العدد 14 لسنة 2009

 

ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

 

ستيفن دوبينس

 

 

تأمل القصيدة التالية لـ "ريتسوس":

 

ثلاثية

 

وهو يكتب، دون أن ينظرَ إلى البحر.

أحسّ بارتجافة في قلمه-

إنها اللحظة التي أومضت فيها الفنارات.

 

    تأمل القصيدة غافلاً قيمتها وترجمتها عن اليونانية. إن الضمير "هو" في القصيدة يعود إلى الشاعر، إلى ريتسوس ربما، وما تمنحنا إياه القصيدة هو علاقة ميتافيزيقية بين الشاعر وبين العالم. الفنارات تومض، والشاعر -بسبب كونه شاعراً- يشعر بقلمه يرتجف: ارتجافة أحدثتها إيماضة الفنارات. يمكننا أن نسمي اللحظة ذاتها ميتافيزيقية. إنها ليست عقلانية. ليست علمية. لم تتحكم فيها أنظمةٌ منطقية من علةٍ ومعلول. بل تقترح عالم انجذابات متجانسة وحساسية إزاء هذه الانجذابات من قبل الشاعر.

    تأمل قصيدة أخرى لـ "ريسوس":

 

وسم

 

بينَ أشجار الغابة شجرةٌ واحدةٌ أحياناً

ترتجف أغصانها دون هبّةٍ من نسيم.

بعدها ترجع إلى صمتها الرخامي مثل ثريا مطفأة

في منتصف الليل،

باعثةً الأنفاس المتسارعة في الرعاةِ، الخيولِ، النجوم.

 

    ارتجافة الأغصان لحظة ميتافيزيقية هي الأخرى، مستعصية على الفهم إذا ما اعتمدنا عملية التفكير العقلية ـ ولنقل الأرسطوطالسية ـ  المألوفة. فالقصيدة بالتأكيد مضادة لذلك. إنها تفترض عالماً آخر وراء عالم المقاييس العلمية. لنجد أنفسنا ثانية في عالم الانجذابات المتجانسة. كون أوسع من العالم. حيث النجوم فيه تسارع في أنفاسها. شيء ما خطير وسري يحدث، وهذا السر الغامض يتواصل مع تردد أمواج لحجارة ألقيت في بحيرة. القصيدة لا تحاولُ إيضاحاً للسر، تحمل في طياتها شهادة عنه وعن تلك الانجذابات، التواصلات، التطابقات. وصورة التشبيه "مثل ثريا مطفأة في منتصف الليل" تحاول أن توسع من مشهد تلك الانجذابات خارج هذا العالم وإلى العالم المتخيَّل. والأكثر أهميةً أنها تلغي الحدود الفاصلة بين هذين العالمين. أو أنها توسع من حدود هذا العالم إلى ذلك العالم العصي على الخيال.

    هذه قصيدة أخرى لـ "ريتسوس":

 

يوم الرجل المريض

 

طوال النهار، ألواحُ أرضيةٍ رطبةٌ متعفنة-

تجف وتتبخر تحت الشمس. الطيور

تتطلع من أعالي السطح الى أسفلَ، لحظةً ثم تحلّقُ بعيداً.

في الليل، عند حانةٍ مجاورة. ثمة حفّارو قبور

يأكلون سمكاً، ويشربون،

وينشدون أغنيةً ملأى بثقوبٍ سود-

بدأ نسيم من هذه الثقوب يهبُّ خارجاً

فترتجفُ الغصونُ والضوء.

والورقُ الذي يبطّن رفوفه يرتجف أيضاً.

 

    من جديد نحصل على لحظة ميتافيزيقية وعلى سلسلة من انجذابات متجانسة. ولكن العلاقات هنا تبدو أكثر منطقية. فالرجل المريض يرى في المحيط حوله دليلاً على ما يخفيه مرضه من سوء عاقبة: رائحة عفن، طيور تحلق بعيداً، ونسيم -ريح الموت- يهب عبر ثقوب أغنية ينشدها حفارو قبور. الرجل المريض يسمع هذه الأغنية لتذكره من جديد بمأزقه. إنه يرتجف، ويرتجف كل شيء. هنا يتوحد أيضاً العالمان الحقيقي والمتخيَّل. أن نقول أن الأغنية ملأى بثقوب سود يعني أنك تصنع صورة، استعارة. ولكن في البيت التالي لها: "بدأ نسيمٌ من هذه الثقوب يهبّ خارجاًً" تصبح الثقوب فعلية. والنسيم يُقدم كنسيم حقيقي.

    قصيدة أخرى. وكما في المثال الأول، لنا أن نفترض بأن الضمير "هو" فيها يعود لـ "ريتسوس" نفسه. والقصيدة تصف إحباطاً مؤقتاً ولا يقيناً بشأن عملية كتابة الشعر. بعدها تخلص القصيدة إلى بيان بشأن الغموض وما تسعى إليه من هدف.

 

تجوال منتصف الليل

 

أخيراً، وهو خائفٌ من القصائدِ والسجائر الكثيرة،

خرج عند منتصفِ الليل إلى ضاحية المدينة، في تجوال

بسيط وهادئ بين دكاكين الفاكهة المغلقة.

وبين أشياء حسنةٍ بأبعادها المبهمة الحقة.

بمنديل ورقي يمسحُ أنفه بين حين وآخر،

فقد أخذ برداً من القمر. وأمامَ الرائحة اللاذعة

للقرميد البليلِ يتوانى، ويتوانى أمام الفرسِ المعقول

بشجرة السرو، أمامَ القفل الكبير للهُري.

آه، مثل هذا -قال-

بين أشياء لا تحوجكَ إلى شيء-

وشرفة صغيرة بكرسي متوحد. وعلى الكرسي

قيثارُ امرأةٍ ميتة تُرك مقلوباً.

في قفا القيثار تتلألأ الرطوبة بسرية-

إن لألأةً كهذه هي التي تمنع العالمَ من أن يموت.

 

    ولد "يانيس ريتسوس" في الأول من أيار، 1909، وتوفي في 11 تشرين الثاني 1990. كتابه الأول "الجرارة" Tractor نشر عام 1934 ونظم قصائد كتبها بالتفعيلة والقافية التقليديتين. كما فعل مع كتابيه التاليين، ولكنه في أواخر الثلاثينات من عمره تحول إلى الشعر الحر. نتاجه الإبداعي 93 كتاباً شعرياً، ثلاثة أعمال درامية، تسعة كتب قصصية، كتاب من فن المقالة و11 كتاباً مترجماً. وكان إلى جانب ذلك يرسم ويضع أعمالاً موسيقية، وله أدوار كراقص وكممثل. تُرجم شعره إلى قرابة خمسين لغة، وحصل على كل جائزة عالمية معروفة باستثناء جائزة نوبل، التي كان سيحصل عليها ربما لو لم يكن شيوعياً. إن معتقداته السياسية قادته إلى 12 سنة من السجن وإلى المنفى. الأول بعد الحرب الأهلية اليونانية والثاني  خلال الحكم العسكري في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. بالرغم من أن أكثر قصائده القصيرة تشبه القصائد التي عرضنا لها إلا أنه وضع عدداً من القصائد الطويلة وعدداً من القصائد المستوحاة من التاريخ والأسطورة اليونانيين، إلى جانب عدد من القصائد السياسية. القصائد القصيرة سلسلة من الصور المستقلة أو الموحدة السياق. ولقد حاول هو التعريف بهذه العملية الإبداعية.

