العدد 16 خريف 2009

  

حوار مع الشاعر ياسين طه حافظ

 

محمود النمر

 

 

لست شاعرَ امور  ٍٍعابرة ولا يستفزني ظاهر زائل ..

  

هو الذي ملأ الجرار بالحكمة والأسئلة، وتركها على الارصفة ومضى ،هو سليل الخمسينيين اصحاب الشرف والالتزام،لايريد ان يربح العالم ويخسر نفسه، ولا يكتب قصيدة الاّ بعد ان يؤسس علاقات جديدة مع مفردات ورؤى اخرى، هو شاعر ومترجم يمسك لغتين في كف واحدة، ويتنقل ما بينهما كالهدهد، وهو الذي يرى ذلك الخيط الضوئي الذي يربط بين اللغة الام، واللغة الانثى التي عشقها قبل نصف قرن، ولم يزل يحاورها، متكئا ًعلى التراث، فاذا قال شعرا ام  نثرا، كان هو ياسين طه حافظ (ما قاله آخر الخطباء)...  

محمود النمر

 

في ديوانك الاخير "ما قاله آخر الخطباء" مضمون غير ما اعتدناه في الشعر السائد، احسه جادا وفيه ابعاد اجتماعية ،ثمة مسؤولية ما، هل من إيضاح يستشرف هذا المنحى الشعري.

لست شاعر امور عابرة، لايستفزني ظاهر زائل او حال اعرف انه سيغيب، انا معنيّ بإشكال إنساني، فكري او حضاري، وكل دواويني حملت صراعها مع هذه المسائل او التقاطعات من " الوحش والذاكرة " الى الديوان الاخير "ما قاله آخر الخطباء".

 

لماذا آخر الخطباء،هل ان الشاعر معني ان يكشف خفايا وآلام الانسان، ليكون شاهدا على العصر، او هي شهادة براءة من هذا الذي يحدث.

عمرا ً ومعاناة وبعد مرحلة من المراس والرؤية.. أراني من يتوجب عليه الكشف بعدما عشتُ ورأيتُ وعرفتُ، لابد من ان اعلن للناس مجرى احداث واكشف خفايا رحلة  الالم اما، لماذا الخطباء؟ فالملاحم لم تكن قصصا ًشعرية، كانت احداثا ًوافكارا ًتروى شعراً، وكان الشاعر يقدم فصولها للناس خطابات لارسائل ولا اوراق مطبوعة، فعلت ُمثل ذلك، وقدمت ُ ماعندي من اسرار وافكار وكأني القي خطاباً مأساوياً اخيراً قبل ان اغيب ..

 

لكن الإنكسار كان موجعا ً،حين انتهت الخطبة في قصيدتك الاخيرة، ربما هو قدر الشاعر ان يتحمل العذابات والخسارات  ام هو المحور الاساسي في هذا الاشتباك الازلي .

نعم .. بعد ان اكمل آخر الخطباء رواية الاحداث والعذابات والخسارات على ملأ من الناس، عاد الى بيته وجلس منكسراًوحده ُ في حجرته، ذلك هو انا !

 

 

لكن الديوان يحمل حزنا كثيرا في قسمه الاخير .

انت لاتعرف احزان الناس وخيباتهم وعذابات اولئك المناضلين الذين ضيعتهم السجون والذين ماتوا في التعذيب والذين خسروا كل شيء ،انا في هذا الديوان تحدثت عنهم مثل من قال بشهادته ! هو الذي رأى!

 

في قصيدتك"سبب كاف لأحيا"تقول ان مهمتك ان" تصنع املاً "وذلك سبب  كاف لتحيا ..ماذا تريد ان تقول .

ليس الفن لهوا ً،ولا استعراضات اجتماعية ولا ارتزاقاً،الفن عمل جاد. وانا سليل  الخمسينيين ،اصحاب الشرف والالتزام والعمل الفني المُتْقَن ،لاانثر لغواً،انا شاعر يكتب قصيدة ويحمل هماُ،والقصيدة عندي عمل فني قبل كل شيء ووراء هذا الفن ضمير إنساني وصلة ابدية بالحياة والمستقبل .

 

هل مازلت ملتزما ،وجها لوجه امام الفن الشعري .

نعم- نعم- نعم ولكن التزام الفنان الذي يضحي بالكثير من اجل فنه ومن اجل الحياة التي هي وراء وقبل الفن ،لااكتب الا والحياة والانسان امامي ،انا الناطق باسمهما، الذي هو اسمي ايضا ! ليس الالتزام تهافتا ً او تردياً فنيا، ليس ترديد شعارات وخدمة مؤسسة او حزب، الالتزام الحديث إيمان بالفن، وايمان بالحياة ووقوف ضد الرداءة في الاثنين .

 

الم يؤثر فيك الوضع الجديد .

 ماتزال الرياح سيئة، وما يزال الانسان مُمْتَحناً ومُنتَهكاً ومُسْتَغَلا ًومُهاناً ًوتدمرالتعاسة اليومية إنسانيته .

 

لكننا نراك برجوازيا .

