العدد 16 خريف 2009

 

ياسين طه حافظ :  تراجيديا الشعر

ياسين النصير

 

1

 

1-1

ثمة اعتقاد نقدي سائد هوأن القصيدة هي الشاعر، وأن الشاعر هو القصيدة، وأن ثقافة القصيدة هي ثقافة الشاعر، ولذلك بقي الكثير من الشعراء أسرى قصائد معينة يكررونها في تجاربهم اللاحقة، وبقيت الكثيرمن القصائد مغلقة على شعرائها، دون أن تنفتح على غيرهم..وبقي النقد يدور في حلقة القصيدة/ الشاعر والقصيدة/المرجع.. في حين أن القصيدة لما تمتلكه من مرجعيات، لن تكون هي نفسها في كل قراءة جديدة لها، ولن يكون الشاعر هو نفسه في كل قراءة لقصائده، وبمثل ما خرج النقد عن دائرة القصيدة/ الشاعر، إلى دائرة أعم هي الشعرية، خرجت القصيدة من أطرها القديمة وخرج الشاعر من سياقته السابقة، إذن ثمة حركة دائرية ترسمها القراءات للقصيدة وللشاعرمعا، فالشاعر يخرج بعد كل قصيدة إلى غيرها برداء جديد، وتخرج القصيدة من ثقافة الشاعر المفرد إلى ثقافة المجتمع برؤية جديدة.. لذا لا تستوعب قصيدة واحدة ثقافة الشاعر،ولا تجد الشاعر في قصيدة دون أخرى، فهما تيار من الخطوط المتعرجة الدائرية، هكذا أرى الشعروالشاعرلا انفصال بينمها ولا اتحاد، لأنهما معا تكوين من تيارثقافي جدلي،وممارسة ذاتية/جماعية،وطريقة متعرجة دائرية التواريخ والأمكنة والحالات والشخصيات، ثمة شيء ما موجود يغير دائما من سياق أية طريقة للوصول اليهما..فالكتابة كفعل مادي لا تستدعي اللسان المفرد للشاعر، بل تستبطن ألسنة الشاعر والشعر، لأن العلاقة بين الشاعر وقصيدته بنية في مكنون اللعب البشري كله، في ذلك الداخل المدفون في الرؤيا الكونية، في أعماق النفس البشرية، في بنية التداعي الحر، في التماثل مع التجارب عبر الجغرافيات، في بنية الشبيه الذي لا يعرف جنسا أو زمنا، في جدلية الحوار، في المستدعى من الذاكرة الجمعية.. وكل هذه المفردات ليست ذاتية، وإن بدت مفترقة، وليست جماعية وأن بدت متجمعة، فالشعرية آتية إلينا من هنا ومن هناك، وستنتقل إلى هنالك دون أن تؤلفها مرحلة..

هذه الجملة الاستهلالية لا تخض الشاعر ياسين طه خافظ وحده، بل الشعراء كلهم، والشعر كله ، شخصيا اقرأ القصيدة دون أن اقرأ الشاعر، وأحيانا أقرأ الشاعر وفصيدته معا،دون أن يعني إنتمائي لهما، ولم يحدث أن قرأت الشاعر بلا الفصيدة، ولكني قد أقرأ القصيدة دون شاعرها، فجنس القصيدة لا يحدده قائلها بل مرجعياتها وتأويلاتها، هذا يعني بالنسبة لي، أن الفصيدة محملة بالثقافة، بالتاريخ الأعم، بدلالة الموضوعات، وبتأويل أشمل، إنها وحدها التي تقرأ مرتبطة بمرجعيات، ووحدها التي تحيلني إلى...، بعد أن تجعل قراءتي جزءا من مرجعياتها..

 

1-2

ساجد في تجربة ياسين طه حافظ شيئا من هذا التداخل، هو يكتب قصيدته التي هي فكرة في رحم الماقبل ولكن بحروف أخرى، وبموضوعات أخرى، وسيكتب قصيدة بفكرة في المابعد، وستكون ناقصة بالضرورة وبحاجة لمن يكملها.. فشعر ياسين طه حافظ ليس له كله، بل لكل التجارب الشعرية التي سبقته، كما تكون مرجعية لمن يقتفي آثره بعده، لأنه قد أدخل مفهوم الشعر ضمن نطاقه الكوني، فعندما أنهض قيم المحلية وأمكنتها المختلطة بين القرية والبلدة والمدينة، من مصاف المهمل إلى مشاريع المؤمل،فكر بأن يخلق من هذا الخليط اسطورة شعبية بمواصفات مغايرة لمفهوم الأسطورة القديم... لذلك تجد في شعره نبرة قصائد الهايكواليابانية،تلك البساطة العميقة، البساطة التي تستدعي مفردتها صورها دون إحالات، وتجد فيها نبرة الشعراء الإنجليز، وتجد فيها نبرة شعراء حركة الحداثة الأولى في العراق خاصة البياتي الذي حاول خلق أساطيره ورموزه ومدنه الخاصة به،محاذيا الأساطير والمدن القديمة والنساء الرمز، وتجد فيها قصائد ستينة بمناخها الإشكالي التجريبي، تلك القصيدة التي ما أن نهضت حتى احتوتها الحرب فلجأت للتجريب والترميز للدوران حول الشعرية، وتجد فيها قصائد منفتحة على هذا وعلى ذاك.. ومن هنا فقصيدته تحيلك إلى مرجعيات وتدخلك في الوقت نفسه بيت لمرجعيات جديدة، لتترك نافذة لم تغلق درفاتها بعد..

ستكون قراءتنا لشعر ياسين طه حافظ دورانا في اتجاهات مختلفة أحاول في هذه القراءة والتي أحسب أنها ليست الأخيرة- أن أقف على الخطوط العامة لتجربة شعرية تلاصق الوقائع حد المباشرة، وتبني صورها عن طريق استثمارالعقل الواقعي، وتحاول ترميز وقائعها الحياتية بطريقة البنية الخيالية للصورة، ثم بعد هذا وذاك، يرسم ياسين طه حافظ خطوطا عريضة لصياغة أسطورته الشعبية المتشظية في قصائد عديدة، فالشعرية عنده ليست موضوعات فقط، بل هي صياغات فنية لا تحملها إلا رؤية تراجيدية تنقلها من وهج الوقائع اليومية الباردة إلى سيرورة الفكرة الاسطورية، وأؤكد على بنية الفكرة الأسطورية..

 

 

2

 

 

عتبة العنوان

 

2-1                                         قراءات مختلفة

وابتداء يدخلنا عنوان المقالة" تراجيديا الشعر" في اشكالية الإلتباس بين القصائد وقائلها، بين الشعر ومرجعياته، بين الواقع وتخيلاته، فالشاعر ياسين طه حافظ، ممتلئ بصور لواقع صاخب، وفي الوقت نفسه تبدو فنيته هادئة جداً، هل لأن القصائد قيلت بصوت ذاتي / غنائي عال عن واقع صاخب؟ بينما لا تحيلك قصائده فنيا على غيرموضوعها المباشر والحياتي واليومي والمشترك؟. فهل يختلف تلقي الشعر بين ذات تتحدث بهدوء عن الواقع، وموضوع جماعي مباشرومشترك يقال بفنية سردية ومغايرة؟، الملاحظة التي نستخلصها من القراءة أن الشاعروالقصيدة، مشبعان معا بالواقعية حدّ التخمة، لكن هذه الواقعية ليست صورا عيانية مباشرة، بل مدخلا لقاع التجربة، لتلك البقع المجهولة التي تشترك فيها عشتار وصوت "الحياة" في قصيدة "الحرب".لذا فالشعريةعنده ليست بما نقرأه من صور القصيدة بل بما تختزنه القصيدة من احالات ومرجعيات وتصورات أبعد من الوقائع اليومية نفسها، فالوقائع ليست إلا مدخلا ، أنه هناك في الأعماق لصياغة تراجيديا من نوع خاص ..