 

على وجه التقريب

 

بيديه التقط أشياء لا انسجام بينها -حجارة،

قرميدةَ سطح مكسورة، عوديْ ثقاب محترقين،

مسماراً صدئاً من الجدار المقابل،

ورقةَ غصن دخلت خلال النافذة،

قطراتِ ماء من مزهرية مبلولةٍ. القشةَ تلك

التي حملتها الريح إلى شعرك البارحة-

التقطها جميعاً، وابتنى، في الباحة الخلفية، شجرةً على وجه التقريب.

 

    في "على وجه التقريب" هذه يكمن الشعر. هل لك أن تراها؟

    الضمير في البيت الأول هو "ريتسوس" أيضاً. وعملية كتابة القصيدة هنا تعني إلحاق أشياء لا تلتحق ببعض عادة من أجل خلق تمثيل representation  لشيء جديد تماماً: محاولة مقاربة ما هو غامض وسري. هذا احتمال فقط -في ذهن ريتسوس- إذا ما كان احتمال الانجذابات المتجانسة بين كل الموجودات موجوداً.

هذه قصيدة أخرى.

 

معنى البساطة

 

أتخفّى وراء الأشياء البسيطةِ لذا ستعثر عليّ.

فإذا لم تعثر علي فعلى الأشياء ستعثر.

ستمسُّ ما مسته يدي،

بصماتُ أصابعنا ستندمج ببعض.

قمرُ أغسطس يتلألأ في المطبخ

كصحنٍ من الصفيح (كذلك أصبحَ بفعل ما قلته لك).

إنه يضيء البيتَ المهجور وصمتَه الجاثي

دائماً يبقى الصمتُ جاثياً.

 

كلُّ كلمةٍ مدخلٌ للقاء،

كثيراً ما يلغيه أحدنا،

وذلك حين تكون الكلمةُ حقيقيةً: حين تصر على اللقاء.

 

    إذا ما كنت تفكر بـ"ريتسوس" كماركسي مخلص فسترى في داخل هذه القصيدة شيئاً من الموقف الجمالي الماركسي: الإصرار على بساطة التفصيل، الذي يملك أن يدركه كل قارئ بغض النظر عن درجة ثقافته. الإصرار على العلاقة بين الكاتب والقارئ، وعلى مسؤولية الكاتب أمام القارئ في خلق لغة "حقيقية" تعزز تلك العلاقة. فالكلمة ليست حقيقية إلا إذا وجدت لتتواصل مع قارئها. ولكن في المقطع الثاني من القصيدة يرى أحدنا أيضاً مسؤولية الشاعر إزاء ما هو غامض وسرّي. مسؤولية أن يكون شاهداً عليه وأن يقدمه بلغة "حقيقية". وكما قال هو: "كذلك أصبح بفعل ما قلته لك". هذه هي محاولة الشاعر: أن يصنع شيئاً ما حقيقياً مع الكلمات. اللغة قناة يتدفق عبرها الغامض السري إلى القارئ.

هذا نص آخر. الضمير "هو" يعود للشاعر أيضاً.

 

يوماً ما، ربما

 

 

أريدُ أن أريك ذلك الورد الذي يتجمع كالسحب

ولكنك لا ترى. إنه ليلٌ -ما الذي يستطيع أحدنا أن يرى؟

الآن، لا خيار لي إلا أن أرى خلال عينيك، قال هو،

ولذا فأنا لست وحدي، وأنت لست وحدك،

وما من شيء هناك، حيث أشير حقاً.

وحدها النجوم تزاحمت سويةً في الليل، متعبةً

مثل أولئك العائدين من النزهة، خائبين،

جائعين، وما من أغان.

بل حفنة أزهار برية ذابلة في أكفهم المبلولةِ بالعرق.

 

ولكني سأظلُّ مصراً على أن أرى وأُريك، قال هو،

لأنك إذا لم تر أيضاً، فكأني ما رأيت-

سوف أصرّ على الأقل أن لا أرى بعينيك-

وربما سنلتقي، على مشهد مختلف، ذات يوم.

 

    الشاعر يتطلع إلى النجوم المتزاحمة المتعبة. إلى ما هو فعلي، ويرى "ذلك الورد الذي يتجمع كالسحب في الليل"، وهو الغامض السري. الشخص الثالث في المقطع الثاني هو الشاعر. وما يربك قليلاً هو غياب الأقواس حول حديث الشاعر نفسه. إن مهمة الشاعر تكمن في استعمال لغة تجعل القارئ يرى ما يراه هو. أولاً بالتخفيف من عزلتيهما الحقيقيتين ومد جسور بينهما. ولكي يعطي الشاعر، ثانياً، شرعية لما يراه، لأن القارئ إذا لم يكن يرى ما يراه الشاعر، فقد يكون هذا الأخير في حالة هلوسة. ثالثاً، لكي يظهر حالة الغموض ويعطي شاهداً عليها. السبب الأول اجتماعي، الثاني نفسي والثالث أخلاقي. إن ما يغوي الشاعر دائماً هو أن يزيل الستار عما هو سري. لكي يجعله أكثر أرضية، وذلك عن طريق رؤيته بعيني القارئ من أجل ضمان العلاقة معه. ولكن في الوقت الذي قد تعني هذه الحالة التقليل من شأن عزلته الحقيقية، فهي تقلل أيضاً من ميزة سرية وغموض القصيدة. وفي هذا خيانة لها. في الفقرة الأخيرة من القصيدة يقرر الشاعر تجنب فكرة إزاحة الستار عما هو سري، ويصر على الرؤية بعينيه هو وجعل القارئ يشاركه بها. إنه يرفض اللقاء المحدود بينه وبين القارئ، والذي يؤمله بالتخفيف من العزلة، على أمل لقاء أكمل في المستقبل حين يكتمل الفهم.

    هنا قصيدة أخرى يعالج فيها "ريتسوس" عمليته الإبداعية.

 

إيضاح ضروري

 

 

هناك فقراتٌ بعينها -وأحياناً قصائد برمتها-

لا أدرك معانيها. وما لا أدركه

هو الذي يمسكُ بي جافلاً. لك الحق في التساؤل.

ولكن لا تسألني. لأنني لا أعرفُ، أعترف لك.

الإضاءاتُ المتماثلة من ذات المركز. وصوت المياه

وهي تسقط شتاءً من الزاروب الطافح،

أو صوتُ قطرات من زهرة في حديقة مبلولة،

بطيئة، بطيئة على مساء الربيع كنشيج طائر.

إنني لا أعرف ما يعنيه هذا الصوت. ولكني أسلّم به مع ذلك.

وكل ما أعرفه أوضحته لك. فما أنا بمهمل.

ولكن حتى هذه تُسهم في إثراء حياتنا.

