العدد 14 لسنة 2009

 

الشعر السويدي اليوم
 

قصائــد مختارة

 

ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

 

برونو ك. أويَّر

 

 Bruno K. Öijer  (مواليد 1951)                                            

 I

*

في باطن مشط قديم بياضه كالعظام

تكمن ذرّات شرر كهربائي متبقّية من شخوص

مشطوا شعرهم عند النافذة

وحبسوا أنفسهم في الداخل

ابتكروا مفتاحاً للظلام الكبير الذي نستحق

 

*

 

آثار يديك قرب الباب

على ورق الجدران الباهت الزُّرقة

كما لو انك اتكأت

وأردت أن تلفظي عنكِ جسدك وبقايا جوهرك

 

*

 

لماذا أراها جليّة، عطرَ بنفسج

يقودني إلى  مكان السرير

هناك برأس مطأطئٍ فوق الجسد

تقبض بأسنانها على قلبها

دون ندم

  

*

بعد منتصف الليل

تعبث بحقائبي المرأة الشاحبة الخجول

ذات الرئتين السوداوين

تجلس ساكنة وتَرقُبني

ماذا تريد ثانية؟

لم أُخِلَّ بعقدنا

ألَستُ أحمل نسخاً من صوتها

حيث تقول بوضوح

إن هناك ظلالاً مُزَيَّفة

وإن الظلال الحقيقية فحسب لها أن تعتني بالجسد الميت
 

II

 

*

 

في النهاية يأتون إليك

ويكشفون لك أنهم

كانوا دوماً ينادون اسمك كي يغووه

عبر شق في صدرك

ويريقوا منك الحياة

يجردونك من كل معنى

 

*

 

أشبه رجلاً

يجوب ليلاً دون وجهة في المدينة

يملؤه بكاءٌ عدائي

حين يفكر كيف أن الذين يحبهم يهرمون بسرعة

يتفسخون كما لو أنهم يعاشرون أفكاراً دنيا

تخلوا عن رؤياهم والإرادة

خسروا اللعبة ضد سلطة غريبة

منَحَتْهُمْ كلَّ الفرص 

 

*

 

ترفرف القمصان في الريح

تحت حبل الغسيل

تمد أذرُعَها وراء امرئ

أُجبِرَ على العمل تكسباً

و اخترع حالةً مَرَضِيَّةً 

عنفاً لا حدود له

 

 III

 

*

 

الصبيّة البعيدة

تتشبث بمجال الرؤيا

تعتصره بقوة بين الأصابع

إلى شعاع غريب

 

*

 

المناطق التي في ضبابٍ واطئ متدحرج

وأشياء مبعثرة نما العشب عليها

حيث ألقت البيوت غُرَفَها

جاهدةً باستماتة أن تنجو

من عدوٍ خفيٍّ

 

*

أرى شجرة باسقة

والرجال الذين يقتلونها

أراهم يجتمعون كقطيع

حول الجذع الساقط

ويقتحمون الأغصان والأوراق

أرى أجسادهم نصف العارية الهائجة قبل الغروب

تطوف وتركل

حفيفاً طرياً ورفاةً أخضر

من وجوه نساء بيضوية الهيئات

 

*

تنوحين علانية

عند طاولة نصبتِها داخِلَك

المنظر أمامنا

ليس أكثر من ستار خيمة مهترئ

يخفق إلى  الداخل والخارج

مع أشياءَ رسمت عليه:

بحيراتٍ وحقول أثقلها المطر

وغيمة برتقالية قُشِطَتْ

أعرف ما ينبغي

يجِبُ أن أخبئ كل ما يزعج

حتى لا يعود هناك سوى ما يدلُّ على أنّك

بدأتِ الرحيل

وأنك تفعلين الصواب برحيلك

 

 

إيفا رونفلت

                                      

Eva Runefelt  (مواليد 1953)                                    

 

 

أتذكّر حزيران

 

أيّلٌ وحيد القرن[1]

في كهف اللحظة الأبيض

لا ليل، الملح بين

الأصابع، نحن غالباً موتى

وخارج الذكرى

 

