العدد 14 لسنة 2009

 

القصر

 

طالب عبد العزيز

 

( ... والتقى السَروجي بمسجده، وموضع تعبّده، زاهداً ... ووجده متعبداً، يصلي بين مريديه وأتباعه، حتى أكمل الخمس، وصارَ اليومُ أمس ... )

إختفى أبو زيد السروجيُّ في المقامة الخمسين، ولم نسمع عنه، لعلّه غادر البصرة عبر محيطها المائي، أو انه لم يغادرها، واكتفى بأن زرع نخلة أخيرة عند مدخل النهر المسمّى باسمه الآن، والمحرّف قليلاً ـ السرّاجي ـ وهناك أذنت له التواريخ، ليصبح واحداً من رواة البصرة، مشتملاً على أرضها ومائها ونخلها . نعيد، نحن، الرواة المتأخرين سرد حكاية تجواله في الأمصار، وتقلّبه في الألواح، ربما نزيدُ سطراً، وقد نكتفي مثله بحكاية أخيرة، تحت نخلة على شط المدينة . سَروج أبي زيد .

على مدخل النهر ـ السرّاجي ـ أواخرَ القرن التاسع عشر، أمر ثريٌّ يدعى ( يوسف باشا أحمد القرطاس ) ببناء قصر لقرينتهِ، من إرثها الآيل لها من والدها يوسف بن قاسم باشا الزهير، لم يكن في البصرة على عظمها آنذاك مثله، وظلّ القصر هذا شاهداً، يروي لنا، نحن النائمين على وسادة المدينة الخضراء، ما لم تُكْمِل روايته شهرزاد في لياليها الألف، ولّما تمكنّا من تأمّل مشاهده، زاد الأهلُ على الحكاية سطراً، ورقةً، كتاباً، فصارت أحلامنا أكبر من غرفاته المائة، أعلى من شرفاته، التي تطلُّ على الشطّ دائماً .

هكذا كنتُ أحمل كتاب سيدي الجاحظ، ألف ليلة وليلة، شناشيل ابنة الجلبي، وأترك جسدي الطفل مستريحاً تحت إحدى نخيلات القصر، وقد هجره أهلُه أواخر القرن الماضي، ولم يبق من الفلاحين الفقراء غيرُ أشباحهم، تخطُفُ غصناً يابساً، أو تشتل ظلاًّ، هنا أو خيالاً هناك، لتنفي عن المكان تهمة الوحشة والغربة التي خلّفها رحيل النبلاء الأغوات، وفيم كان الناس يمتدحون عيد النوروز بقناني خمر محليّ وأوراق خس وقشور وفستق وحلوى وبريقال، كنت أمتدح العيد بقصيدة لم أكملها ذاك المساء، ولمّا كانت الشمس تذبل على القصر وحدائقه وأسديه المصبوبين على مسنّاته منذ نهاية القرن ذاك . أخذتُ خطوي للبيت، حيث لا يشغلني من أمر اليوم غيرُ اكمال القصيدة ... وفي الهزيع الأخير من الليلة تلك أنهيتها، ثم سميتها ـ القصر ـ وقد قلت في بعض أبياتها :

كلّ يوم نحشّد أعناقنا

ونسير بها فاتحين ...

حملتُها في الغد للبريد، وقصدتُ بها مجلة الأقلام، التي كان يرأس تحريرها الشاعر علي العلاق، فيما يعمل الناقد حاتم الصكر مديراً للتحرير، حيث كان يحاول أن يوجهها لصالح الثقافة الحديثة، لكنه لم يفلح في مقصده بسبب عنت موجهات الثقافة آنذاك، انتظرتُ سنة ً، وذات يوم مررت ببغداد متعجّلاً كأبي زيد، صاحبي، وسألت الدكتور الصكر - ولم تكن لي به معرفة من قبل - عن القصيدة، وقد لاحظت انه سُرَّ بمعرفتي، فذكر القصيدة مهتماً بها، معجباً، وكذلك نقل لي إعجاب الشاعر الفلسطيني خيري منصور، غير انه أبدى أسفه لعدم تمكّنه من نشرها، وأشار عليّ فيما إذا استبدلتُ: نحشّدُ أعناقنا بـ ( نحّشد أحلامنا ) لأن رئيس التحرير يخشى من تأويل الآخرين لهذا البيت، الأمر الذي قد يوقعه في مأزق، هو في غنى عنه .

كان نشر القصيدة في مجلة الأقلام يعني لي الكثير آنذاك، ومدعاة سرور أحلم بها، غير أني أردت نشر القصيدة كما هي، غير منزوعة القصد، باهتة . وانتهى الحلم، مرت سنوات والقصيدة مهملة في أدراج مكتبتي . 