من عادتي أن أرقبَ، وهي نائمة، كيف تشكل ركبتاها

مثلثاً على شرشف السرير-

وليس هذا بدافع الحب وحده. هذه الزاوية

كانت غايةً في الرقة. وعبيرُ الشرشفِ والنظافةِ

والربيع الإضافي. ذلك الشيء الذي لا سبيل إلى إيضاحه

هو الذي حاولت، عبثاً، أن أوضحه لك.

 

    الشاعر هنا لا يحلل أو يحدد معنىً، إنه يصفُ، يقرب شاهداً، أو يشهدُ هو. ولكن التفاصيل لا تصف "الشيء الذي لا سبيل إلى إيضاحه"، إنها تكمله. إنها تصف الفضاء الذي يحيطه أو تكشف عن آثار الأقدام: كدليل على عبوره. الشاعر يرسم أو يحدد بالخط البياني ذلك الشيء. وفي وجه هذا الغامض يبدو الشاعر متواضعاً ومحبطاً. فقد لا يكون مدركاً له ولكنه معترف به. ولكن وراء كل هذا هدفاً أخلاقياً: فشهادة كهذه تثري حياتنا. وهذا الموقف ليس ببساطة ماركسياً. إنه جزء من تحديد وظيفة الشاعر، التي أدركها الإنسان منذ أول التاريخ.

    في المثال التالي، يقدم "ريتسوس" هذه العملية الإبداعية بصورة أكثر يسراً. إن الضمير، ضمير الغائب، في البيت الأول يعود، كما يبدو، إلى "عملية" كتابة القصيدة.

 

أكثر كفايةً

 

لك أنْ تنجزها بيسر -حيثُ يكفي

أنْ لا تحاولَ إقناعاً ولا خداعاً.

وحدها الطيورُ، الأطفال، الموسيقى، الأرائكُ، الستائرُ، وحدها.

المرأة العليلة تكوي الملابس. ذبابة أخيرة

على وشك الموت تحوم فوق الشرشفِ الدافئ.

وراء موتنا المعتاد ثمة تتالٍ سرّي لميتاتٍ هادئة،

وراء أنصابه مهذبةً وتمجيديةً داخل تلك المعجزة السريعة الزوال،

داخل ضوء هذه المرآة، التي تعرف كيف تنسخ

(بأي مقدار من الزيف أو التشظية) مجدَ جسدين عاريين.

 

    أن تكون شاهداً يعني أن تنقلب كليةً إلى ما أنت شاهد عليه: "المعجزة السريعة الزوال". لأن الكاتب إذ يتدخل عن طريق الإقناع أو الخداع إنما يدمر البيّنة. إن من الصعب أن لا يغش المرء. فهو مليء بالآمال والتوقعات. يطمع بأن يكون محترماً، محبوباً، مثيراً للإعجاب، وموضع ثقة. يريد أن يكون هدف الناشرين، ورجل منصب وعلو شأن. و"ريتسوس" يسمي كل هذه الرغائب السطحية ضرباً من الغش كفيلاً بتحطم أية إمكانية للنجاح. الكاتب يخضع للسري الغامض وفي أحسن حالاته يرفع مرآة زيف وتشظية لذلك السري الغامض وفي معظم الأحيان يخيب الكاتب. ولكن ما معنى أن يحقق نجاحاً؟ ما هو تأثير القصيدة الناجحة؟ إنها باختصار تسحبنا خارج عزلتنا، خارج ما هو دنيوي. وتتحدى كل أفكارنا حول العلة والمعلول، وكل أفكارنا عما هو حقيقي وغير حقيقي. تتحدى حالة الرضا عن النفس ذاتها. ومرة أخرى يثبت "ريتسوس" ذلك بقصيدة : 

 

أرجَحةٌ ساكنة

 

في حال قفزتها لفتحِ الباب

أسقطت سلّةَ ملفاتِ الخيوط-

تبعثرت تحت الطاولة، تحت الكراسي،

وفي الأركان المنسية- تلك التي كانت بُرتقالية الحمرة

استقرت تحت المصباح الزجاجي، والبنفسجية

في عمق المرآة، وتلك الذهبية-

ما كانت بين الملفات واحدة ذهبية-

من أين جاءت؟

على وشك أن تنحني، أن تلتقط ما تبعثر. وتعيد

نظامَ الأشياء قبلَ أن تفتح الباب.

ولكن ما من وقت، فقد طُرق البابُ ثانيةً

وقفت دون حراكٍ، عاجزةً. مسبلة اليدين.

وحين تذكرت أن تفتحَ - لم تجد أحداً.

أهذا ما يحدث مع الشعر، إذن؟

أهذا ما يحدث تماماً مع الشعر؟

 

        القارئ لا يتواجه مع "المعجزة السريعة الزوال" فقط بل مع "العجز" قبلها. إنه باختصار ليصبح مشاركاً في المعجزة. ولكن أية معجزة؟ إنها شيء ما ينوجد خارج الخبرة المعروفة. شيء ما لا يبدو ذا معنى داخل ما تعلمناه عن معنى الأشياء. إنها علامة عن النسيج الخفي للكون. بحضورها يتلاشى كل ما اتفقنا على تحديده وتعريفه. المرأة داخل القصيدة تصبح أرجحة ساكنة. لا قدرة لها على أن تقول ما الذي حدث. باستثناء أن شيئاً ما هائلاً قد تحقق.

إن "ريتسوس" يحاول أن يوّلد تأثيراً عن طريق ربط سلسلة من تفاصيل - أو "أشياء لا انسجام بينها" كما أشار في قصيدة سابقة- تتجاور أحياناً بصورة سوريالية، بالرغم من أنه يرفض هذه المفردة. ما يجعل هذه التفاصيل ذات تأثير فعال عند "ريتسوس" هي فكرة هذه "الانجذابات المتجانسة": فكرة أن كل الأشياء مترابطة بصورة ما مع بعض. إن هذه الأفكار تعيدنا إلى التعريفات المبكرة للشعر، في المرحلة التاريخية، التي كان الشعر فيها والسحر متداخلين مع بعض. دعنا أولاً نعالج هذه النقطة من زاوية السحر. وهذا شيء مما قاله جورج لوك Georg Luck في كتابه Arcana Mundi:

    "في السحر هناك مفهوم واحد على درجة عالية من الأهمية هو مبدأ التجانس أو التعاطف الكوني، وهو أمر لا علاقة له بمعنى الحنو أو الشفقة بل بمعنى يشبه "الفعل ورد الفعل في الكون". إن كل المخلوقات والأشياء مرتبطة ببعض برابط عام. فإذا تأثر واحد فالآخر يخضع لذات التأثير، مهما كان بعيداً أو غير موصول. وهذه المسألة عظيمة في الكون ونبيلة. ولكنها في السحر لا تخدم إلا ضرورة السيطرة والضبط. فالعلماء يفكرون في دائرة العلة والمعلول، في حين ينشغل السحر بمعنى "التعاطفات" أو "المطابقة" correspondence بالطريقة التي أشرنا إليها سابقاً. إن موقع الكواكب على دائرة البروج، وكذلك هيئاتها في علاقة بعضها ببعض، هي التي تتحكم بطبيعة ومصائر الكائنات الإنسانية، لا بفعل تأثير ميكانيكي مباشر ولكن بفعل "تذبذبات" Vibrations خفية".