حديقة خلفية بالية، أمضي إليها

على امتداد اللمسات فوق الظهر،

حيث تَكمُنُ اللحظة

التي تنتظر بورتريتها الذاتي،

عيني الزرقاء قرب عينك الخضراء

أنت تَذكُرُني

حيث اشتعلت

ظلاً رماديّاً كطفل

لَرحمةٌ أنْ في القادم من البعيد

كنت مُراحةً

والآن أُقادُ

إلى لحظة

لا ليل فيها


 

إيزيس

 

                                أراكِ

مأسورة في لحظات تناثرت، محفوظة

تُحمَلين، تضلّين

طالعةً من مخابئ الذاكرة والجلد، كنت قريبة

وكان القربُ زادي

قريبة جداً

 

اليد التي أمامي

التي تدل على طريق العودة

الى البعيد

أَ كنا هناك في الحاضر ذاته

 

في جزء معين

من الزمن حبيسَتين

 

كل اللحظات، رفات

كل اللحظات

 

صِرْنَ الآن قفراً

مُطارِدات

تمكث فيها الحيوانات التي تهرب

مُخَلِّفَةً أجسادها الثقيلة

 

تنحني الفيمابعد الفاترة

تلتقط،

بمنقار صغير

قطعة فقطعة

تحيلها مُلْكاً لها

رأسكِ، ظهركِ، مُقَطَّعةٌ إرْباً إرباً

مرات لا تحصى

خطوات من قدمك

منهمكةً

أُسْلَبُ دفءَ الورك

 

أريد أن ألتحم،

يقول فم وكف

ألتحم بإيزيس

هل أنا جزء؟ هل أنت جزء؟ 

جزء من إيزيس

 

أهكذا أرى المتناثر

صوب البعيد

                        أرى

في أوراق الأشجار

يسري صوت التعفن

 

أقودك

إلى الأمام

ومرة أخرى

من خلالي

أسلكك عبر

أيام ميتة

 

إيزيس

تبحث كحيوان

عن جسد

تدب كَصَدْع

 

                        أسمعُ

كيف تتناثر الساعاتُ 

وتقلب كل الإسترخاء الى أسفلَ

كواحل صفراء، أرساغ

 

جابت عبر الأيام

وكانت الجوّابةَ

عبر أوراق الأشجار

التي كانت هروباً

مما كان

 

هل كنتُ ذاتي أنا؟

 

كيف يُفهَمُ

من يجرؤ؟

 

هناك

تتدفق الذاكرة التي تعود

قطعة فقطعة، أنت

تعود، أنا

مرة أخرى

 

أجد ندبتك تحت شجرة

خريطة خاطفة

كي تلتقمها

 

هل أنا من يبحث؟

هل أنا من سيُعثَرُ عليه؟

 

أجساد في الليل مخبَّأة

يمكنني السير طويلاً

يمكنني جزافاً أن أقتنص بالسماع

عابراً مذعوراً

 

                        أرانا

المكان ذاته

لكن ليس في حاضر يجمعنا

ظل المحور يدور

 

لنقف عنده الآن

لنقف في زمن آخر

 

 

إيفا ستروم

Eva Ström (مواليد 1974)

  

أنا جنينٌ متفحم

 

بفستاني الأسود أنا جنينٌ متفحِّم،

جسدي صغير وصلد، إنه صَوّان،

لم أولَد أنا، بل نُحِتُّ من حياةِ أمي،

نُحِتُّ صخرةً هائلة،

مكسوة بالغابات، غابات ببحيرات:

السويد ـ قلنسوة إنتصاري

 

أنا جنين متفحم، كل ما قالوه حفر فيّ

دماغي آلاف الأحجار الرونيّة

ذراعاي تغطيهما نقوشٌ حجرية،

نقوش حجرية لا أستطيع الخلاص منها أبدا

كل ما علموني حُفِر فيّ

حفروا القوارب على زنديّ

وعند صدري حفروا صور الحيوانات هذه

 

حقول الحبوب، حفروا حقول الحبوب عند وركي،

بلى حفروها فيّ

طحنوها، وخطّوها بالطباشير،

لذا هي باقية فيّ، لذا هي باقية في الجنين المتفحم،

تتفتَّتُ بتَفَتُّتي، تتفتت بتفتتي إلى تراب.