وفي غفلة من يد الشعر والحلم والغبطة، امتدت يدُ الحكومة إلى قصر آغا جعفر لتحوّله إلى حانة، وملهى ليلي، صار صاخباً بالضباط السكارى، القادمين من جبهة الحرب مع إيران، وبمخموري الوعي، المهزومين   من ذواتهم، صاروا يبولون على عشبه، ويقتلعون زهوره وآسه وخطى الأمراء الأغوات التي شرّفته ذات يوم، وحين دخلت الحرب العشار من جهة البراضعية، استباح الجند ماظل من غرفاته وشرفاته وفيافيه، ولما وصلت الشط صارت ممراته مزاغل وسواتر وخنادق يطلقون منها الرصاص على الزوارق والجنائب التي يسرّحها البصريون في المساءات، تجاه البحر، لتأتي في الفجر بالسمك والثمر والأترجّ والقثاء.

ولمّا لم يكتفِ الدكتاتور بذلك، أمر خاصة جنوده باحتلال القصر، وطرد الزهور والشعراء والفراشات والصباحات من أركانه كلها، ثم طرد جنده ليستولي بمفرده عليه، وحين ملأه بالإسمنت والحديد والصوّان، وصارت الحدائق التي أنبتها فلاحو قاسم باشا الزهير ومن ثم آغا جعفر مطارات لطائراته الخاصة، فظل يهبط فيها كلما طالت الحرب، وامتدحه الشعراء، وحين وجد ذلك غير كاف لجبروته انتزع إسمه، فسمّاه قصر صدام، وراح العامة والخاصة ينسون شيئاً فشيئاً الاسم الأول للقصر ... ها، يا أبا زيد السروجي ماذا تكتب بعد ؟ 

 

ذات يوم، وقبل اكثر من سنوات خمس، وحدي، أخذتُ الطريق الترابي، طريق الطفولة القديم ماشيا للقصر، حيث كنت أسلكهُ صبيّاً، وقد تمكّن الجنود البريطانيون من طرد الشرطة البعثية التي تحيط به، بعدما دخلت دباباتهم من البوابتين اللتين لم يشاهدهما أحدٌ منذ أن استبدلَ صدامُ القصرَ بقصر صدام، كانت الطريق صعبة على مثلي، فقد كنت استدل عليها بالكاد، لاختفاء المعالم التي كانت تحفل  الذاكرة ذات يوم، فلا نخل اعرفه، ولا قصبة  في خص أميل بوجهي عنها، ولا احد من بيت الشيتي، لا طفل من بيت فاضل مبارك، لم يبق أحد من هؤلاء يقول لي: لا عمي الدرب مو منا ... لقد هدَّ الجنود العربُ والبريطانيون الحيطان القديمة كلها..

أردت أن أدخل القصر من بوابة مثلومة، سور منحطم، فتحة احدثتها قذيفة، لكني لم أفلح، كان الجند أكثر من أن تهزمهم قصيدة وأعتى من عنق محشّدة ...         

ظلّت السماء تمطر ذاك اليوم، تبلّل العشب، الممرات الضيّقة، الأجاص في الحديقة الغائبة ... استسلمتُ لقطرات البلور التي تسقط على القصر (المعسكر)، وانكسر غصن ذلك المساء على دكّة المسنّاة القديمة، حيث تأسر الأسودُ، المعدن لبَّ المستعمر وجنوده، الذين لا يحفلون بالقصيدة بكل تأكيد.

 

 

 

الغلاف

افتتاحية

*

محمـد طالب : الظمــأ

شيركو بيكه س : 12  قصيــدة

طالب عبد العزيز : القصـــر

نصير فليّح : 4 قصائــد

معتز رشدي : أغنيــة صغيرة

 ياسين طه حافظ : 5 قصائـــد

فوزي كــريم : ثلاث قصائــد

*

سركون بولص : بغداد مركز أحلامي

ستيفن دوبينس : ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

فوزي كريم : الشعر العراقي: بانوراما

ناظم عودة : السيّاب الخيال المأساوي

*

 محمد خضير : شاعر باصــورا

حسن ناظم : انطباعات عن أيام خلت

عبد الكريم كاصد : قراءة في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

 طالب عبد العزيز : القصر

محمود النمر : الدرويش والمتاهة

زهير الجزائري : طفولة الحداثة الشعرية

*

حاضر الموقف النقدي : من المتنبي

حاضر الموقف النقدي : في قصيدة النثر

حاضر الموقف النقدي : في النص المفتوح

حاضر الموقف النقدي : في الفن التشكيلي

*

كريستوفر مدلتون: بعد الثمانين

معرض تشكيلي لشاعر الصمت

مقابلات مع شيموس هيني

القوى الغنائية

معرض رياض نعمة

مقالات نقدية في الشعر المعاصر

نعومي شهاب : شاعرة الحياة اليومية

ويندهام لويس : الرسام أم الكاتب؟

*

الشعر السويدي اليوم قصائــد مختارة: ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

الشعر السويدي: ترجمة ابراهيم عبد الملك

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009