وسوف تتذكر أن في أكثر قصائد "ريتسوس" التي نظرنا إليها سابقاً تتوفر هذه الذبذبة: ترتجف، تتلألأ، تتأرجح، حركة تظهر ذلك العبور الخاطف لذلك الغامض السري.

    بالنسبة لليونانيين هناك أهم ثلاثة سحرة أو كهنة للسحر بين هومر والمرحلة الهيلينية، هم: أورفيوس Orpheus، فيثاغورس Pythagoras، وأمپيدوقلس Empedocles. أورفيوس أكثر أسطوريةً من تاريخيته ولكن فيثاغورس وأمپيدوقلس عاشا في القرن الخامس قبل الميلاد ولهم أتباع كثر. في كتابه "اليونانيون والفكر اللاعقلاني" كتب ي. ر. دودز:

    "ربما وُصف كاهنُ السحر على أنه شخص مزعزع نفسياً وقد لبى نداءً للانصراف للحياة الدينية. وكنتيجة لهذا الانغمار عليه أن يقطع مرحلة في التدريب الديني، الذي يقتضي عزلة وصياماً، وربما بعضَ تغييرٍ نفسي في الرغائب الجنسية. من هذا الانسحاب الديني يخرج وقد ملك قدرة، حقيقية أو مفترضة، للوصول عن إرادة إلى حالة من الانفصال العقلي. بهذا الشرط تكون روحُه في حالة مغادرة للجسد وارتحال إلى مقاصد نائية. عادة ما تكون هي عالم الروح. ولذا يمكن أن يُرى كاهن السحر في أكثر من مكان بصورة متزامنة. ومن خبرات كهذه، تُروى على لسانه في هيئة أغنية مرتجلة، يستمد مهارة العِرافة والشعر الديني والطبابة السحرية التي تجعل منه اجتماعياً كبير الأهمية؛ ويصبح مستودع الحكمة الخارقة".

    بهذه الطريقة وصف "فيثاغورس" و"أمپيدوقلس" نفسيهما. وبهذه الطريقة وُصف "أورفيوس". لا كسحرة فقط بل كشعراء. أضف إلى ذلك الإيمان الذي كان بعلم التنجيم، وفي حالة "فيثاغورس" بعلم معاني الأعداد السحرية. وكما كتب "ويرنر جيجر" في كتابه Paideia، "الرقم كان يعني لفيثاغورس أكثر مما يعني لنا اليوم. فهو لم يستعمله ليلخص كل الظاهرة الطبيعية في علاقات كمية قابلة للقياس، بل تعامل معه كجواهر نوعية لأشياء مختلفة مع بعض جداً، أشياء كالسماء والعدالة.. وهكذا".

    تواصلت هذه الأفكار حتى العصر الهيليني، تحت رعاية التجمعات "الأورفية" و"الفيثاغورية"، وقد أعطيت قيمة أكثر بفعل اهتمامات "أفلاطون" و"أرسطو". ولكن في العصر اليوناني-الروماني المتأخر والقرون المسيحية المبكرة كان هناك تدفق من أفكار جديدة: الرواقية. الأفلاطونية الجديدة، الزرادشتية، الطوائف الغنوصية المسيحية وغير المسيحية، عبادة "ميثرا" إله النور و"إيزيس" إلهة الخصب إضافة إلى النصوص التي تُنسب إلى "هرمس" المثلث الحكمة. وهناك أيضاً بعث كبير في ممارسة السحرين الأبيض والأسود والإيمان بعالم الأرواح وبالتنجيم. في غمرة هذا المزيج من الأفكار يمكن أن نثبت البداية الحقيقية لما أصبح يدعى فيما بعد بـ "الموروث السحري". هذا الموروث الذي اضطر إلى العمل السري في مرحلة وحدة المسيحية في القرن الخامس الميلادي على يد "أوغسطين" وانهيار الإمبراطورية الرومانية.

    في آخر القرن الخامس عشر وظف "كوسيمو دي ميديتشي"، في فلورنسا، عدداً من الرهبان على امتداد إيطاليا واليونان وما قاربهما من مناطق الشرق للبحث عن مخطوطات قديمة. بهذه الطريقة صينت أعمال أفلاطون وكثيرين غيره. ولكن بين تلك كانت مخطوطات النصوص السحرية لـ "الأفلاطونيين الجدد" و"بلوتينوس" وما يُعزى لـ"هرمس" المثلث الحكمة. هذه الكتب أُعطيت لمترجم "ميديتشي" المدعو "فيتشينو" وهو قس وطبيب كثير التأثر بالسحر الأبيض. على أن هناك نصوصاً ترجمت عن طريق العربية. أضف إلى ذلك اهتمامات جديدة انبعثت، بشأن "القبلانية"، على يد الباحثين اليهود، الذين طردوا من الجامعات الإسبانية عام 1492 ووجدوا طريقهم إلى الجامعات في إيطاليا، فرنسا، ألمانيا وإنگلترا. حمّى هذا النشاط بشأن مسائل السحر والكيمياء تواصلت على مدى مائة سنة على يد مفكرين عظام من أمثال: "فيتشينو"، "پيكوديللا ميراندولا"، "پاراسيلاس"، "كورنيليوس أگريپّا"، "جيوردانو برونو" ومئات آخرين. في مركز هذه الدراسات نقع على إيمان راسخ بالسحر المتجانس Sympathetic magic. في كتابها Giordano Bruno and the Hermetic Tradition، تكتب "فرانسيس يتيس":

    "إن مناهج السحر المتجانس تفترض مسبقاً بأن أبخرة تأثيرات متواصلة تنهمر على الأرض من النجوم... اعتقاداً بأن تلك الأبخرة والتأثيرات يمكن أن توجه وتستعمل من قبل من له معرفة تامة بهذا الشأن. كل شيء في العالم المادي إنما هو ممتلئ بهذه التجانسات السحرية تنسكب عليه من النجم، أو من نجمه المعتمد. والعارف الراغب بالقبض على قدرات الكوكب "الزهرة" Venus، يجب أن يعرف أياً من النباتات تنتمي إلى "الزهرة" وأياً من الجمادات والحيوانات. من أجل أن يستعملها وحدها حين يتعامل مع هذا الكوكب. عليه أن يعرف "صور" Images "الزهرة"، ويعرف كيف ينقش تلك الصور على طلّسمات عُملت من المواد الصحيحة للزهرة وفي اللحظة التنجيمية الصحيحة. صور كهذه إنما يحتفظ بها للإمساك بروح أو قدرات النجم من أجل استعمالها فيما بعد. وليست الكواكب وحدها التي تلحق بكل واحدة منها علم التجانسات السحرية الزائف المعقد أو علم صناعة الصور والرموز، ولكن العلامات الاثنتي عشرة لدائرة البروج أيضاً، فلكل لها نباتاتها، حيواناتها، صورها وهكذا، وكذلك شأن كل كواكب ونجوم السماوات. لأن جميعها واحد، توحد بنظام لا نهائي التعقيد في علاقاته".