 لذا لا يعطي العنوان" تراجيديا الشعر " إلا تصورا مخاتلا، ومتلبسا بالرمزعن حال غائرة  تجمع بين الذات وغموض الوقائع، فمفردتا الذات والواقع ليستا على وفاق دائم، ثمة ما يغير من سياق الاثنين تبعا لتغيير الرؤية، هذه الجدلية بين ذات رائية مشككة، وواقع مخاتل ملتبس،لابد لها أن تنتج صورا مغايرة للسياق العام لصورالواقع كي يستمربانتاج الصورالمألوفة.. تراجيديا الشعر، مفردتان تحيلان القارئ على ميدانين كبيرين، هما :الفلسفة " تراجيديا" والعمارة الفنية" الشعر"، الفلسفة حوارلا ينقطع، والشعر أحتمالية تأويلية لا تقف إحالاتها، فتصبح القصيدة مدخلا لهذا الآتي المجهول، ويصبح الشاعرعرابا لوقائع مبهمة، وهو ما نحاول الوصول إليه..   

وقد يكون العنوان" تراجيديا الشعر" حياديا يعايش فكرة صراعات المدينة المتخيلة دون حقائقها وواقعيتها وتاريخها اليومي،وعندئذ ستغطى القصائد بالعادي والثانوي، وتفقد مشروعها ومجساتها التي تكشف عن الأعماق المختبئة في التواريخ والأمكنة.. ونحن لا نمتلك مقومات نقدية مجربة للكشف العميق عن العلاقة بين التراجيديا/ الشعر، والمدينة الواقعية أو المتخيلة، دون أن تكون التراجيديا / الشعر،معا في مدينة حديثة.. فلا المدينة  ولا الشعر وحدهما ينتجان التراجيديا، بل تنتج التراجيديا عندما يكون الشعر بمصاف تشكلات المدينة،فكيف إذا كانت المدينة هي المدينة العربية؟، والشعر هو الشعر العربي المشبع بالغنائية والبعيد عن الدراما ومركبات الفكر؟ فمدينتا لا تمتلك أدوات الحداثة ولا تنتجها، بقدرما تكون أرضية مسطحة لاستعارتها من غيرها..ولذلك فأية مفردات مثل التراجيديا والشعروغيرهما، لا نعرف حقيقة من أين تجيء وتنشأ،سوى معلوماتنا الثقافية عنهما، لأننا لم نحسن  صناعة أرضية مدينية لهما،كما لم نحسن توظيف الاستعارة الأسطورية في المدينة الحديثة، كي نعرق معنى تناقض القديم مع الحديث..فما تزال الرؤية الأسطورية القديمة مهيمنة في المدينة العربية من خلال الدين والتقاليد والثقافة، ولذلك نحن ما نزال حتى ونحن في المدينة، نعيش زمن الأسطورة القديم وتفكيرها.. دون أي بعد فلسفي تفرضه حياة المدينة وتناقضاتها الاقتصادية والثقافية والمتغيرات الجذرية في نظم التعليم والعمارة والمواصلات والأسواق والتداخل الثقافي بين منتجات الأسواق وغيرها على القصيدة..وهكذا نبقى نراقب نتائج الصراع  فقط، وعندئذ لا تمنحها الحيادية في المدينة غير التعميم..سنجد  في قصائد الشاعر ياسين طه حافظ الكثير من الشعر الذي يقال ويعني بقوله مدينة، لكنها غير المدينة الشاحبة الفقيرة، التي تتعرى يوميا دون أن يكون لها رداء في الغد.. ومن هنا فالعنوان هو بحث عن تراجيديا من نوع آخر، وليست تلك التي قرأنا عنها وتعرفنا على مدلولها، تراجيديا قد تصنعها حياة مدينة ما تزال تعيش تحت، زمنها الاسطوري القديم ،معتقدة أنها قادرة على الدخول في حروب عصرية بعدة من كلمات قديمة، هذه التراجيديا ماساة من نوع آخر، الشاعر ياسين طه عثر على مفرداتها مبعثرة في الطرقات والأسواق وفي القرى والمزارات والمقابر والعشاق والشعراء الشباب، فادخلهم كلهم خيمة"الحرب" بعد أن مهد لهم "النشيد" السير في طرقات المدينة المتربة..

 وقد يكون العنوان حصاة بيد طفل يلقي بها في بحر القصائد، كي تكشف شيئا عن محار التجربة وأبعادها،حصاة ذاهبة باتجاه الشعر وبعد أن تغور في مياه التجربة تستفز كائنات الأعماق وتغير من أمكنتها فتزيح الأشياء واحدة عن أخرى بحثا عن تشكلات جديدة وعن مواضعة بين الاشياء جديدة أيضا، هذه الحصاة ستزيح بقدر حجمها سائلا من التجربة وتلقي به خارج السياق، فالشعر اختصار وتكثيف لملايين الصور النثرية الراكدة والتي بحاجة إلى من يخرجها من السياق السابق لتشكلاتها..أما التراجيديا فهي الطريقة التي يلقي بها الطفل حصاه،والطريقة هنا هي رؤية الناقد..وهذه الاحالة الثالثة للعنوان وحدها، تفتح بابا لتأويل تجربة كل مفرداتها واقعية ومعاشة ومألوفة، وكل صورها مدركة، مشبعة بالإحساس، حد أن الأشياء في قصائد الشاعر ياسين طه حافظ تلامس ألسنتا وأيدينا وأعيننا، بحيث لا يظهر جوهر التجربة فيها إلا متى ما اصطدمت بها وغيرت في أمكنتها، لابد إذن من حجر يوقظ سبات الشعرية..

 

2-2

إلا أن للعنوان، في جانب منه ،- وهو ما يعمق فكرة الحصاة- متعلقات أخر، بعض هذه المتعلقات يخص المرحلة التي مرّت على العراق في الأربعين سنة الأخيرة، والتي جعلت القصائد غير بريئة من التورط بما هو سياسي أو أيديولوجي، حين استجابت القصيدة ببنيتها ودلالاتها ومعانيها، إلى مثل هذه الضغوط، فطبعت الشعرية العراقية، حتى تلك القصائد الضد، بطابع ومناخ ايديولوجي معين.. فالحرب لا تُعَلّمْ بقصائدها فقط، بل بالقصائد الضد أيضاً، ومن هنا يكون عنوان المقال أقرب لتلك الصرخة المنطلقة في فضاء المدينة دون أن تعني أنها صرخة الموتى..كما أن المدينة، وأخص بالذكر منها بغداد، شهدت اضطرابات في بنيتها واقتصادها وسياستها ونظمها وخططها العمرانية والإيديولوجية بحيث أبقت على الكثير من قيم وحياة الريف فيها، وهو جانب مهم واساسي في تجربة شاعر يعتمد الرؤية والمعايشة اليومية لحركة الشارع في مدينته القديمة بعقوبة، وفي مدينته الحياتية المعاصرة بغداد،.. وكان من نتيجة هذه الاستجابة لاضطراب بنية المدينة، أن أصبحت القصيدة- مهما كان شكلها ومعناها- غير بريئة من هذه الحمحمة المربكة.. ياسين طه حافظ أحد الشعراء الرائين للمرحلة، الذين عايشوا منعطفاتها كلها دون أن يسلم من تمزيق ردائه....إذن كيف يتأتى لنا أن نكتشف قيمة الصخب في صمت الذات والقصيدة معاً ونحن في بلد، لكثرة ما تداخلت حروبه بعضها ببعض أملت على القصائد لغتها وأجواءها؟ وكيف يتأتى لنا أن نكتشف أن شعرية شاعر، نأى بقصيدته بعيدا عن السقوط في المباشرة السياسية؟وفي الوقت نفسه عالج موضوعات سياسية؟.. وكيف لنا أن نقيم تجربة تبدو من الخارج أنها ببناء عقلي صارم، وبتصميم هندسي داخلي منضبط، وبهيمنة الحكاية على متن القصيدة؟ونحن لا نعرف عن الشاعر غير ما يكتبه؟ ثم كيف لنا أن نميز تجربة شاعر عن سواه وهو يعايش هيمنة ثقافة الآخر، الثقافة الأجنبية، وهي الثقافة التي ضغطت على الشعر والرواية والنقد فأحتذى الكثير منا نتاجها المترجم، لسهولة اختراقها لمنظوماتنا المعرفية والثقافية والاجتماعية؟.وياسين يقول عن ترجماته أنه يترجم ما يراه ملائما لنفسه..