 

 

الممر الجبلي

 

هذا الممر الجبلي في الطريق إلى نقطة الحدود، هذا الطريق الذي فقد ذاته... إعتاد المرء الحديث عنه بترحابٍ دائماً بمنتهى السكينة، نادراً بإكراه. قالوا إن اللغة سَتُتَرْجَمُ هناك، أقسى ما تتعرض له اللغة، محالٌ دون عنف. أقسى الأشياء على اللغة: أن تتخلى عن معناها؛ المعنى الذي تتشبث به الكلمات. أيّاً كان! لم يكن هناك من قصد سوى أن الكلمات ستحشر ذاتها عابرة، كلمةً إثرَ أخرى، وحيداتٍ تماماً عبر الممر الضيق. كيف ستتلاشى اللغة، وبأي أشكال تبعث ثانية؟ هل يمكن لتلك البقايا أن يهوِّم بعضُها خلفَ بعضٍ، تعيد شبكَ أيدي بعضها في أيادي بعضها، وتكوين شيءٍ ما يشبه معنى؟

 

 

كاترينا فروستينسون

 

Kartarina Frostenson  (مواليد 1953)

 

 

زهر الكُمَّثرى

 

ما الذي يشبه النوم. النوم، ذلك الآخر

ليس الضجر، ليس إنعدام الرغبة في الرؤية

ذلك الذي من أوراق أشجار وكُمَّثرى مُتَفَطِّرة، النحل

السُّكْر بالمذاق الحلو

بالملوحة، ذلك الذي تلتقي عنده كل المياه -

وادٍ، إخدود نهر

منذ البعيد يشُقُّ مُنخَفَضا.

على التلال أشجار كمَّثرى معمّرة.

أرض

عادت إليها حياة الأصوات

الصدى والنداء، الموجة الكبيرة تأتي

تُخَدِّرُكَ أولاً، بعدها تعيدُك.

حيث يطلع رجل يرتدي جلداً أسود

وعلى كتفيه زهر كمثرى

واقفاً خلف حياتي

يغمض عينَيَّ بيديه

هذا هو الحنان بعينه

يَخِزُ عظمَ وجنتي بأصابعه

نقيّةٌ هي القساوة

يدمدمُ الظلام في عظامه.

يصنع عسلاً في حياته

يسحبه من المنحدرات الى الأسفل، كُتَلاً

ويُعِدُّ للمنام، يكسو- هذا النوم

ليس بطويل

أشبه بالإنهيار

سقطة صوب وادٍ اللغةُ فيه رملٌ مجهول،

ثلجٌ مجهول، "غروزني" مجهولة

حذاء جِلديّ في أرض جامدة

إنه الشفاه الطالعة من المِهاد.

في اللغة الغريبة يحسُّ المرء

نطاقَ ما ينهض

مشطاً أحمر

مطراً من شرر يهطل. بريقه

بحذاءٍ أسود، وبوزٍ لامع

وأرضٍ جليديةٍ يهطل عليها

زهر كمثرى من وادٍ آخر

 

 

 

رسالة

 

عَبَر أرَقُك إلى دمي

فابيَضَّت الليالي

الربيع لم يأتِ بغفوةٍ، هنا

في الجانب الآخر من الخليج،

السهر أكثر عرياً من سواه

الدوائر المطلية حول أقدام البتولا

لجاجةُ الأفكار تخرج

في رحابة إمتداد الشارع: أكتب اليك

من مدينة الخطوط

الهَوَسُ ساهر، خطوط، خطوط

أسماء السيَّاراتُ هنا RUS [1]    موزٌ

أصفر مصفوف على ما يشبه سقّالةً جنب الواجهة

والشوارع تبدو وكأنها تنطلق صوب الماء مباشرة: هناك

نمو عشوائي رائع في الجنائن،

مربعات ساكنة وسط كل هذا

قنوات وسواد

زرقة نيفا[2]     هكذا

تنطلق الخطوط فوق الماء

جسورٌ فاغِرَةٌ

جباهٌ تستريح على لون السماء الرمادي

وتحتها، ربما، هناك

شق

يمتد صوب لَيْلِكَ

ويلُفُّ

مدينةً بأكملها، "فينيتا" العجيبة

من أنغام نواقيس، أوتار، جراح

حمراء  وحزن عارٍ

كان أقرَبَ إلى المشاع

 

 

خِطاب 

 

أنتِ

في الليل، تُدْعَكين وتزدادين بريقا.