هذه الأفكار حملت إلى القرن العشرين بواسطة عدد متنوع من المجموعات التي تؤمن بفاعلية السحر، مثل: "الروزيكروشيين" و"الماسونيين" حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث انتعشت في فرنسا هذه النزعة السحرية بقيادة "اليفاس ليفي"، "ستانيسلاس دي گيريتا" و"سار پيلادان". وسط هذه الموجة جاءت فلسفة "عمانويل سويدينبورگ" العالم والمتصوف السويدي الذي عاش بين 1688 و1772. حتى أن الشاعر "بلَيك" و"بلزاك" و"بودلير" اعتبروا أنفسهم "سويدينبورگيين". في "سيرة بودلير" التي كتبها "أنيد ستاركي" يقول:

    "أتباع سويدينبورگ مقتنعون بأن الأشياء المادية موجودة في هذا العالم فقط لأنها تملك أصولاً في عالم الروح والعلاقة الخفية بين الأشياء هنا وبينها في العالم اللامرئي يدعونها بـ "التطابقات". نحن لا نستطيع أن نرى الأشياء في عالم الروح إلا بصورة غير مباشرة عبر "تطابقاتها" الدنيوية في عالمنا هذا، إلا عبر رموزها. كل شيء في هذا العالم هو مجرد رمز، وهذه الرموز هي لغة الطبيعة، لغة هيروغليفية سرية يعبر كل مشكل مادي بها عن فكرةٍ، وهذه اللغة إنما وجدت قبل اللغات، التي يتعامل بها الإنسان بفترة طويلة. إن الفيلسوف هو الإنسان الذي يستطيع أن يرى ما وراء الصور المرئية، ما وراء القوقعة كمجرد قوقعة، ينظر في قلب الأشياء. المفكر الحقيقي يملك أن يحل شفرات كتابات الطبيعة الخفية، ويفسر الكتاب الغامض للكون".

    أفكار "سويدينبورگ" كانت متأثرة بدراسات عصر النهضة بشأن السحر المتجانس وأثرت بدورها في الأدب الرمزي والرومانتيكي الفرنسي. الشاعر الفرنسي "جيرارد دو نيرفال" De Nerval كثير الانشغال بهذه الأفكار، وقصيدته "الأبيات الذهبية"، بزعمها أن كل الحياة ذات حس ووعي، إقرار واضح بالسحر المتجانس، "بودلير" كان متأثراً بعمق بـ"نيرفال"، وعلى علاقة بالحركة المعنيّة بأمور السحر. قصيدته "تطابقات" تنطوي على مناصرة لمعتقدات "سويدينبورگ" وعلى اعتراف واضح بجميل صديقه "أليفاس ليفي"، الشاعر والمؤرخ لتاريخ السحر، والشاعر الذي كتب قصيدة مستخدماً ذات العنوان. لنقرأ قصيدة "بودلير".

 

تطابقات

 

 

معبدُ الطبيعة أعمدته حية

وتبعث أحياناً برسائل محيرة.

غاباتٌ من الرموز بيننا وبين المزار المقدس

فلنقرأ طريقنا إليه بعينِ الألفة.

 

الأصواتُ، الروائحُ، الألوان تتطابق

مثل أصداء امتدت طويلاً، وقد امتزجت بمكان ما

في انسجام مبهم وعميق

شأنها شأن اللامحدود والظلمة والنهار.

 

هناك روائح ريانة كجسد فتي،

حلوة كآلات ناي، خضراء كأي عشب،

وأخرى فاسدة، غنية، منتصرة.

تملك اتساع الأشياء اللانهائية،

كالبخور، والعنبر والمسك،

تمجد مباهج الحواس والعقل.

 

    هذه القصيدة، كما كتب "أنيد ستاركي"، أصبحت بياناً للحركة الرمزية الفرنسية، التي ارتبطت أيضاً بأفكار "سويدينبورگ" والموروث الهرمسي. هذه المجموعات أثرت على الشاعر الإيرلندي "ييتس" Yeats وعلى "جماعة الفجر الذهبي" Order of the Golden Dawn التي كان مقرباً إليها. كان الشاعر، تاريخياً، ساحراً أيضاً، وهذا ما ألهم "ييتس"، تماماً كما ألهم "بودلير"، أن يكون فيلسوفاً سويدينبورگياً. في كتابه "الديانة الباطنية لييتس" كتب "گراهام هو":

    "إن كل زعْم قيل من قبل المحدثين المؤمنين بالنشاطات السحرية حول الرابطة الأخوية بينهم وبين الجمعيات القديمة إنما هو زعم مشكوك فيه، أو خاطئ، أو ببساطة زائف. على أن الزعم الضمني للسلالة القديمة بأنها تنتمي إلى سلسلة معتقد وممارسة طقوس تمتد بعيداً في القدم يبدو بالدليل زعماً حقيقياً".

    وفي كتابه "رؤيا" A Vision يكتب "ييتس":

    "لو أني خُيرت أن أعيش شهراً في الزمن القديم لاخترت العيش في "بيزنطة" قبل أن يفتتح "جاستينيان" "سينت صوفيا" ويغلق أكاديمية "إفلاطون" بفترة قليلة. لأنني أعتقد أن بمقدوري العثور في محل صغير لبيع الخمور على عامل فيلسوف في صناعة الخزف قادر على الإجابة عن كل تساؤلاتي. الخارق للطبيعة ينحدر من الأعالي قريباً منه، حتى أقرب من "إفلوطين" Plotinus، لأنني أرى أن في "بيزنطة" المبكرة هذه، لا قبلها ولا بعدها، كانت الحياة الدينية والجمالية والعملية واحدة".

    إن الاعتقاد بأن "سويدينبورگ" والإيمان بموضوع السحر المتجانس قد تجذر لدى عدد من شعراء القرن العشرين ليبدو غير دقيق، ولكن فكرة ترابط الأشياء جميعها ببعض أصبحت فكرة رئيسية لدى الرومانتيكيين والرمزيين الفرنسيين وهي بالتأكيد وليدة تأثير "سويدينبورگ" وبروز النزعة السحرية في القرن التاسع عشر. لدى بعض الشعراء، مثل "ييتس" تلمس هذه العلاقة. أما لدى الآخرين فهناك تأثير ما نجده في المعنى الجديد للاستعارة، والطريقة الجديدة لاستعمال الرمز. بالنسبة لـ "تي. أس. إليوت"، نجد الأفكار التي تمتد جذورها إلى السحر المتجانس قد تطورت إلى نظريته "المعادل الموضوعي". في المرحلة الأولى من القرن العشرين نجد هذه الأفكار في شعر "اپولينير" Apollinaire، الكسندر بلوك Blok، روبن داريو Dario، أنتونيو متشادو Machado، بالإضافة إلى الشعراء الإيطاليين والألمان واليونانيين. هذه الانجذابات المتجانسة كفكرة بقيت تتخفى حتى بعد زوال الموجة الرمزية. نجدها لدى شعراء من أمثال "ريلكة" Rilke، "سيزار بافيس" Pavese، "توماس ترانسترومر" Transtromer، "ريتسوس"، "پابلو نيرودا" Neruda، وحتى شعراء أميركيين مثل "ماري أوليفر" Oliver. الاعتقاد بـ "ترابطية الأشياء ببعض"، التي حملها اليونانيون إلى "أورفيوس"، والتي انبعثت في عصر النهضة ولدى "سويدينبورگ"، يجده بعض الشعراء اعتقاداً جازماً، ويجده آخرون استعارة نافعة. وقد نقنع باجتهاد أن الشعر ما كان له أن يوجد لولا هذا الموروث الهيليني ولولا "سويدينبورگ".