ضمن سياقين كبيرين : ضرورات المرحلة السياسية والأيديولوجية، وضرورات التأثر بثقافة الآخر، لم ينتج المثقفون العراقيون خطابا جديدا مميزا،إلاماندر، والنادرهذا يقع معظمه ضمن نطاق الشعر..ياسين طه حافظ أحد الأصوات الشعرية التي تعاملت بحيادية تجمع بين البساطة والتعقيد مع مفردات وصورهذه الخطاب المشتبك، فبنى شعريته على أرضية واقعية مشبعة بالمخيلة والمعلومة، مكونا صورة كبيرة ومباشرة يجمع فيها القرية بالبلدة بالمدينة، باحثا خلال هذه الخلطة عن تراجيديا بأثواب معاصرة وجد فيها إمكانية أن يؤلف نصا عن معاناة فقراء المدينة العراقية، وفقراءالمدن العراقية لهم خصوصيتهم السايكولوجية، فهم ليسو فلاحين أو من سكنة الريف ولكنهم ليسو أيضا من سكان المدينة، بل من سكنتها، لذا فالفقر وحياة البساطة التي يتشكلون بها هي جزء من سايكولوجية الوفرة والشحة،  وهما مفهومان اقتصاديان غير طبقيين،فهم في كل الأحوال ضحية الصراعات الاقتصادية ووجه بارز لثقافة الشارع، وصوت عال لميكرفون الوضع، الشاعر ياسين وجد في هذه الشريحة نموذجا لشخصية تراجيدية دون أن يكونوا ابطالا بالفعل كما هم عليه أبطال التراجيديا..

 

من يطرد الشر الذي يدخل في الخبزوفي

الكتاب والهواء والكلام والأجساد؟

تنتشر الخرافة،

تنزعهم من الحياة والزمان، تحرق الحاضر

في عيونهم،

قشاً وناراً صارت الحياة.

(ص 28 المجموعة الشعرية)

 

2-3

وقراءة متمعنة لتجربته الشعرية يجد عشرات الصور التي تتحدث عن الفقراء والمحاربين والمتروكين والمعزولين أولئك الذين افترشوا الشوارع وبيوت الطين، ملمحا عبر معاناتهم بسيدة تأتيهم لتنقذهم، هذه المثيولوجيا المشبع بها حالات فقراء المدن تمثل الخلاص السماوي في التراجيديا اليونانية، هنا لا آلهة ولا صراعات كبيرة، بل سياقات من امتهان البشر بطريقة الهيمنة والنهب،هذه السياقات اسست لهيمنة ثقافة الأموات على مقدرات الناس..الشاعر وهو يُنهض هؤلاء من سكونية الزمن يؤلف حال عراقية بامتياز فيجدها مرواحة ناضجة  بين أن يبقي الصورة الشعرية ضمن دلالاتها النقدية أي القصيدة التي تكتب عن حال ما ،أو أن يخلق أسطورة بمفردات البيئية المدينية المحدده،ولذلك تجد الاثنين معا.. قصائد محتوية على تعاليم وحكم، وتجربة، وفي الوقت نفسه تفتح نوافذ على مثيولوجيا الحياة اليومية.. مجنبا شعريته السقوط في المباشرة، أو الإتكاء على منجز قديم، كما فعل منتجو قصائد الحركة الأولى للحداثة الشعرية.

على المستوى الدلالي للعنوان اعتبرأن الصورة للتراجيديا صورة داخلية، ذاتية، وغنائية، وتتعلق بتجربة محددة بأطر مرحلة لم يقف عندها كثيرا.. ولذلك فتجربة كهذه تنسجم وطبيعة من ينآى بلغته الشعرية، عن التقليد أو الاحتذاء لأية تجربة سابقة كي لا تحسب نتائجها  امتدادا لحركة الحداثة الشعرية الأولى .. ولكن من يتأمل شعره، يجده يخفي من جهة أولى صخبا لمرحلة معقدة من تاريخ العراق،ويحمل من جهة ثانية نوى لتحديث قصيدة مغايرة لسياق قصيدة الحداثة الشعرية الأولى.. فنجد قصائده تحمل لغتين: لغة تتابع نبض الحياة اليومية التي تعتمل تحت سطح مظاهر المدينة العيانية، ولغة مباشرة وغنائية ببنية درامية مركبة تمتزج فيها رؤيته المثيولوجية بحركة الحياة اليومية..

من هنا اخترت عنوانا يجمع بين هذه المتعلقات وتلك، عنوانا يجمع الشعر والشاعر معا، وعنوانا لا يقف عند معنى القصيدة وحدها، ولا عند تجربة الشاعر وحدها أيضا، عنوانا يخلط بين أزمنة وثقافات، بين أمكنة وتجارب وانتقالات، بين صخب العمال وآلات البناء بين نشيد الحياة اليومية للناس،وصوت نداءات الشارع وهو يلتقط صورا لا تخطئها العين.. الشاعر ياسين طه حافظ متسول القصيدة اليوميةبحق، شاعر رأيت في كتابته طريقة جنبته الوقوع في أسر الحمحمة السياسية والايديولوجية، ومتجنبا  في الوقت نفسه الوقوف تحت أي ظل أو جدار. وقراءة متمعنة لتجربته الشعرية يجد عشرات الصور التي تتحدث عن الفقراء والمحاربين والمتروكين والمعزولين أولئك الذين افترشوا الشوارع وبيوت الطين، ملمحا عبر معاناتهم بسيدة تأتيهم لتنقذهم، هذه المثيولوجيا المشبع بها حالات فقراء المدن تمثل الخلاص السماوي في التراجيديا اليونانية، هنا لا آلهة ولا صراعات كبيرة، بل سياقات من امتهان البشر بطريقة الهيمنة والنهب،هذه السياقات اسست لهيمنة ثقافة الأموات على مقدرات الناس..الشاعر وهو يُنهض هؤلاء من سكونية الزمن يؤلف حال عراقية بامتياز فيجدها مرواحة ناضجة  بين أن يبقي الصورة الشعرية ضمن دلالاتها النقدية أي القصيدة التي تكتب عن حال ما ،أو أن يخلق أسطورة بمفردات البيئية المدينية المحدده،ولذلك تجد الاثنين معا.. قصائد محتوية على تعاليم وحكم، وتجربة، وفي الوقت نفسه تفتح نوافذ على مثيولوجيا الحياة اليومية.. مجنبا شعريته السقوط في المباشرة، أو الإتكاء على منجز قديم، كما فعل منتجو قصائد الحركة الأولى للحداثة الشعرية.

 

3

الاستهلال

 

3-1

قراءة أولى لاستهلالات قصائدة نجدها تزاوج بين الابتداء المقصود والابتداء الاعتباطي، وهذا يعني أن بعض القصائد تكتمل قبل بدايتها كقصيدة الحرب، فتأتي مشحونة بما سوف يحدث وتصبح جزءا من تخطيط أعم.

 

صافرة....،

واغلقوا الطرق.

وأقفلت مملكة الموتى:

الحرب أعلنت

ودق مسمار بقلبي،وسمعت قبة تنهار.