جسد، جسدٌ غريب كَلَمَعانِ إبرة وكالإنفجار 

الوشيك للصدغ

 

أنادي، سوهوس

فتلتفتين إلي

 

لسان رمادي يلعب

وحيداً، حول ألم الوِرك والظَّهر

حين أشعر به يَتَعَرَّجُ طريقٌ

تأتي فيه دمية زرقاءُ كبيرة

بإيماءات وصمت

 


 

[1]  RUS: هي الحروف الثلاثة على لوحات أرقام السيارات الروسية في الخارج.

[2]  نهر نيفا في سانت بطرسبورغ.

 

 

 

يوهان نوردبيك

Johan Nordbeck (مواليد 1957)

 

 

مقاطع من قصيدة بلا عنوان

 

أن تمشط ذاتَكَ بالثواني

قبل انطلاق القطار وترى أَجِنَّةً

تسير نحوك على السكة

الجنوبية

*

تطير الحمائم من ساحة مدينة

كانت تحت وسادتي حين كنت طفلا

تطير الحمائم من ساحة فَظَّة

في وحدةٍ لا، لا أخشى أن أسَمّيها 

    قَدَري

*

الغفوة هي جلد الموت

يرسم النهار عليه فراشاته،

تواريخَ وجذورَ صاعقة من بلوط.

 

*

رعد!

صاعقة تعصف في الساحة

وتضرب جذورها، شجرة بلوط

تجلسُ أنتَ تحتها في خارطة ظلال الأوراق الوامضة

 

*

أهي خطواتك في القبو

أم دقات القلب في صدري.

كلا!

لأن الأولى هي الثانية بعينها

 

 

آن يادرلوند

 

Ann Jäderlund (مواليد 1955)

 

 

كلمةٌ بِكر  

 

الآنَ سأَنْزَعُ عنكَ ذاكَ الـ.. 

 

تُمسكُ فنجاناً من خزف

ترتشفُ وتَرى حذاءك

ترتشفُ وتَرى شرائح ليمون

بعدها ترفع بصرَك

 

هكذا ستفكر بعدها:

 

هناكَ تسير بضعة جِمال

أحشاؤها داخلَ وبرِها

الصحراء ساخنةٌ وصفراء

 

ما مِن قَطرة

ما مِن قَطرةٍ على مَدِّ البصَر

 

 

 

مدينة أعلام الزينة

 

أرى يديَّ قادمتينِ

مُنتَزَعَتينِ من المقطوعة

أنا مجهولةٌ هناكَ، أنا مجهولةٌ 

هناك في المدينة

كما لو أنني أتهاوى

في ثقب الليل

 

 

آرنَه يونسون

 

 Arne Johnsson (مواليد 1950)
 

 

لنذهب

 

إجرحي يدي عرّي جذورَ الألم 

ذكرى بشرَتِكِ شعرِكِ نداكِ اقرأي

مخطوطتَكِ فِيَّ انظُري

أنا سكنٌ لظلالِكِ لِسحاليْكِ ضعي أرائكَكِ

سريرَكِ أقلامَكِ وكؤوسَكِ هنا

حيث أنزفُ حيث الألَمُ أشدُّ

بلسمٌ مرهمٌ حبرٌ ضمِّدي

لنذهب
معراج

الخفّةُ هي السرُّ لذا أثقِلي كاهِلَكِ

حَتى تتكسَّري قريباً تخضَرُّ الأشجار

كلُّها قريباً تخضرُّ

الأشجارُ كُلُّها 

 

أُقادُ

أُعَلَّقُ أُضاعُ لكن

إحفَظيني بلا نقاء خاوياً كَّفِّني بكِلسٍ 

وأرديةٍ لا تحميني دعي نفْسَكَ تتفَتَّتينَ

في هذا المسكن فَلَهُ وظيفةٌ أخرى

الآن دونَ أثاثٍ مكائنَ لوحاتٍ

صار أَخَفَّ أُزِيحَ عنه عبئُهُ لاجل الرحيل 

 

 

ماغنوس وليام أولسون

 

Magnus William-Olsson (مواليد 1960)


 

Apologi

 

"فينا جميعاً شيءٌ من وجوه الآخرين

خَفِيّينَ أم مرئيينَ، أحياء أم موتى"

 يوران سونَّفي

 

شعير بري يتوهج كاللهب في ضوء المساء البطيء الخافت.