ولكن دعنا ننظر إلى ممارسة الساحر في عصر النهضة عن قرب. تكتب "فرانسيس ييتس":

    بين روح العالم وجسده هناك Spiritus mundi، التي يتشرب بها الكون أجمع. وعبرها تنحدر التأثيرات النجمية إلى الإنسان. يمتصها إلى روحه هو وإلى كل Corpus mundi  وذلك لتجتذب spiritus التي تعود لكوكب معين بحيث يمكن الانتفاع من الحيوانات والنباتات والأطعمة والعطور والألوان التي ترتبط به. إن spiritus مولودة فوق الهواء وفوق الريح. وهي ضرب من الهواء الرقيق جداً والحرارة الرقيقة جداً. إن روحنا لتشرب روح العالم عبر أشعة الشمس وأشعة المشتري Jupiter بصورة خاصة".

إن "يتيس" تعيد صياغة "فيتشينو" Ficino، وهذه الأفكار تبدو غريبة علينا بالتأكيد، بالرغم من أننا قد نتعرف على المصطلح Spiritus mundi من قصيدة "المجيء الثاني" لـ "ييتس". "فيتشينو" نفسه كان يستعمل نصوصاً تُعزى إلى "هرمس المثلث الحكمة"، النصوص التي كان يُعتقد أنها معاصرة للنبي موسى، ولكنها في حقيقتها تعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلادي. تكتب "يتيس":

     "إن نظرية السحر... تعتمد على سلسلة: intellectus, Spiritus, materia (العقل، الروح، المادة). مادية الأشياء الدنيا ذات صلة نسَب بمادية Spiritus التي للنجوم. والسحر يصر على تسيير وقيادة التدفق الذي في Spiritus إلى داخل materia، وواحد من أهم السبل التي تتم بها هذه العملية هو سبيل "الطلسم"، لأن "الطلسم" هو شيء مادي استُحضرت فيه Spiritus التي للنجوم وخزنت به".

    في نصوص السيرة الذاتية التي كتبها "ييتس" نتذكر تجاربه مع الطلاسم والصور المثبتة في تأثيرها على أفكار وعواطف الآخرين. في Picatrix، وهو نص يعزى إلى "هرمس المثلث الحكمة"، قائمة من الطلاسم. هنا عدد منها ورد في كتاب "فرانسيس يتيس":

- صورتان لـ "زحل" Saturn.

"شكل رجل بوجه وقدمي بقرة. يجلس على عرش، يحمل في يمناه رمحاً وفي يسراه سهماً".

"شكل رجل يقف فوق تنّين، برداء أسود ويمسك منجلاً بيمناه ورمحاً بيسراه"

- صورتان لـ "المشتري" Jupiter.

"شكل رجل يجلس على نسر، برداء طويل"

"شكل رجل بوجه أسد وقدمي طائر، تحته تنّين برؤوس عدة، يمسك سهماً بيمناه".

- صورة لـ "القمر" (إله روماني Luna).

"شكل امرأة بوجه جميل فوق تنّين، على رأسها قرنان وحيتان حول جسدها، وحول كل ذراع حية، وفوق رأسها تنّين، وآخر تحت قدميها، وكل تنين بسبعة رؤوس".

    إن استعمال هذه الطلاسم يمنح الساحرَ قدرته الخارقة. "فيتشينو" أخذ هذه الطلاسم من نص Picatrix واستعملها لغايته.

    "يقول "فيتشينو": من أجل حياة طويلة وسعيدة لك أن تصنع صورة لـ "المشتري" على حجارة بيضاء صافية "في هيئة رجل متوج يقف على نسر أو تنين، برداء أصفر...". وبهدف الشفاء من المرض ينصح "فيتشينو" باستخدام هذه الصورة، "الملك على عرشه، برداء أصفر. بصحبة غراب وشكل الشمس..." وبهدف تحقيق السعادة وقوة الجسد ينصح بصورة الزُهرة Venus، شابةً وتمسك بتفاح وأزهار، وبثياب بيضاء وصفراء".

    ولكن دعنا ننظر لهذه العملية من زاوية مختلفة. إنها تفترض بصورة مسبقة حكمةً، ومعرفة وقدرة و Spiritus mundi (عالم الروح) الموجود خارج حدود الكائنات الإنسانية. وبواسطة التركيز على الطلسم المناسب، على الصورة والرمز المحددين، يملك الشخص أن يمسك بتلك الحكمة عبر ذاته هو ويحضرها إلى العالم المادي. وهذه هي في الحقيقة فاعلية الشاعر كما وصفها اليونانيون. نجدها لدى "هيسيود" Hesiod و"پيندار" Pindar وحتى "إفلاطون". بالنسبة لليونانيين، كما أوضح "دود" Dodd، "ينطوي الخلق الشعري على عنصر لا حرية للشاعر في اختياره بل هو مُعطى له. وكلمة "مُعطى" تعني "معطى بقدسية". ولكن الشاعر لا يستلم إلهاماً كهذا إلا بعد دربة شاقة وبعد تحقيق شروط تامة لفعل الخلق،الذي يعني عادة التركيز على طلاسم بعينها، لا تعدو أن تكون صورة لمصدر إلهامه. الشاعر "پيندار" يسأل الإلهام: "اعطني وحياً وسأكون المتحدث باسمك". وأكثر من ذلك -كما يقول جيْجر Jaeger- "يأخذ.. پيندار النسر كرمز لوعي رسالته الشعرية. والرمز هنا ليس مجرد صورة زخرفية. إنه يصف  الحالة الميتافيزيقية للروح حينما يقول بأن على جوهر هذه الروح أن يعيش في الأعالي العصية على المنال، وأن يتحرك حراً عبر ممالك الهواء البعيدة، فوق الكوكب الوضيع حيث يصرف المغفلون الثرثارون أعمارهم في البحث عن القوت".

    النسر هنا يقوم بوظيفة الطلسم عند "پيندار" وفي استحضاره إنما يستحضر الشروط الضرورية لعملية الخلق الشعري. ووصفة الكتابة هذه عامة: في أن تركز على صورة حتى ينشأ شيء آخر لها، حتى تُفتح بوابة لشيء ما أكبر حجماً، يقبل كما يبدو من عالم خارج هذا العالم. هذا ما كان الشاعر "ييتس" يعتقده، و"بودلير" و"الرمزيون"، ونجده أيضاً، وبخلاف قليل، عند "ريلكة".