(ص 6 المجموعة الشعرية)

 

سنجد ثمة استهلالات فرعية لهذا الاستهلال الكبير تتقدم مقاطع القصيدة المفصلية ونظرة على صورة الاستهلال نجد كل مفردة فيه غامضة: صافرة إنذار،وطرق مغلقة،واعلان للحرب، وقبة تنهار، وثمة مسمار بقلب الإنسان العراقي.. هذا الاستهلال الذي يبدو أنه قد أقفل الدائرة على نفسه لاكتمال حكايته، هو في الحقيقة يفتح طرقا لرواية حكاية الحرب، وفيه جمع الشاعر القوى الغامضمة المبهمة التي ستحدث والقوى الفاعلة التي أطلقت صافرة الإنذار وأصدرت أمرا باغلاق الطرق،بينما إنسان المدينة الفقيرة سيكون ضحية القوى كلها..

 وبعض القصائد يلد استهلالها دفعة واحدة فتأتي بدايتها اعتباطية كومضة كي تدخله بضوئها للنص

 

تهدأ الأبدية فوق عرائش غافية

وتظل المسافات صامتة بانتظار

(ص 182 استهلال قصيدة إشراق)

لم نجد لهذا الاستهلال امتدادا في النص بل اكمل صورته وانغمر في النص..

 

 

وثمة استهلالات واقعية صورتها هي ما نراه جميعا والشعرية فيها منعدمة، مثل:

 

الصمت وحده الجدير في صفاء وجهها ونظرة التساؤل

(ص 222 استهلال قصيدة انكسار البهجة.)

 

لا شيء يوحي به هذا الاستهلال خارج عنوان القصيدة، لذا لا إيحاء فيه ولا بعد شعري لأنه يصف حال قائمة، في حين أن الاستهلال يشير إلى حال ستقع ويضمر في داخل بنيته نوى الن المبهمة..

 

3-2

ففي ديوان "عالم آخر" الذي احتوى على 47 قصيدة نجد أن 22 قصيدة منها تبتدئ بالأفعال والبقية تبتدئ أما بالاسماء أو بشبه الجملة،أو بضمائر أو اسماء إشارة، مما يعني أن بنية الفعل الغالبة تحيل جزءا من تصوره الشعري إلى ما مضى.. فالبداية الفعلية هي الغالبة،بينما البدايايات الأخرى هي الأكثر،وهذه الطريقة تميل إلى الثقافة العربية أكثر من ميلها إلى الثقافة الغربية، التي تفضل البداية الأسمية على الفعلية، أما سبب ذلك، فله تاريخ طويل من التعامل مع الأسماء في الغرب، وتاريخ طويل آخر للتعامل مع الأفعال في الشرق. والملاحظة المنهجية العامة التي عليه استهلالات قصائده هي المزج بين استهلال الافعال واستهلال الأسماء، وهو مؤشر على أن ثقافة الشاعر مزيج من الثقافة العربية والثقافة الغربية، ولكني أؤكد من جانب آخر أن استهلال الأفعال بالرغم من أنه أقل من نصف الاستهلالات، فهو مؤشر على اعتماده جذريا، وهذا يعني ما تزال الثقافة العربية مهيمنة علي تفكيره..

 أولى مفردات التعامل الشرقي مع الأفعال، هو عراقة وعمق الديانات والحضارات القديمة التي طبعت تاريخ المنطقة بافعالها الأسطورية والدينية، وأن كل التعاليم الدينيةلإصلاح البشر تأتي من الآلهة،والآلهة ليسو إلا أسماء بل أفعال وأساطير، أسماؤهم تتماهى مع أفعالها، فهي التي تصنع  القرار وتفرضه وهي التي تلغيه، في استهلالات قصائد ياسين طه نلمح شيئا من هذا:

 

قبَّتهُ

ترسمُ بين النخل قوسها

وتترك الخطابْ

معلقاً

روحاً غريبةً

غبشاً مهابْ

(قصيدة عبدان وزائره الغريب ص 212 المجموعة الشعرية)

 

أن معظم صوره عن بسطاء الناس وعمن يعرفهم وجل هؤلاء متخثرين بعباءة الدين والتقاليد، ما يحدث لهم في القصيدة هو أن عوامل ضاغطة تحاول تغيير ما هم عليه، فينشأ الصراع بين الأرث الأسطوري الشعبي الدفين في أعماقهم، وقوى التغيير التي تحاول استبدال تقاليدهم وحياتهم بما تفرضه هي عليهم..هذا الصراع الجدلي العميق يجري في المنطقة الرخوة،أي في المدينة المشبعة بقرويتها، وفي المهن اليدوية، وفي الفئات الوسطية..لذا فالافعال والأسماء الاستهلالية تقود إلى مثل هذا التعلق بالماضي حتى لو كان يتحدث عن الحاضر...

 وثاني المفردات،أن هيمنة الأفعال يعود إلى قدمها على اللغة وفنونها وتاريخها ومدوناتها في الشرق، وإنْ ظهرت بأشكال مختلفة، هذا يعني أن الفعل سابق على اللغة المعاصر،لم يحدث أن ظهرت الكلمة عندنا نتيجة تأثيرات الأسماء،بل ظهرت بتاثير الأفعال، لذلك لا يمكن للغة العربية مثلا أن تفتح قاموسها للجديد من الكلمات إلا ماندر، لأن اللغة عندنا أخذت دورا شاملا ،حتى طرق التفكير باللغة نجدها محكومة بما قيل سابقا، وما محاولة المجددين في هذه الحقول إلا العودة باللسانيات إلى ما قاله الأولون،بمعنى أن الفعل في اللغة هو المهيمن وما يلحق هذه الهيمنة يصب في تاكيدها سواء أكان على نطاق الحاكم الذي هو خليفة الله على الأرض وأنما ينطقه ما هو إلا وحي يوحى، أم على نطاق التعليم الذي يعلمنا الكلمة التي كانت بفعها القديم وليس الكلمة بفعلها المعاصر..

 وثالث مفردات هيمنة الأفعال على الثقافة الشرقية هو تنوع الثقافة وتفرعاتها وتعدد أمكنتها،واتساع مصادرها، واستيعابها للثقافات الأخرى، وكان سبب انتشارها هو الفتوحات القائمة على اتساع الجغرافية..بمعنى أن الأفعال تستوعب لغات  أخرى وتفرض لغتها،وان هذه الأفعال تؤكد مبادئ معينة،كي تفرض لغتها على لغات البلدان التي احتلت، ما تزال هذه القاعدة معمولا بها في العالم،هيمنة اللغة الاسبانية في امريكا اللاتينية، واللغة الانجليزية في المستعمرات البريطانية، واللغة الروسية في الجمهوريات الاشتراكية  السابقة،ومن قبل هيمنة اللغة العربية في بلدان الفتوحات الاسلامية..