الأرض التي تجبر النظرة على الطأطأة، تنتصر على السماء.

أبناء القرية في نزهة المساء على امتداد طريق كاستيل دي كاستيل

يشبهون عن بُعدٍ بلابلَ الشعيرِ الرقيقةَ لكنهم يرتدون ظلال النسور الغليظة

التي ترفرف صعوداً على الجبل.

في هذه الساعة من النهار تصبح الذكريات أثقل من الحاضر و أكثر سوادا.

الشمس الحمراء تلامس أعراف الجبال في الغرب.

      الأشياء

تتسطَّحُ وتتضِحُ وكأن نار الماضي تنيرها.

الشرفات البهية، أشجار اللوز و الزيتون- كل شيء هنا يشهد

ساكناً على اهتراءٍ وحشي لكنَّهُ جليل.

أفواج من فلاحين وعبيد وثوار منسيين

شهدوا تحول الوادي في مثل هذه الساعة كما في الأحلام.

يحترقون هنا كلهب النسيان الذي يتجلى فيه الزمن.

يعيشون في نور الأحلام، في التحديق إلى الشمس بعيون نصف مغمضة،

وفي البسمة

لم يعد المرء: شريراً، خيراً، حقيقياً أو مزيفا. سيّان.

التاريخ هو التوق إلى هجر الذات في التكرار والقدر.

لا أنتمي إلى هذا المكان. لا أريد أن أُعَرَّفَ بموتاي،

لا بِلُغَتي أو ماضِيَّ. أتمنى المبتور،

نبرة الإنقطاع العذبة التي ترن بالقَدْر ذاته لكل منا.

أتمنى الغائب، اللابديهي. الذي لم يلمسه الحاضر أبدا.

يجب أن لا تُهدى القصيدةُ إلا للعدم.

أغنية الصراصر تملأ الوادي كنداء الماء للظلمة.

يرقد ظلي أمامي كما في الخيال ساكناً أسود على الأرض.

أحدق فيه. لا يعنيني ويدعوني إليه.

أتوق إلى الظلام، إلى العمى، إلى جسد لا مرئي،

بِلا روح، صلد: عضلات، أنسجة، عظام: مادة نقية.

حوادث التاريخ الكبيرة لا تصنع الزمن.

المعاناة التي نتوق إليها، كما نتوق إلى النجوم،

لا تصنع الزمن. القصيدة لا تصنع الزمن، ولا الجسد.

حد الزمن يفلق ويفلق ذاته...

كالِماشو، تجرنا الظلمة اليها جميعا.

لذا ساعدني الآن، حين يُبرِز الضوءُ الحياةَ بغرابة،

أن أتحدى العدم والنسيان بالقدر ذاته. وأن أمنح القصيدة مصيرا.

 

 

الإسم   

 

رغبتي في أن أحيا، أستفيق

أن أكون اللغطَ اليوميّ

لا أذكرك تماماً

أيتها الأنا الناعسة كمريض مرهف

الآن تركتكِ تموتين

أختي الصغيرة، أقسمت العين

ألاّ يصيبَك الحاضر بأذى

مخطوطة شمسية في مخطوطةٍ شمسية

جاءت في صيحتك الميتة 

تعالي وكوني في النداء، نامي

فيك تمرمرتُ

أفتقد "كافَ" أوجاعك

صوتَ "تحمّلْ"، كان أكثر من شجاعة

أن أستفيق في لغط عين الآن

كان مكاني حيث كنت حياً

أتوق، يا من اندملت جراحكم

الآن أحلم، لغط الموت!