ربما ترى المظهر الحضاري ،نعم انا رجل متحضر ومثقف ،هذه مسألة اخرى ،لكن ما هو ارسخ واعمق، هو ان الصريفة ما تزال في رأسي ومايزال الفانوس الازرق يتدلى من سقفها .

 

بعض النقاد ،بعض الادباء يعتبرون الخطابية عيبا وديوانك يبدأ بقصيدة عنوانها "خطاب"وينتهي بقصيدة "ما قاله آخر الخطباء "..

هؤلاء ليسوا نقادا وليسوا ادباء،هم اولا يرددون كلاما مبتورا لم يسمعوه كاملا، انا اعرف جيدا ما اكتب واعرف جيدا كيف اكتب ،اذا افترضنا حسن النية، فهؤلاء لايعرفون معنى الخطابة في الفكر والفن، الالياذة اعظم عمل حتى الان، وقد كانت خطابا ! واعظم فصولها خطابات تمتزج فيها العديد من الفنون والبلاغات .

 

لماذا يوميات العبور القصائد النثرية في الوسط .

  في الديوان ثلاثة اقسام: قصائد اولى و"يوميات العبور" و"بدء الملاحم" يتمثل الديوان اساساً في الاول والثالث، حيث الافكار والعذابات الانسانية والمواجهات، اما الوسط هو "يوميات العبور"، فيعبر عن جمال الحياة وجمال الطبيعة وبهجة العيش . د ُمرَ هذا الجمال ،دمرته الشراسة والرداءة ،دمره حملة البنادق المسمومون ذوو الوجوه الصفر، فانتهيت الى بدء الملاحم!

 

لماذا اسميت القصائد النثرية يوميات العبور ولم تسمها قصائد ،هل انت متحفظ من قصيدة النثر؟

ليست مسألة تحفظ ،ولكنها كانت يوميات فعلا. وليس فيها بناء قصيدة ،القصيدة غير الكلام سواء كانت شعرا ام نثراً. لنحترم الادب ونحترم ما انجزته البشرية عبر العصور. مهمتنا الاضافة النظيفة والتطوير.

 

لماذا بدأت الديوان بخطاب وانهيت الديوان بـ- خطبة آخر الخطباء .

 نعم هكذا هو العمل الفني المخطط له والذي وراءه ثقافة ،بدأت ُ بخطاب وانتهيتُ بخطاب ،في الخطاب الاول حددت المكان والجو وهو العراق- صار واضحا عمّ  اتحدث وطرحتُ الافكار والاجواء المؤسية والمتاعب الانسانية حتى صار واضحا اكثر عمّ  اتحدث في الخطاب  الاخير واين تقع فصول المأساة ،هل يشك احد بعد ذلك انها اجواء واحداث عراقية ؟ واني اتحدث عن ناس جيدين غُيّبوا في العذاب؟

 

لم افهم قصيدتك "محاولة اقتراب للطبيعة" .

لمَ لم تفهمها ..؟واضحة جدا. ربما  لانها شديدة الايجاز، ربما لان موضوعها بعيد عن  الموضوعات المتداولة ،لقد حاولتُ ان اعود للطبيعة والانسجام فيها ومع احيائها البريئة ونباتها، لكنني لم افلح فقد صرتُ غربيا عنها بعد الابتعاد الطويل عن الحياة الطبيعية ،اي عن الطبيعة واشيائها، لم تتقبلني ،فعدتُ الى غرفتي "لاقضي ليلة اخرى " .

 

وكذلك قصيدتك  "السفر في مراتب الخطاب" .

ربما يعرفها اللسانيون والمعنيون باللغة.. معركة مع اللغة ومفاوضات لتشق القصيدة طريقها، رأيت :اننا نعيش بالكلام، لانأكلهُ ولكننا نحيا في تواصله "كان الكلام ..صلتي بالكلام" وبسبب من التلاحم او الصراع ادرجتُ القصيدة مع بدء الملاحم. لكي تكتب قصيدتك لابد لك من ان تؤسس علاقات جديدة مع اللغة ،وهذه مهمة لاتتحقق بيسر،اقرأ القصيدة مرة اخرى ياصديقي ،بعد هذا الايضاح،تجدها قصيدة متقتة وتجد موضوعها مهما وربما جديداً....

 

ما هي افضل قصائد الديوان في رأيك ؟هو ديوانك وانت تعرف قصائده.

"ما قاله آخر الخطباء "عمل فني مهم  وان بدا تقليديا، والقصيدة وثيقة تاريخية، ربما هي ابرز الوثائق الادبية عن المرحلة التي تناولتها وعن اجوائها السرية التي افْتُضِحَتْ، لااكون ياسين طه حافظ من دون ما ورد فيها ، وكذلك قصيدة  "الوجع الاكبر ان الحب  ما يزال" و "وثيقة شاهد  العصر" و"فصول مخفية من حياة امرء القيس" فيها تقنيات متقدمة ،كل قصيدة بصوتين وهي مكملات لما اردتُ كشفه ،اشعر بالراحة اني كتبتُ تلك القصائد بعد صدور "ما قاله آخر الخطباء" شعرتُ بارتياح ضمير لامثيل له، ارحتُ ضميري وانسانيتي وأرضيتُ فني، اشعر الان ان الكثير من الارواح قد وجدت من تحدث للعالم عنها، اتمنى اني  كنت وفيا لمن غابوا.