 ورابع الثوابت للجملة الفعلية، إن طبيعة الفعل تميل إلى التغيير لكن أفعال لغة الشرق ومنها اللغة العربية على العكس من هذه القاعدة مالت إلى الثبات، لذلك نحن أمه محكومون بما فعل الأولون لا بما نفعل نحن..، بينما المفروض في الأسم الميل إلى الثبات،..أن الأسماء عندنا لا تتحرك بمعزل عن هيمنة النصوص/ الأفعال القديمة، الأسطورية منها والدينية، فنحن مازلنا متمسكين بما فعله الأولون.. أن تمسك الثقافة الغربية بالاسماء يعود إلى أن كل مفردات نهضتها بدأت بمصلحين ومفكرين،وتنويرين بشر، وليس بنظم وبناء دولة ودين،حتى الثورات المفصلية في تاريخ الغرب، كالثورة الفرنسية، بدأت بخطاب الأسماء، مثل الباستيل ومن ثم بخطاب القادة مثل نابليون وشيلر وغوته وبسمارك وماركس وغيرهم ،كما أن الثقافة الغربية المتجددة لا تديم حداثتها الأفعال التي تميل إلى الرسوخ والثبات، بل الاسماء التي تميل إلى التغييروالتحول..هذه ليست توصيفات قارة لاهمية الاسماء في بداية القصيدة وتفضيلها على الأفعال، ولكني أشير إلى بنية القصيدة التي تستهل بالفعل، أنها تضعنا من البداية في سلسلة تصورات قبلية، بينما بداية القصيدة بالاسماء تضعنا في سلسلة أخرى من البحث عن الأفعال المتحولة.. وثمة عامل جغرافي له تأثير كبير على ثبات الأفعال عندنا وهو البيئة المائية العذبة التي تطبع معظم بلدان الشرق، والتي تفعل في الأرض من زراعة وخصب ونماء وكلها أفعال محددة بآلية إنتاجية متخلفة، تنتج بالتالي طرقا إنتاجية متشابهة تبعث على الطمأنينة والرخاوة والكسل..على العكس من البيئة البحرية التي تحيط بالعالم الغربي، بيئة المياة المالحة القاتلة للنمو والخضرة فتطلب الأمر نهضة علمية قادتها حركة تنوير ومشروعات سياسية وخطط تنموية ارتبطت بحركات سياسية وأسماء ومؤسسات فغيرت من طبيعة الغرب وجعلت الفكر يتجه إلى مرونة الحركة والانفتاح على التجريب والدرس والفكر، أقول ربما نتج - حيث لا يمكن عزل أثر الجغرافيا وإن لم نكن نملك تصورات منهجية عن هذا- عن التأثير المباشر للمياة العذبة في صنع الرخاوة في التغيير..

في قراءة متمعنة لاستهلالات الشاعر في تجربته الشعرية نجده يزاوج بين الأثنين فيعكس بذلك ثقافة ورؤى مختلطة، فهو ابن بيئة زراعية بعقوبة-  ويسكن العاصمة- بغداد - ويرى عبر عينيه وذاكرته اختلاط الأمكنة والأسماء، فلا الفعل قادر على توصيف الحال واحتوائها ولا الأسم، لذا تلد البداية الاستهلالية مقصودة تارة واعتباطا تارة أخرى، ثم تستقيم بعد نهاية جملتها ،ولا يعود إليها ثانية، والأمثلة كثيرة، ، فالاستهلال عنده نافذة للنظر، وغالبا ما تكون النافذة واطئة، لا ترى إلا ما يحدث في محيطها القريب، أنها نافذة بموضع، خذ هذه الاستهلالات وتصوراتها المكانية: ،

 

أنا ما كنت أفعل لولا مهارة حفر السطور"ص 10

خلني أيها الشعر أجلس بعيدا بلا كلمات ص 14

هذه الشفرات التي تحرث العصر ص 17

أنت تحيا لتأكل بيضا وحزنا وتشبع رزا وموتا ص 19

أن يكون الصبح جميلا أمام هوايته ص 51

واراك ترتجفين أم أنا هكذا ص 126

(كل النماذج من ديوان"عالم آخرالصادر عام 2004)

 

لاحظ الأفعال:

- أفعل- حفر

- خلني- أجلس

- تحرث

- تأكل تشبع

- يكون

- ترتجفين

 

هذه هي أفعال الاستهلال المهيمنة على حركية القصائد، ونظرة أولى عليها لا نجد بينها من يحلق في أفق فلسفي أو فكري واسع ،كما ليس بينها ما هو غامض ومبهم، بل كل طماح الجملة الاستهلالية  هي أحداث وخزة لأبرة البداية للحث على الأستيقاظ،، على الرؤية الموضعية لما يحيط بها، ونجد الشاعر متمركزا في بؤرة الصورة،وغالبا ما يكون في بدايتها،" أنا ،خلني، أكون،أنت"  والصورة  المتكونة ملامسة للجسد أو للأرض، بمعنى أن بناءاستهلاله  حسي، موضعي..ونجد الأفعال المحركة في الجمل الاستهلالية السابقة كلها حسية وموضعية أيضا: " الحفر، الجلوس،الحراثة،الحياة ،يكون،الإرتجاف"ليس بين هذه الأفعال أي فعل جامد، لأن البداية بحاجة إلى فعل بضمير متكلم يُحَفزُها، لكن متن القصيدة سيغير من مجرى أفعال الاستهلال، ويضيف أفعلا جديدة،لا تنبثق من أفعال الاستهلال بل من المجرى العام للقصيدة،كي يذهب بعيدا للبحث عن صور كونية وأسطورية غائرة لأحداثه. فبديات ياسين طه هادئة،وذاتية، وتهيئ له مهمة الدخول،ثم تترك الأمر بعد ذلك لصورة مساعدة،لأنها ليست من تلك الأفعال الغامضة، المبهمة، والمتأملة،التي تتيح لك أن تفتح نوافذ عدة لتأويلها، أنها أفعال الكفاية، أفعال الصورة الموضعية، التي تمهد الدخول ثم تبقى حارسة على بوابات القصيدة..

 

4

خيال الواقع وخيال العقل

 

4-1

بدءا نفرق بين الشعر المبني ضمن خيال الواقع ،والشعر المبني  ضمن تصورات خيال العقل.فخيال الواقع هو نقل الصورة الواقعية شعرا،فتصبح القصيدة انعكاسا لتجربة الواقع،بينما خيال العقل هو نقل الصورة الواقعية تصورا،فتصبح الشعرية تأويلا.الشاعر ياسين طه حافظ يتعامل مع الواقع خيالا أول الأمر، لكنه ما أن يسطر مفرداته حتى يغير من معادلة كيمياء الصورة الواقعية، فتجده يذهب بعيدا إلى مخيالها العقلي، إلى تلك البنى المجهولة محاولة منه الكشف عن أبعادها المختفية..

 

في شارع الكفاح،قرب جامع الفضل،

انتبهت في المساء

رأيتها تعبرُ،

هذي امرأة غريبة

تخطف في الزمان فوقها غلالة سوداء

ووجهها عليه وشم زمن مضى

ومسحة من بابل القديمة. (ص 282 الأعمال الشعرية)

 لاحظ زمنية المقطع"في المساء،في الزمان"الظلمة قاسم مشترك، والتأويل أنهما في الماضي،أما المرأة فلا زمن حاضر لها ولا مكان،فهي "غريبة" أنها آتية كي تحدث حركة في سكون المدينة التي علم الشاعر عليها بـ "شارع الكفاح-جامع الفضل"وتحمل وشم الأزمنة"زمن مضى- بابل القديمة".بمثل هذه الخلطة الدرامية يتعامل الشاعر مع واقعه اليومي فيحيله إلى خيال عقلي..

هذه المقالة ستجيب عن مثل هذه التساؤلات، كي تحفز القارئ لقراءة شاعر مثل ياسين طه حافظ، يبدو من مظهره الخارجي وعلاقاته الاجتماعية أنه من أهدأ الناس، وأبعدهم الخوض في أبعاد المراحل السياسية، وأكثرهم طمأنينة لما يجري، لكن قراءة شعره توصلنا إلى غير ذلك تماما، فهو من أكثر الشعراء التقاطا لصخب التحولات الاجتماعية والنفسية والذاتية والمكانية للمجتمع ، بالرغم من أنه لم يصحب تجربته الشعرية ببيان أو توضيح أو انتمى لجماعة بهوية محددة، لأن أي بيان للشعرية، سيكون محكوما بزمن وبمكان معينين، في حين أن تجربته منفتحة على التقاط التحولات الاجتماعية والسياسية،تلك التي لا يمكنها أن تركن نتاجها لمرحلة دون أخرى.. ومن يتابع شعرية ياسين طه حافظ يجدها متنامية، منفتحة ومتجدده، ومغايرة لما هو عليه، فهو الآن أنضج بكثير مما كانت عليه قبل عقدين، مما يعني أنه اكتشف جدلية الحركة في الأوضاع الأجتماعية، فلم يركن قصيدته إلى نتائجها اليومية المعلنة، بل أبقى القصيدة تمور في أعماقها..يفتح عينيه على المشهد المكاني/ السياسي دون أن يكون مع أي طرف فيه، هو ذلك الذي تحسس نبض الشارع من خارج أي بيان أو منشور،وكشف عن حقيقة تغيراته دون أن يعلن ذلك خارج القصيدة، وهو ذاك الذي راقب تحولات القصيدة الحديثة  وهي بموضوعها الشعبي، متحولة من الغنائية إلى الدرامية...