أدلق مَنِيَّ الزائف

القسر على خدمتك، أيتها الشمس

أيتها العين المُلَوَّثة، أنيريني صادقا

 

ماري لوندكفيست

 

 

من مجموعة "كتاب الموتى" 2008

 

 

أرِني وجهك كما كان

قبل أن يهذب الموت ملامحه

ويطفيءَ الشهوةَ،

ذلك اللهب الصغير الأزرق

الذي دفّأ حبات القمح

وملأ فمَك بالقُبَل والخبز

رأيت بياضاً لا يمكن الإمساك به

أطرى ما في المقاومة جدار الغيم

ستدخله كي تنام

على سرير من كلمات

 

كنتِ تبكين هنا توّاً

سمعت صرير أسنان خارج الزبد

في أفواه سواك

ودون إذن مني تسلقتِ إلى

قلب شجرة الدردار

وتواريت

كنت أجلس جنب أختي

أخِزُ قماشاً مُخَطَّطاً بِإبَر صدئة

السكون

كعملة باردة

في أكفنا الساخنة

أُختان

أربع أكف تكفي

لتُنْزِل والداً صغيراً

مطحوناً

في بياضٍ كالمرمر

يبدو الموتى مثلنا

غير أن أصابعهم أكثر تورماً من أصابعنا

كأصابع عازفي التشلو

بعضهم يستلقي مُسبَقاً كقوارب  

يعلوها العشب

والأرض ترتشف دمهم

تمتصه إلى مسالك الدود

وبعضهم يبقى واقفاً، حزيناً

كبشر في الثلج

يبدون من بعيد

كأنهم يحملون نيراناً صغيرةً

في أفواههم الباردة

إن فَرَّقَ المرء ما بين شفاههم

بَدَتْ أفواهُهُم

ملأى بحكاية عن أغرب المنحرفين:

الموت يضاجع الحياة،

دون رادع أو خجل.

 

 

بَتَّر ليندغرين 

 

 

النافورات  

 

القربُ من النافورات، صوتُها، الإحساسُ برطوبتها تندفع مع الريح

يَملؤني بالضجر 


 

شوطٌ ثانٍ  

 

على مدى لَحظةٍ قصيرةٍ يظن المرءُ أنها الكُرَة:

الحمامة التي تأتي مُحلِّقةً فوق سقف المُدَرَّجِ في الشوط الثاني

 

الصمتُ مُطبِقٌ تماماً، مطبقٌ تماماً في الشوط الثاني

 

 

قوس قزح 

 

قوس قزح، عندَ حافّةِ مطرٍ ما أو المُصطَنَعُ في نهايةِ خرطوم ماء الحديقة، ما الذي يمكنُ قولُه عنه؟
- أكثر من كَونِهِ، على خلاف الظروف المُزعجة المحيطة به، يَعْلَقُ في صورة؟

 
 

حبرٌ أكثرُ بَلادَة  

 

يتجمَّع الناسُ في الساحات، يُشيرون نحو المُذَنَّبِ الذي اخترق الأفقَ تَوّاً لأول مرةٍ منذ مئات السنين: نقطة صغيرة مُهرَقة من حبرٍ جافٍّ شحيحٍ فوق سطوح المنازل جنوبا.

 

 

 

لي لي

 

Li Li (مواليد 1961)

 

حلم

 

تجلسين وفي يدك إناء رز فارغ

أسيرُ نحوك . تصيرينَ كرسيا

أجلس عليه وأنحني إلى الامام. تصبحين طاولة

عليها بضعةُ أوراق رزٌّ، فرشاة
أخط، تصبحين

إنساناً مشوها

تهزين رأسك دون أن ترفعي صوتك

أضع الفرشاة جانباً، تصبحين مطبخاً

آكل. تصبحين سريراً أغرق عليه في سبات عميق

بحراً أعوم فيه

أسمع نداءك الذي يشبه نداء طفل مهجور

والطفل أنا أستيقظ، أجلس عند نافذة

تطل على وطن جديد وأكتب كلماتٍ قلتِها: ما الكون إلا

وعاء رز مقلوب

 

قف هنا. المطبخ معبد بوذي

والطهي سَفَر

 

