 "ما قاله آخر الخطباء"، ص97.[xxi]

 الأعمال الشعرية، ج2، ص287.[xxii]

 السابق، ص277.[xxiii]

 السابق، ص88.[xxiv]

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

*

 

فوزي كريم :  المصالحة الخاسرة مع الحياة

ياسين النصير:  تراجيديا الشعر

عباس الغالبي : الصورة في شعر ياسين طه حافظ

 د.بشرى البستاني: شعرية السرد بالكاميرا 

 

*

 

ياسين طه حافظ : هل أنتَ ياسين بن طه؟

ياسين طه حافظ : ثلاثة شعراء

ياسين طه حافظ : سيدة النار والليل

ياسين طه حافظ : من "انثلوجيا الأسماء والأمكنة"

 

*

 

محمود النمر : حوار مع  الشاعر ياسين طه حافظ

عبر الانترنيت مع ياسين طه حافظ

 

*

اغلفة كتب الشاعر

 

 

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009