 

من يقرأ ((يوميات العبور ))يجدك سعيداً وانك في نعيم البساتين؟

تلك مرحلة الصبا وبدء الشباب . على اية حال للفقراء أفراحهم وهي أكثر لمعاناً وأطرى من "افراح " الشيوخ المهمومين، النادرة والمكَدّرة. شراء ثوب عند الولد الفقير يعادل شراء قصر عند غني مترف، ربما أكثر. هل تحسدني على فرحي بالشجر والماء ورؤية عناقيد العنب ؟ الطبيعة أم الاولاد الفقراء. وافراحي حتى الان منها!

 

ثمة من يريد الشعر شعراً فقط . مارأيك؟

سمعنا وقرأنا الكثير عما يريدونه من الشعرومايريدون الشعر ان يكونه حتى وصل الى الا يكون شعرا.. انا  اقرأ نقدا وتاريخا اكثر من مما اقرأ شعرا .. واليك  رأيي: الشعر اما ان يكون مع الحياة وحقائقها .. او مع الاكاذيب والسفاهة ، (بعض السفاهات  ملونة..) الافضل من المكياج والافضل من العبث بالكلمات والادعاءات ان تكون جادا وتتعلم اضفاء الدرامية على الواقع لن تتمكن من هذا بغير فن شعري ومنظور اجتماعي وثقافة حقيقية ، لاقراءات سريعة متقطعة. لابد للشاعر من بناء ثقافي خاص به .. اعود واقول اذا اردت ان تكون شاعرا جادا فتلك هي مهتمك وذلك ما يلزمك .. انا غير معني بالالفاظ الزَلِقة والتعابير الجذابة الفارغة هي ليست جذابة بالنسبة لي .. دقّقْ النظر وفكر بجدواها او بما ستؤول اليه  .

سؤال اخير شخصي بصراحة بعد الاحباطات وما الت اليه الامور ، هل انت نادم على افكارك السياسية الاولى ، في دار المعلمين العالية اواخر الخمسينيات واوائل الستينيات؟   

على العكس تماما انا افخر بذلك. عمل صحيح في زمنه وتاريخ مشرف لم تكن غايتة كسباً شخصيا ولا نفعا اصلا لم يكن احد يفكر بكسب كان ايمانا بالوطن والانسان والحياة الجديدة وحرية الشعوب. تصور في ذلك الوقت المبكر نحن كنا  أمميين.. كان في العمل السياسي منتهى الصدق وكان له وهج عظيم منه مؤونة قصائدي وخصب رأسي.. الثقافة والانسانية معاً تبعثان حيوية الكتابة. ليس بمقدور احد، بعيد عن الاجواء، وصفها وتقدير مدى الجاذبية والتوقد البهيج فيها ، ايام التوقيف والاحذية معلقة على الجدار فوق رؤوسنا لضيق المكان، ايام الاختفاء والاعتقال والعرفي، ايام مجيدة بالرغم من الالم والامتهان الانساني والقلق والحاجة، هو تاريخي على كل حال ومرحلة من مراحل فكري وتطوري وفهمي للحياة والدنيا ، كنت منتمياً للانسانية بكل دمي وحماستي. فخور وازهو بما كان. ولي اليوم افكاري التي تطورت واغتنت بجديد الحياة ، ارجو ان تعلم بأني احتقر الشيوعي الذي كان يشتم الشيوعيين في زمن البعثيين، واحتقر اكثر البعثي الذي يشتم البعثيين بعد غياب السلطة عنهم. يمكن ان يحتفظ الانسان بصمته وكرامته،  قضيت اكثر من ثلاثين سنة اعمل في الدولة في زمن البعثيين لكني لم افتح فمي طيلة هذه المدة بكلمة واحدة ضد الحزب الشيوعي، وهم الان شهود احياء يقرؤونني ويسمعون. بهذا السلوك يُحْتَرَمُ الانسان اكثر ولايبدل قوته الداخلية بالصَغار،ذلك ما يجب! لااحترم الهزال لافي الحياة ولا في الكتابة .  

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

*

 

فوزي كريم :  المصالحة الخاسرة مع الحياة

ياسين النصير:  تراجيديا الشعر

عباس الغالبي : الصورة في شعر ياسين طه حافظ

 د.بشرى البستاني: شعرية السرد بالكاميرا 

 

*

 

ياسين طه حافظ : هل أنتَ ياسين بن طه؟

ياسين طه حافظ : ثلاثة شعراء

ياسين طه حافظ : سيدة النار والليل

ياسين طه حافظ : من "انثلوجيا الأسماء والأمكنة"

 

*

 

محمود النمر : حوار مع  الشاعر ياسين طه حافظ

عبر الانترنيت مع ياسين طه حافظ

 

*

اغلفة كتب الشاعر

 

 

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009