تابعت هذا الشاعر منذ السبعينات، يوم كانت القصيدة الحديثة في انعطافة فنية، بين أن تبقى أسيرة كشوفات حركة الحداثة الأولى، أوأن تتمرد على سياقاتها بعد أن كشف الواقع بعد 73عام عن مساحات قول جديدة، فالمنطقة عاشت حروبا وتغييرات جذرية، ونهضت ثم انكفأت، واللغة الشعرية نفسها تحولت من منطقة الذات إلى المنطقة الاجتماعية، كل هذه التغييرات أفرزت تصورا لكيفية مغايرة للتعامل مع الواقع، تمثلت باستحداث مدنا متخيلة،أو مدنا شاهدة مثل الأندلس،مدنا لا تحتل، واسطورة شعبية لا تروى حكايتها، وامرأة رمزا باثواب عشتار وعائشة، كل هذه المفردات ما كانت موجودة زمن حركة الحداثة الشعرية الأولى، فكانت القصيدة السبعينية في تململ اسلوبي ، بين أن تبقى مزيج من ذاتية بثوب اجتماعي وايديولوجي، أو أن تتحرر من قيودها القديمة لتنطلق في حرية الشكل والدلالة..

 لم يسر ياسين طه حافظ وحده في هذا التيار، فبعد أن اختط تجربته دون أن يتعكز على تجربة أخرى أو شاعرآخر، فضل الصمت والانزواء على العلانية والجهر، ولكنه كان يتابع نبض القصيدة العالمية، خاصة تلك التي تغرق في المشكلات اليومية،ويتابع نبض الشارع الجديد،دون أن يسقط في وهجه المرحلي، كان ياسين طه حافظ يقف عند منعطفات التحولات الشعرية المتداخلة بالتحولات الاجتماعية، وكانت باكورة هذا الاحتدام قصيدته الطويلة " النشيد" التي عايشت فترة أوائل السبعينات يوم كانت بغداد ورشة عمل كبيرة، وتصنيع هائل، وحركة جماهيرية صاخبة، واصطفاف قوى سياسية، هذا النشيد  كان  لحداثة مدينة ناهضة دون أن يكون ثمة هتاف سياسي أو دعائي فيها، لكن الأحداث جرت بغير اتجاهها الذي اختطته قصيدة النشيد، فما ان أمتلأت خزائن العراق بالمال وما أن زاد عدد سكان العراق من 12 مليون إلى 22 مليون عام 1979 حتى تدفق السلاح وبدأت مرحلة الحروب، فـ "النشيد" جرى بغير ما أراد الشاعرله ، صيّروه هتافا للحرب بألية الحداثة والعمران، أنه بداية للتفكيرالدكتاتوري. فجاءت قصيدته الطويلة "الحرب"،بمثابة رد الاعتبار للنشيد، ها هو في قصيدة الحرب يستعير المرأة الرمز والفكرة، مطلقا عليها اسم"الحياة" - وغالبا ما يكرر اسم"الحياة" في قصائد عديدة- النقاء والبياض السماوي وهو يتجول في ساحات المعارك والبيوت علّه ينقذ الناس..

صافرة...،

وأغلقوا الطرق.

وأقفلت مملكة الموتى:

الحرب أعلنتْ

ودق مسمار بقلبي،وسمعت قبة تنهار.

(ص 6 الاعمال الشعرية)

 عندما يضع الشاعر الإنسان العراقي البسيط تحت عين القصيدة يجد فيه مساحة كبيرة من التسجيل المباشر لردود الأفعال التي تصنعها الحرب على الناس،فالحرب لا تجري في ساحات القتال فقط، بل في انعكاساتها على الناس، هذا ما يصوره الحافظ في تضاعيف هذه القصيدة الكبيرة التي فيها ابتدأ يؤسس لمنحاه الأسطوري للحياة الشعبية..

 

تلك بلاد أكل الجدرّيُ

أبناءها ...   

                    (ص18 الاعمال الشعرية )

 

أي نحن في بلاد لا أمل من شفائها، بلاد مريضةبحاجة إلى مصحات دولية لإنقاذ ابنائها.

 

في هذه المدينة

(....)

بذرة نار... 

                            (ص 64 الأعمال الشعرية)

النار هنا هي الحروب الداخلية الي أكلت ابناءها والخارجية التي أكلت ثروات العراق كلها.

 

تعطل الفعل،

وما عاد يلوح ملَكٌ، ولا

تفتح للآتين بابها السماء.

                               ( ص 60 الاعمال الشعرية)

في نهاية الصورة لا فعل على أرض هذه البلاد، ولا باب في السماء تفتح فقد يأس حتى الله من إصلاحه. فأي خيال لعقل الشاعر وهو يبني صورة من خيال الواقع اليومي ويصيرها تراجيديا الزمن المعاصر وبشخصيات شعبية؟..

وهناك مئات النماذج الشعرية التي تنبئ بتراجيديا جديدة ستنمو من أفعال مدينة مشوهة الاقتصاد والسياسة والجذر..

 

 

4-2                                         خلق التراجيديا الشعرية

بعد هذا الاطلالة التي لم تنج من التأويلات، نحاول تقصي المفردات السابقة  لشاعرلا يكتب عن أي من الأمكنة لمجرد أنه عاش فيها، بل يكتب عنها لأن أيا منها لا تكمّل وحدها الصورة الشعرية ، كما أن أيا منها لا تعمق الصورة الأسطورية التي يحاول بناؤها من مفردات معاصرة.. من هنا فهو شاعر تجنب عن وعي السقوط في قصيدة المرحلة، ليكتب القصيدة المغايرة، فلم نجد في فصيدته انزياحات لغوية كبيرة توحي بالترميز والتأويل، ولا تبسيطية مضللة كما توحي به واقعيته الواضحة، بل تعيش قصيدته في المنطقة التي تتوازن فيها الصورة للواقعة مع شعريتها. وهذه الميزة ربما نادرة في الشعرية العراقية، من أن الشاعر يمكنه أن يتجول في كل الأمكنة  والأزمنة بعدما يكتشف المشترك بينها،على العكس من شعراء كثيرين سكنوا المدينة فحولوها إلى سلطة تقمع نوستاليجيا الطفولة، وسكنوا القرية فجعلوا منها حاضنة لصورالدفئ الآفلة فضمنوا ألفتها حتى الأساطير، ومعظم قصائد حركة الحداثة الأولى نقع ضمن هذا الإطار.. في حين أن ياسين طه حافظ، وجد في تداخل الاثنين الصورة الشعرية التي يمكنها أن تكون حاملة لواقعة معينة، وفي الوقت نفسه ببنية اسطورية مقترحة، كما نقرأ ذلك في قصائد." قصيدة الحرب,قصيدة عبدان وزائره، قصيدة الغريب, قصيدةالبيت القديم,قصيدة النشيد...الخ" . وقراءة متمعنة لشعره نجده يردم الهوة بين الأمكنة المتباعدة زمنيا،لا ليلتقي بأفول القرية  ولا بجديد المدينة ،بل في المنطقة التي تختمر فيها الأمكنة في الزمن، فعبر تعامله مع تاريخانية هذه الأمكنة يحولها إلى أيقونات ومشاهد وحالات تتشكل بالدرجة نفسها في أمكنة أخرى من العالم، قد يبدو ذلك مفارقة مكانية، لكنه في حقيقة الأمر محاولة لخلق اسطورته من بقايا التواريخ والأمكنة..