حين أمسك بالسكين

كأني أقبض على العالم

 

أقطع. عبر البراري

يعدو حيوان. يصبع مرتعاً لِمَرح الرصاص

 

وفي حركة يدي تشرق الشمس

وتغرب. الأيام هي الآن

 

 

أوسا ماري كرافت

 

 

II عطرٌ من بُسُطِ صَعْترٍخفيّة، رداؤه الآن:

الموت المُبَكِّر أكثر شيوعاً من الموت المتأخر

 

 

عطرٌ من بُسُط صَعْترٍ خفية، الآن

كرة هندباء تطير   ولدي: إلمَسْها!

 

أطراف أصابع شفافةٌ

هو: صورة سونار أمامي، تنزلق أعمقَ فأعمق

 

في العتمة التي هي عتمتي،

والتي أسميها باطني الميت، لكنَّه

 

يومئ ضاحكاً: "أثبتي ذلك!"

وشريان رقبتي ينبض في اليد، يقرع

 

ويقرع، بتناغم. شاقول يتأرجح، يقرع

يختفي وهناك متسعٌ من الوقت للنسيان   ما بين

 

الضربةِ الأولى والتاليةِ. لا إزعاجَ في 

أن يوقِظَكَ هكذا ثِقَلٌ مبتلّ

 

في راحة اليد التي هي خطيئتي، والطفل

يهزأ بخطيئتي وحَسْبُ، ويغني 

 

ما قبلَ أصواتِ البدء المعروفة:

ما – با – ما – با -. صوته

 

رقيق خالٍ من حروف العلة

التي يغنيها للموتى الآخرين هنا

 

أجلسُ وحيدةً مع حيرتي، سائحةً

بين يديها دليلُ لغةٍ خطأ – لا أعرف

 

كم لي أن أمكث، وإلى أين ستبلغُ 

بصقتُه الصغيرة التي هي مركبي.

 

الآن صرختهُ حادةٌ جذلى كالعدم

ينكمش السيلويت مبتعداً ببطء. "هنا!"

 

يصرخ  - أرى تكويناتٍ مرعبة –

ينشرُ الذعر على مد البصر، لكنه

 

يُلقي بإيماءاتِه ضاحكاً: "هلوسات!"

أُطرِقُ ببصري خِزياً نحو

 

قعر القارب: ألواح، خشب،

بماءٍ داكنٍ ينفُذُ عبرَ شقوقه، ثقوب أغصان

 

... لا شكلَ،  لا وعاءَ يُطبِقُ أكثر إحكاماً

من الموت: نائبي...

 

عبثاً منحته الزاد

أردتُ مَلءَ شفافيته الرقيقة

 

من جوف لحمٍ أرضيٍّ قاتم

هناك وتر شاحب - تيار دم يسيل.

 

ما أردتُ رؤيته هكذا – ميتاً

لكنه يقول بصوتٍ رقيق:

 

"أليس موتي، هو موتي أنا؟ ألم يكن بوسعِكِ

إطلاقه   إطلاقي، برقةٍ أكثر"

 

بلى، حق الموت ـ يطالبُ به الإبنُ 

ـ والحق في أن يكون أصغر نطفة

 

ندِمَ ثانيةً. اختارَ خطأً: "ما أنا

بِمِسْخٍ: الموت المبكِّر –

 

القدر الأكثر شيوعاً – أنت الفريدة هنا،

يا أمي العزيزة!" أتلفَّتُ ما بينَ

النحافةِ والشخوص الميتة

حقيقيةٌ صورته في السونار. أرى:

 

الصبا في أجسادهم النحيلة

لقد فُصِلوا وهم صغارٌ في موتهم

 

إنهم ملايين – وسيصبحون ملايين

الموتُ المبكِّر أكثر شيوعاً من الموت المتأخر

 

هنا أجلس، عجوزاً محمولةً

في الرذاذ، قِطَعاً بصقَها الإبن.