    إن التركيز على الصورة يفتح الذهن على مجموعة جديدة من المعلومات، التي تأتي من الخارج، أو أنها  إنما تأي بدل ذلك من اللاوعي. إن الإلهام -وهو كما يبدو ليس أكثر من إدراك مفاجئ للاستعارة- يولّد القصيدة. والقصيدة تبدأ بفعل هذه الانجذابات المتجانسة، هذا الترابط الكوني، هذه المطابقات السويدينبورگية. أو ربما انعطافة للعقل اللاواعي أو شكل للتداعي الحر أو اتصالات رموز ببعض أو اكتشاف استعارة أو لاوعي جمعي كما رآه "يونگ". لا فرق. إنها مصادر تؤدي الغرض ذاته، ويعود الفضل فيها إلى "سويدينبورگ" والموروث الهرمسي عامة. بالنسبة لـ "ريتسوس" يولد التركيز على الصورة صوراً أخرى. فهي تنهل عليه وهو يستقبل ويستلم. انظر إلى هذه القصيدة:

 

نقطة

 

 

هدير عميق يدوّم حول كل نجم.

قوةٌ ما، سرية، محزنة

عتَّمتْ الأشجار.

 

نقطة التوجه الوحيدة في الظلام:

دورتا ضوء صغيرتان،

ركبتا امرأةٍ صامتة.

 

    إن المرأة الصامتة قد تكون بسهولة طلّسماً هرمسياً خرج من نص Picatrix، والهدير العميق قد يكون عالم الروح Spiritus mundi. ولكننا لا نحتاج أن نقرأ بهذه الطريقة. فما زلنا نعرف بأن هناك انجذابات بعينها يمكن أن توجد أيضاً في السحر المتجانس. في داخل القصيدة توجد قوة ما تربط النجوم والعالم الطبيعي والمرأة الصامتة ببعض. ونعرف أيضاً بأن "ريتسوس" يرى القصيدة كشيء استلمه وقام بمهمة تمريره شاهداً أو دليلاً على شيء خارق سريع الزوال لا يحسن فهمه هو نفسه. إنني لا أملك دليلاً بأن "ريتسوس" كان "سويدينبورگياً"، ولكنه بالتأكيد كان قارئاً متحمساً لـ "بودلير" وقد ترجم عدداً من قصائده. إن فهمه للانجذابات المتجانسة إنما انحدر إليه من بودلير والرمزييّن ومن فهمه لنفسه كوريث للثقافة اليونانية.

    يقول "جيجر" بأن الشاعر، في المرحلة اليونانية قبل القرن الخامس "كان زعيماً لا ينازع لقومه.. واليونانيين يشعرون دائماً بأن الشاعر، بالمعنى الأعمق والأوسع، كان مربياً ومعلماً لجمهوره" لأنه يملك مدخلاً لهذه الحكمة القائمة فيما وراء ذاته. وأكثر من ذلك، "أن الشعر يملك أن يربي ويعلم فقط حينما يعبر عن كل الإمكانيات الأخلاقية والجمالية للكائن الإنساني". والتاريخ اليوناني بالنسبة لـ "ريتسوس"، تاريخ حي، وآلهة اليونان مقيمة معنا مازالت.

 

من "پوسيدون"

 

المنازل على الشاطئ تتآكل يومياً.

بفعل الملح تتآكل، والشمس، والريح.

وفي الغرف تهجع مصاريعُ النوافذ على وجوهها نائمة.

وبين حين وآخر عند الظهيرة أو المغيب

يدخلُ صياد أو راع للتغوط.

وفجأة ثمة صوت صرير في خزانة الملابس.

قبل أن يعبر الصياد تُفتح خزانةُ الملابس من تلقاء نفسها.

في العمق تستند على الخشب المهترئ

مذرأة من الذهب، بثلاث شعب، تضيء.

يثب الصياد خارجاً وحزامه محلول بعد.

في كل اتجاه يومض البحر بلا حدود.

بلا مبالاته الأكثر توهجاً.

 

    بالرغم من أن الآلهة لا تُعبد، إلا أنها باقية على جلالها. وكذلك حضور القصص من الأدب اليوناني وأساطيره. إن استعادة هذه القصص هي واحدة من مشاغل "ريتسوس" كشاعر. هنا قصيدة حول "پينيلوپ"، زوجة "أوديسيوس".

 

يأس پينيلوپ

 

ليس صحيحاً أنها لم تتعرفْ عليه في الضوء المنبعث من النار.

بسبب أسمال الشحاذ، أو التنكر - لا. فعلاماتُه واضحة

الندبةُ على ركبته، الشجاعةُ، والنظرةُ الماكرةُ في عينيه.

كم بحثتْ عن عذر، وهي تستندُ، خائفةً، على الحائط.

لكي تحرر نفسها، لبعض الوقت، من الإجابة.

أمن أجله، إذن، استهلكت عشرين عاماً من الانتظار والحلم،

من أجل هذا الرجل الأشيب الناشف الدمِ البائس؟

انهارت على كرسيها خرساءَ،

وببطء استعرضت جثثَ الخاطبين على الأرض.

وكأنها تستعرض رغائبها ميتةً هناك.

ثم قالت: "مرحباً" بصوت بدا غريباً عليها وبعيداً.

في الركن غطى نولها السقف بظلاله.

وكلُّ الطيور التي نسجتها بخيوط حمر زاهية على الغصن الأخضر،

تحولت فجأةً الآنَ، في ليلِ العودةِ هذا، شاحبةً سوداء،

خفيضةَ الطيران في السماءِ الباردةِ لتحملها الأخير.

 

    قارئ "ريتسوس" يجد في شعره إحساساً عميقاً بمغزى ثقافي. فهو عبر عمله الكتابي يشعر بأنه يملك أن يُبقي حياً في الحاضر كلَّ ما كان مهماً في الماضي. وإيمانه بالانجذابات المتجانسة ذو أثر واضح لا يحسن إدراكه أكثر الكتاب رغم محاولتهم محاكاة مميزاتها. شعراء اليونان القدامى كانوا رجال سحر أيضاً. لأن الشعر والسحر كليهما يستعمل لغةً وصوراً لإنتاج شيء ما يظهر من لا شيء. كل منهما يعرض بينةً من عالم يرتمي وراء قدراتنا على فهمه وتفسيره. كل منهما يستعمل طلسماتٍ ليستحضر حكمة تبدو جديدة على عالمنا. والطلسم بالنسبة لـ "ريتسوس" قد يشكل صورة جد بسيطة. لننظر إلى القصيدة التالية.

 

ترابط

 

قال: "المرساة" - لا بمعنى إحكام الإرساء

أو ماله صلةٌ بقاع البحر - لا شيء من ذلك.

لقد حمل المرساة إلى غرفته، علقها في السقف مثل ثريا.

اضطجع ليلاً. وأخذ ينظر إلى هذه المرساة وسط السقف

عارفاً أن حلقاتٍ سلسلتها تمتد عمودياً إلى ماوراء السطح

ممسكةً، بعيداً فوق رأسه، على صفحة ساكنة،

بزورق مهيب. كبير ومعتم ودون إضاءة.