 

موغلة في البساتين، أتابع تاريخه،

لا أرى في الأفق راقدةً

وهي ذي قبة الطين منحنية

وحدها في العراء

لا دليل إليها سوى

خرقة فوق غصن

وفتات سنين....  (ص )275

الصورة الوسطية هي بقايا متعلقات الماضي في الزمن الحاضر،الفعل"أرى" يجمع الصورتين..صورة قبة الطينوصورة الغصن الأخضر،في هذه المنطقة الوسطى تتشكل الاسطورة، وعلامتها "الخرقة وفتات السنين،الزمنية المكانية المتأرجحة في الفضاء..

 

4-3  

هل يبني الشاعر يوتيبيا معاصرة سكانها نماذج شعبية من عامة الناس وأمكنتها من بايا الحضارات وتواريخها معلمة باسماء ومزارات ومدن وسكانها شعراء وفقراء ونساء؟ فنقرا صورا عن : امرأة، بائع متجول، كهل، فكرة،قبر مجهول، قرية جندي اسير، ربيئة، زورق، وردة، جدة، جريح ،عشب، تينة، بعقوبة، أومواقف مشتركة بين الجميع: الحرب، العمران،الخرائب،المدن..الخ، ويشيد لهم أمكنة ويجعلهم يتحركون في مدينته الواقعية والخيالية، أنهم هنا في المشترك والمختلف، نماذج عايش بعضها وعرفها عن قرب، خاصة ما يتصل بحياته في بعقوبة وما بقي متعلق منها بذاكرته، ونماذج قرأ عنها، كـ "الكوميديا الإلهية والأساطير وشكسبير" ونماذج مبتكرة ومرئية في الشوارع.. كل النماذج أفلت بازمنتها دون أن يغيب " أناه" عنها فهو يجد" في الخرائب حلية ذهب" كما عنون أحدى دواوينه، مصحوبة بخيط من الحب في الظلمات كما قالت أحدى قصائده، وعندما تموت زهور التجربة والأزمنة تنمو في أمكنتها الأفكار، ايضا هذا ما حدده عنوان ديوان له،أملا في أن أسطورته ستكون " ضوءا يأتي في أخر الأزمنة" الضوء الذي يستل مفرداته من تجارب شعراء: رشدي العامل، ومن مدن قديمة كبابل ويعمدها بمباهج من طرق ضيقة ومدينة تظهر وتختفب، ينشد حاديها صوت المقام العراقي على لسان القبانجي.. هذه النماذج ليست من فئة واحدة، بعضها من طبقة العمال،يصنع منهم نشيد المدينة الناهضة، وبعضعها من الشعراء الشباب، فيجدهم مستعجلين الخطو، والبعض الآخر من أبناء قريته وقد دلت عليهم شواهد البرية المتربة...بينهم  طلابه، فيهم الرجال وفيهم النساء ،لا حاجة لأن تقرأ كتابا عن الصراعات الطبقية، ودورالرأسمال، وقضايا الإنتاج وفائض القيمة، إذهب إلى ساحة الطيران، وحول ساحة التحرير، وبالقرب من الجوامع والأسواق والمزارات،تجد الشاعر هناك يلتقط النماذج التي سيدخلها بيت قصيدته الأسطوري..

 

وأسأل هل تأخر حين عاد وغادر

الأصحاب؟ أم هل غاب في غبش الزمان

ولم يعد أثر يواصل سيره للباب؟

أم هل هي هكذا الطرقات تأخذنا إليها

ثم تسلمنا إلى وهم ويأخذنا الغياب؟ ...

                                                 (ص 29 عالم آخر)

 

هذا الدوران الزمني يقع بين الحضوروالغياب،إنه في مدينة المرايا،التي يتحدث عنها كالفينو،حيث "أبوابها" لا تفضي إلى "طرقات" والطرقات تسلمنا واحدة للأخرى،ولم يعد على الأرض أثرا،هل ثمة عائد فيها أو مغادر؟كل ما يحدث هو دوران في أزمنة وأمكنة مختلفة.بمثل هذه الرؤية المستمرة يحول مفردات الحياة اليومية إلى شكل أسطوري تكمن في اعماقه حكاية كبيرة لا تشير القصائد إلا إلى جزء من جبل جليدها الغائر في "غبش الزمان"..

يكتب ياسين طه حافظ عن انكسارات المجتمع العراقي: قصيدة الحرب الطويلة، وعن نهوضه :قصيدة " النشيد الطويلة" وعن الأمل في أن يخرج من الرماد ذهبا ديوان " في الخرائب حلية ذهب" يكتب الشاعر عن اللحظات المفصلية التي تؤرخ لحال سابقة انهارت وأخرى بدأت،يكتب عما حصل للعراق ، وما حل بالناس،وبالمجتمع، بالمدينة وبالقرية،أنه هنا وهناك، يتجول بذاكرته وبما يعيشه.

 

قضيت الصبح وحدي في الشوارع

صامتاً،أتفقّدُ الدنيا

أرى التلفَ الذي أردى وجوهَ

الناس،واللغة التي يتكسّبون بها

كما الإبرِ، السكاكين..

"كذا أنتم"

وباعدت الخطى عنهم.

              ( ص 225الاعمال الشعرية)

 

هذه الجولة لا يقوم بها شاعر، بل عراف متلبس برداء الملائكة وكأنه يتفقد شعبا هو مسؤول عنه، فتفقده الدنيا وللناس في الشوارع يعني الإنصات لصوتهم، للغة العمل،لاحتجاجاتهم.فلا يرى غير الخراب الذي اصاب الجميع بما فيهم نحن القراء" كذا انتم"..

 

4-4

    ولعله الشاعر العراقي الأكثر فهما لجدلية تداخل العمل اليدوي بالعمل الصناعي، الفقر بالغنى، التركيبة الطبقية الأحادية بالتركيبة الاجتماعية المعقدة، لا يفصل بين شيء وشيء آخر، لأن الشخصية عنده حصيلة هذه التركيبة. ولكنه لا يدمجهما أيضا، يبقى ثمة سور فاصل حتى في الغرفة الواحدة،في هذه المعالجات الحادة وباللغة الواضحة المشبعة بالدرامية ينآى الشاعر بقصيدته عن أن تكون يومية أو ذاتية، إنها صورة أخرى من بحثه عن المفردة التي تحمل جدل المراحل..هذه الإنسانية المتدفقة التي لا تعرف اتجاها حزبيا، ولا أيديولوجية سياسية معينة،جعلت من قصائده قريبة من الشعبية نغمة وسياقا، لكنها بعيدة عنها بتراكيبها وإحالاتها..مادة كل ذلك الناس العاديين الذين يخرجون يوميا للعمل ثم يعودون بلا وفاض..

 

كانوا نثارا من وجوه غرقت في الزمن الماضي

وعادوا للحياة،

كومة أشباح هنا ينتظرون منقذاً،

تجمعوا في بقعة(....)

وفوق أكتافهم وفوق الأكف خمدت،

أسلحة قديمة مثلمات،

معازق،مساح، طاسات رمل،فرش، فؤوس ،

كانهم كانوا رجال ملك ضاع.

                                                  (ص 97 عالم اخر)

 

    فقد تكون بعض موضوعاته متشابهة مكررة، مع شعراء آخرين، لكن التغيير فيها هو خصوصية زاوية الرؤيا، ولذلك احتوت دواوينه على تجربة متدرجة بسياقات متقاربة، تجربة تتدرج فيها الشعرية وهي تنتقل من القصيدة الذات إلى القصيدة الاجتماعية، ومن ضمائر الغائبة إلى الضمائر المتكلمة، ومن البعد الذاتي إلى البعد الأجتماعي، ومن المثيولوجيا العامة إلأى المثيولوجيا المعاصرة والذاتية،هل ثمة دوران في التجربة؟ في بداياتها كانت منفتحة على الحياة، ثم بدأت في الثمانيات تضيق وتختصرعلى الموضوعات الاجتماعية والبيئة وأشياء البيت، ثم انغلقت على نفسها عندما بدأت الحروب لتبحث عن المجهول والمحتمل، عن الآتي من الرماد والخرائب،منزوية في الدفاتر، تولول وتمتحن لغتها وصمتها ، ثم لما انفرجت عادت للظهور ثانية بطريقة المزاوجة بين التجارب كلها، مطعمة بنكهة انجليزية ساقته إليها عمله رئيسا لتحرير الثقافة الأجنبية ولترجمات عديدة.. دون أن تفقد الأنا بوصلتها في بحار التجربة المتداخلة.