وأرى ماءً دافئاً ينزلقُ شفّافاً تحت ردائه: الموتُ المُبَكِّرُ أكثر شيوعاً من الموتِ المتأخر


 

ماري سلكبيري

 

 

سدود من ظلام

من قمر

 

حفنة سماء

أنت تعبر صدى معمارياً

كصداك

 

لكنَّك تأتي بخطوات عجولة أقرب للهمس

على قدمين عاريتين

 

وأنت تلقي بظلالك

كحجب ليلية على سور من مرمر

 

مُطَهَّراً مُبَرَّداً يحملكَ مُتَعَقِّبوكَ

في لغز التضاعف

 

*

في الجنائن الشرقية

تجلس قطة أندلسية

 

تخطو بإيقاع متناسق مع السور والليل

 

دعه

دع الظل

يحزّ

كشظية ليل

 

*

بيننا نواة جنونية

أختي وابنتي

نهر معماري

نهر مليء بالعيون

أيُّهُا عيناك؟

أدموعُكَ، يا ويحي، مائي

 

*

بدلاً عن سكين في الاندلس

مجرى ساخن

جِدْ ذاتك أو أضعها

سيّان

إسمها ظاهر

إسمي، هل لاحظت؟- امرأة

 

*

مطر مفاجيء

وأنت

كما في الماضي

كما الآن

 

عنقائي، ليس بوسعي الكلامُ معها عنك

 

رأيت أبي يضحك

 

*

تحت الخساراتِ المتهاويةِ للنجوم

المهد مُقَوَّسٌ ومُكَوَّرٌ الآن

مُلقىً على الأرض

في البعيد وحسب

صدى الكلاب الليلية المريع

زنجيٌّ في الليلة الزنجية

أين يكونُ مهبلي إن أغمضت عيني

 

*

كبياض في بياض

كنسج القمر في ماء فضي

كظلال حلقات الماء اللاعبة على السور ليلا

هيئةٌ ما تنطلق من العين

إبنة وملكة من تناسق هندسي

أكاد أمسكها دون قافية

 

*

وحق هذه الكلمات التي منحتني شيئاً من سلوىً

خفيةً - لكن حقيقية

من سِيَّنا، كاتارينا، كاترين

الحكايات، السلاسل، جسدك مسعور

أَلْفٌ من كلِّ شيء

ألف مسار متعرّج

        أدخلي هنا

        ماريمّا

في كل ما يعبر ويلتزم الصمت

 

*

لا تزال هناك نافذةٌ تضيء

حمراء، تتقد

كلمسة، صوت

أرى، كأنها يد رمادية ، صغيرة

بلا رأس

هل تتحرك؟

ترقص ربما

تنقش بارتجاج

تنزف    

 

 

 

 

الغلاف

افتتاحية

*

محمـد طالب : الظمــأ

شيركو بيكه س : 12  قصيــدة

طالب عبد العزيز : القصـــر

نصير فليّح : 4 قصائــد

معتز رشدي : أغنيــة صغيرة

 ياسين طه حافظ : 5 قصائـــد

فوزي كــريم : ثلاث قصائــد

*

سركون بولص : بغداد مركز أحلامي

ستيفن دوبينس : ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

فوزي كريم : الشعر العراقي: بانوراما

ناظم عودة : السيّاب الخيال المأساوي

*

 محمد خضير : شاعر باصــورا

حسن ناظم : انطباعات عن أيام خلت

عبد الكريم كاصد : قراءة في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

 طالب عبد العزيز : القصر

محمود النمر : الدرويش والمتاهة

زهير الجزائري : طفولة الحداثة الشعرية

*

حاضر الموقف النقدي : من المتنبي

حاضر الموقف النقدي : في قصيدة النثر

حاضر الموقف النقدي : في النص المفتوح

حاضر الموقف النقدي : في الفن التشكيلي

*

كريستوفر مدلتون: بعد الثمانين

معرض تشكيلي لشاعر الصمت

مقابلات مع شيموس هيني

القوى الغنائية

معرض رياض نعمة

مقالات نقدية في الشعر المعاصر

نعومي شهاب : شاعرة الحياة اليومية

ويندهام لويس : الرسام أم الكاتب؟

*

الشعر السويدي اليوم قصائــد مختارة: ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

الشعر السويدي: ترجمة ابراهيم عبد الملك

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

  ©  All Rights Reserved 2007 - 2009