على ظهر الزورقِ ثمة موسيقي مسكين

أخرج فايولينتَه من حافظتها وبدأ يعزف.

بينما هو يصغي، بابتسامة يقظة،

إلى اللحن وهو يرشح صافياً عبر الماء والقمر.

 

    ربما نقول إن طلّسم المرساة قد أعطى ضمير الفعل "قال" (هو) الذي للقصيدة مخرجاً إلى عالم الروح Spiritus mundi وسمح له أن يسمع لحن الموسيقي المسكين يرشح من مصفاة الماء والقمر. أو ربما نقول بأن كل هذا استعارة. ولكننا لا نملك أن ننكر بأن شيئاً ما سحرياً قد حدث: سحر يبدأ مع نطق كلمة تقود إلى استحضار مرساة حقيقية، لحد أنها يمكن أن تعلق من السقف كثريا. ولكن ما الذي تفعله المرساة لصاحب الضمير "هو" في القصيدة؟ إنها تذكره بالوجود الذي يتمتع به المجهول. إنه يعرف بأن السلسلة تقود مرتفعةً إلى ما هو غامض وسري، وهذه المعرفة تسمح له بأن يصغي إلى الموسيقى، التي ستثبت له بدورها حقيقة اعتقاده وتوقظ فيه ابتسامته. القصيدة لا "تشير إلى معنى"، بمعنى أنها تنطوي على شيء ما يحتاج إلى تأويل وتفسير، إنها تحمل شاهداً. فالعنوان يدل على معنى الانجذابات المتجانسة ويثبت بذات الوقت كيف تعمل اللغة: فحيث تكون مرساة يكون زورق. وحيث يكون زورق يكون راكب. وحيث يكون راكب تحدث فاعلية. هذه السلسلة من الترابط تسمح لـ "هو"، الذي في القصيدة بأن يستمع إلى الفاعلية. دعنا ننظر إلى آخر قصيدة.

 

مُنمنمة

 

المرأةُ تقف في مواجهة الطاولة.

يداها الحزينتان تبدآن بقطع شرائح رقاقٍ من الليمون للشاي

كعجلات صفر لعربةٍ صغيرة جداً

صنعت خصيصاً لحكايةِ أطفالٍ خرافية.

الضابط الشاب يجلس على الطرفِ الآخر

غارقاً في كرسي قديم.

إنه لم يكنْ ينظر إلى المرأة.

أشعل سيجارة. يده التي تمسك بعود الثقاب ترتجف،

تلقي إضاءة على ذقنه الرقيق وعلى ممسكة قدح الشاي.

الساعةُ تمسك نبضها لدقيقة.

شيءٌ ما أرجئ. الدقيقةُ ولّت. ولا مرد لها الآن.

فلنشرب الشاي.

هل بإمكان الموت، إذن أن يأتي بعربة كهذه؟

يأتي، يعبرنا، ويذهب بعيداً؟

وهذه العربة وحدها الباقية،

بعجلات الليمون الصفراء الصغيرة

مركونة لسنوات على جانب الطريق بمصابيح مطفأة،

وبعد ذلك ليس غير أغنية صغيرة، ضباب قليل،

ثم لا شيء؟

 

    نستطيع أن نفرض شيئاً حكائياً على هذا النص. كأن نرى في المرأة باليد الحزينة أماً، وفي الضابط الشاب باليد المرتجفة والذقن الناعم ابناً لها، أو أن نرى فيهما عشيقين. على كل حال، لنا أن نتخيل بأن الرجل على أهبة الرحيل للحرب، وأن الشخصين في حالة استثارة وخوف يرغبان في التعبير عنهما ولكنهما لا يفعلان. "شيء ما أرجئ. الدقيقة ولّت". الضابط الشاب خائف مما سوف يحدث، خائف من أن يموت وهناك صلة وصل مع شرائح الليمون، التي تقوده إلى الموضوع الذي لم ينطق به أبداً. هذه ليست قراءة للنص مقبولة تماماً. ولكن على ضوء الطلسمات، تصبح شرائح الليمون الصفر صورة تولد صورة أخرى للموت يصل على عربة. بعدها، وبدافع التساؤل والفضول، نجد القصيدة ذاتها تأخذ مدى آخر، وتبعدنا عن الضابط الشاب. فالعربة تبقى مركونة لسنوات على جانب الطريق -وثمة أغنية صغيرة، ضباب قليل، ثم لا شيء. القصيدة تعطينا صورة صغيرة: منمنمة من هذه الأحداث. إن أحدنا ليجد صعوبة في إيضاح الأثر الذي تخلفه لمسة القصيدة فينا أو شرح معناها. القصيدة تستثير فينا كآبةً، حزناً لا يوجه لنا مباشرة بل لعقلنا اللاواعي. نحن نشارك في لحظة ميتافيزيقية تقاوم الإيضاح والتفسير ولكن تبقى مكتفية بذاتها. إنها تعطينا إحساساً بعالم أكبر بكثير مما تخيلناه سابقاً. فالمهم لدى "ريتسوس" هو أن ثمة رابطاً بين الكائنات الإنسانية وبين أن حياتنا الأرضية قد اتسعت. هذه هي وظيفته كشاعر: أن يعيننا في أن نحيا بفعل إيقاظنا على شيء ما يقع خارج نطاق وجودنا الدنيوي، وبفعل محاولة ربطنا بالغامض الذي تحتفي به قصائده.

 

تُرجمت هذه المقالة عن الإنگليزية من مجلة

Harvard Review

November 1993

 

 

 

 

 

الغلاف

افتتاحية

*

محمـد طالب : الظمــأ

شيركو بيكه س : 12  قصيــدة

طالب عبد العزيز : القصـــر

نصير فليّح : 4 قصائــد

معتز رشدي : أغنيــة صغيرة

 ياسين طه حافظ : 5 قصائـــد

فوزي كــريم : ثلاث قصائــد

*

سركون بولص : بغداد مركز أحلامي

ستيفن دوبينس : ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

فوزي كريم : الشعر العراقي: بانوراما

ناظم عودة : السيّاب الخيال المأساوي

*

 محمد خضير : شاعر باصــورا

حسن ناظم : انطباعات عن أيام خلت

عبد الكريم كاصد : قراءة في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

 طالب عبد العزيز : القصر

محمود النمر : الدرويش والمتاهة

زهير الجزائري : طفولة الحداثة الشعرية

*

حاضر الموقف النقدي : من المتنبي

حاضر الموقف النقدي : في قصيدة النثر

حاضر الموقف النقدي : في النص المفتوح

حاضر الموقف النقدي : في الفن التشكيلي

*

كريستوفر مدلتون: بعد الثمانين

معرض تشكيلي لشاعر الصمت

مقابلات مع شيموس هيني

القوى الغنائية

معرض رياض نعمة

مقالات نقدية في الشعر المعاصر

نعومي شهاب : شاعرة الحياة اليومية

ويندهام لويس : الرسام أم الكاتب؟

*

الشعر السويدي اليوم قصائــد مختارة: ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

الشعر السويدي: ترجمة ابراهيم عبد الملك

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009