 

يحفر الزارعُ...،

لا يعرفُ هذا الزمن الميت،

هذا الجوهر التالف

هذي الجثة المستنفده

يقلبُ الأزمنة الرثَّة في مسحاته

ويشق الفجوات الموصدة

وأنا أجثو كدرويش، أرى

كتلة من جسد الأرض عليها

معطف من أشنات:

                                  (ص 5 ديوان عالم آخر)

 

هذا الاستهلال لقصيدة " ملء كفين من الأرض" ، يلخص شاعرية ياسين طه حافظ في خلق  الأرض الأسطورية،التي تلخصها تجربة زارع،وزمن ميت، ومسحاة تحفر في جثة الأرض المستنفذه ليقلب الأزمنة الرثة فيها، ويشق الفجوات عله يفتح نافذة للماء، الشاعر الدرويش، الحفار، يقلب أزمنة الأرض ويولد فيها الحياة، نراه وهو يعايش كل هذه التقلبات لجسد الأرض لايجد غير معطف باشنات خضر تنو فوق تراب الحفر، إنها الحياةممثلة بأشنات التاريخ والأزمنة القادمة،معطف الاشنات جدل الأرض المهملة التي تحفر الآن، فهل ما بعد هذه الصورة من لغة غير أن يكون الشاعر في بيت الأسطورة العراقية الجديدة" الجوهر التالف"  الذي يحاول أن يبعثه في أرض الرافدين من جديد.

 

كل دهر ترتدي زيّاً، ونحنُ

حطب ينتظر النيران- هذي عجلة

دورة تشبه أخرى

حلم محترق في آخر الدرب

وأوراق الخريف.

تتلوى (.......) - .

كل الصيف يمضي

دورة تشبه أخرى  ...

 

هذه الفكرة الدائرية فكرة اسطورية، فيها كما الزارع يقلب كل سنة الأرض ويحفر عن المعنى الكامن فيها، وهو يفعل يترك بقايا الخريق والأوراق الذابة في آخر الدرب بينما العجلة تقدم لتصنع دورة اخرى، أليس هذا البعد بعدا أسطوريا يجعل من الإنسان محورا للتغيير المستمر..

قد تكون ملاحظة متأخرة على دارسي تجربة الحداثة في حركتها الشعرية الأولى، أن معظم مفرداتها كانت تؤكد فاعلية التضحية والاسطورة والموت والأفول  ورفض الحروب،والبيئة المحليةورفض المدينة ومحنة المناضل والسجين وقيمة المرأة كقيم للحداثة، في حين أن تجربة قصائد الحركة الثانية للحداثة الشعرية وهي شعر مرحلة الستينات وما بعدها تؤكد على الخصب والنماء وعلى الثورة وعلى أعادة التكوين للمجتمعات وعلى مشكلات الإنسان المعاصر وعلى جدل الحياة اليومية، وعلى غياب الأيديولوجيا الشمولية، وعلى الفكر التويري،وعلى الثقافة التقدمية الإنسانية، وعلى التداخل الأسلوبي بين الفنون، وعلى نثرية الصورة الشعرية وعلى نثرية المعاني، فشملت الإنسان وكل الكائنات الحية، وعلى اغتناء الصورة الشعرية بالمحتمل...الخ، ولدى ياسين طه حافظ الكثير من هذه المفردات..

               

4-5

    لا تقف تجربة الشاعر الغنية عند عتبة موضوع خلق اسطورته الشعبية وبادوات فنية معاصرة وباسلوبية متقطعة ليس فيها بطل محوري ولا قضية إلهية بشرية ولا صراعات ولا حوارات كبيرة، فمثل هذه المفردات كانت جزءا من بنية الأسطورة القديمة، في حين أن الأسطورة الحديثة تتم على غير ذلك، يكفي أن تخلق مناخا شعبيا عاما مأساويا وتطرح فيه قضايا مصيرية كالحرب والسلام، ويتكلم فيها أكثر من بطل شعبي وعلى مدى نصف قرن من استمرارية الوضع المأساوي، وأن يكون خطابك شعريا متقطعا يصور حالات لا تقف عند صورة ولا تخص فردا ولا حتى مجموعة صغيرة، ويكفي أن لا جمهورا معينا يحضر العرض المسرحي بل آلاف القراء والمشاركين يضيفون وينقصون من الحكاية أ، ويكفي أن ترى بلدا كاملا بأمكنته وأنهاره وجباله ومدنه يقع تحت هيمنة قوى الصراع، ويكفي أن يتعدد الرواة ويتسع ثوب الحكاية وتتنوع أساليب السرد وتتغير مفاهيم العرض ويوجد من يدرس الظاهرة ومن ينقدها ومن يحتذي قافيتها ومن يقف ضدها، ومن يراقب النتائج، وأن تكون ثمة حكاية شعبية يمكنك أن تضيف إليها الآلهة بعدما كانت الحكاية القديمة تضيف إليها الإنسان.. اليوم تتغير موازين الخطاب البشري، وتتنوع صياغاته،وتتعدد أسليبه، وتدخل المثيولوجيا باثواب معاصرة حياتنا اليومية وتتحول لغة الكلام من الاستجابة إلى الفعل، نحن نعيد صياغة الأسطورة القديمة حياتيا بصيغ معاصرة فالأسطورة كمفهوم عن الصراع لم تغب عن الحياة الحديتة ولكن أدواتها التعبيرية قد تغيرت.\.فالصراعات القديمة ما تزال قائمة في مشكلاتنا اليومية منذ  صراع العبد والسيد بالرغم من أن العبد أصبح سيدا باشكال مختلفة، والسيد أصبح عبدا نتيجة التغييرات الكبرى في العالم،، والغريب أن مفهوم العبد لم يبق مفهوما قارا،لا طبقيا ولا ماديا، وأن مفهوم السيد لم يبق ثابتا هوالآخرن ثمة حركة عميقة غيرت اسس القواعد القديمة لكن الفكرة الجوهرية للصراع ثابتة، من هنا يمكن أن عاملا بسيطا سيدا في عرض مسرحي ساخر ويمكن أن اقطاعيا رئيساللولايات المتحدة كما يمكن لرجل دين أمي أن يكون رئيسا للبرلمان فحياتنا المعاصرة مفتوحة على الاحتمالات وما الاسطورة القديمة إلا نص منفح على العصور بالرغم من أنها تحكي عن شعب ضمن مرحلة.. هذه الدراما المعاصرة غنية الدلالة، واسعة النشيد، قوية الحجة، بامكنها أن تخلق أساطيرها مع كل مرحلة  تحول كبرى ومع كل بلد يتغير..

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

*

 

فوزي كريم :  المصالحة الخاسرة مع الحياة

ياسين النصير:  تراجيديا الشعر

عباس الغالبي : الصورة في شعر ياسين طه حافظ

 د.بشرى البستاني: شعرية السرد بالكاميرا 

 

*

 

ياسين طه حافظ : هل أنتَ ياسين بن طه؟

ياسين طه حافظ : ثلاثة شعراء

ياسين طه حافظ : سيدة النار والليل

ياسين طه حافظ : من "انثلوجيا الأسماء والأمكنة"

 

*

 

محمود النمر : حوار مع  الشاعر ياسين طه حافظ

عبر الانترنيت مع ياسين طه حافظ

 

*

اغلفة كتب الشاعر

 

 

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009