العدد 14 لسنة 2009

 

السيّاب: الخيال المأساوي

 

    ناظم عودة

 

الداء يثلـج راحتـي ويطفئ الغـد في خيـالي

ويشـلّ أنفاسي  ويطلقهـا كأنفـاس الذبـال

تهتزّ في رئتيـن يرقـص  فيهما شبـح الـزوال

مشدودتين  إلى ظلام  القبـر بالـدم والسعـال

واحسرتاه! كـذا أموت كما يجفّ ندى الصباح

               بدر شاكر السيّاب

 

 

 

-1-

أغلفة دواوين السيّاب

في أحيان كثيرة، تفصح (الصور الفوتوغرافية) التي توضع على أغلفة الكتب عن معانٍ غزيرة، تُؤوَّل فيما بعد باللغة التي يمكن أن نطلق عليها لغة التفسير والتأويل. وهذه اللغة، تحاول أن تُنشِئ نصّاً من مادة سيميائية ماثلة في حيثيات الصورة الفوتوغرافية نفسها. فصورة بدر شاكر السيّاب، في غلاف أعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار العودة في سنة 2000، التي يتكئ فيها على عضده الأيمن، ويظهر فيها وجهه خالياً من أية مسحة فرح، تعبّر عن اقتران مباشر بتجربته الشعرية المثيرة. وألبومه الفوتوغرافي، الذي يضمّ عدداً قليلاً من الصور، يمكن اعتباره صورة واحدة في حقيقة الأمر؛ صورة جرداء من أيما سعادة. وقصائد هذا الشاعر مفرطة في تحويل كلّ شاردة وواردة من المأساة الإنسانية، إلى صور بلاغية تكاد تكون ناطقة بالألم. وبالرغم من قلّة صوره الشخصية، إلا أنّ هذا النـزر اليسير، يصنع نصّاً آخر ليس من كلمات السيّاب الشعرية في هذه المرة، بل من الدلالات التي يمكن أن تُستنبط من كلّ حركة في صوره الفوتوغرافية. لكنّ اللافت في هذه الصور، هو أنها ذات طبيعة واحدة؛ وجه متجهم وقاتم [ha1] بشكل أبدي، حتى أنّ الناظر إلى صورته في مؤتمر روما (1963) التي جمعته مع جبرا إبراهيم جبرا وفرحات زيادة وخليل رامز سركيس، يكتشف الانهيار الكامل في حياته، من خلال جلسته المنهارة على الكرسيّ، ومن خلال كسوف ملامحه وسط جلاسه المبتسمين قليلاً. وهذه الصورة لا تختلف عن صوره الشمسية المأخوذة في الثلاثينيات. وما بين الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، لم تتغيّر صورته، وظلّت كما هي من حيث احتفاظها بالمزايا السيكولوجية العميقة لشخصية السيّاب. واستناداً إلى الصور الفوتوغرافية التي يضمّها كتاب إحسان عباس عنه، بوسعنا أن نقول إنّ تلك الصور ليست سوى صورة واحدة تفصح عن معنى واحد هو أنّ: القدر والشعر يلعبان بالسيّاب، ويصنعان منه تراجيديا حقيقية، وهذا ما جعله يذهب، في رسالة بعث بها إلى خالد الشواف، إلى القول: إني أشقى مَن ضمّت الأرض.

يسعى واضع الصور الفوتوغرافية على أغلفة الكتب الشعرية، عادة، إلى تحقيق أكبر قدر من الاندماج بين ( السيرة الشخصية) لصاحب الصورة ونصوصه المنسوجة من خيوط الكلمات التخييلية، رغبة منه في استكمال نصّ مفترض طرفاه: السيرة من جهة، والنصّ الشعري من جهة أخرى. فالسيرة التي يمكن وصفها بنصّ مصغّر، لا يمكن تجاهلها في إعداد أية مقاربة لنصّ متخيل عناصره الأساسية الكلمات المموّهة عن أصولها الوضعية. وأغلفة الكتب المزيّنة بصور شخصية والمنتخبة انتخاباً خاصاً، هي جزء من السيرة الشخصية، وهما مادتا النصّ المصغّر الذي يعدّ رافداً من روافد استكمال النصّ. وعلى هذا الأساس، فإنّ الصورة الشخصية للسيّاب الموضوعة على صدر أعماله الصادرة عن دار العودة، التي تفيض كآبة، تهدف إلى الإشارة إلى وضعه المأساوي، الذي يجذب القرّاء إلى التعاطف معه بالإقبال على اقتناء أعماله. وهذا هدف تجاري كبير تحققه دور النشر عادة، لكنّ صاحب الصورة يظفر أيضاً بشيء آخر، هو تسويق جمالياته وأفكاره بتزايد عدد قرّائه. وعلاوة على ذلك، فهي تهدف إلى تضمين الزمن في الصورة ذاتها، ليسحب معه النظام الثقافي الذي انتعشت فيه قصائد هذا الشاعر، فكأنّ غاية الصورة هي إيجاد أفق للقراءة أيضاً. ومن هنا كانت ( تسريحة شَعَر) السيّاب في صورته تلك تتضمن عنصر الزمن، الذي أنجب طبقة من الشعراء والنقاد والمثقفين الطامحين إلى تحديث الثقافة العربية. ومن جهة ثانية، تكشف تقطيبة جبهته التي صنعت خطين لحميين متجاورين، وتهدّل جفنيه العلويين فوق عينيه، عن بنيته السيكولوجية المعقّدة والوسواسية والمريضة.

وقد حظي السيّاب بجمهور عريض من القرّاء، بسبب شخصيته الوسواسية ومأساته الوجودية أولاً، وتمكنه من استبطان المأساة الإنسانية الحقيقية، ومن ثمّ منجزاته الجمالية الخارقة ثانياً. التي نقل فيها الشعر العربي من الطريقة الكلاسيكية في النظم إلى طريقة جديدة تماماً. تستند إلى تغييرات جمّة في الشكل الموسيقي واللغة الشعرية والصورة البلاغية، مقرّباً المسافة بين الشعر وجمهوره من جهة، والشعر وعصره من جهة أخرى. ونتيجة لما قام به السيّاب، كانت القصيدة العربية الجديدة تتخلّص شيئاً فشيئاً من عقَد البناء الكلاسيكي، الذي يستهلك كلماتٍ كثيرة ولا يقول إلا النزر اليسير. ولم يقف السيّاب عند هذا الحدّ، بل أراد أن يدشّن مجالات جديدة في الأشكال والإيقاعات والموضوعات، فعقد لقاء محبة بين القصيدة العربية والأسطورة، لم يزل إلى الآن محلّ اختبار واكتشاف في الشعر العربي المعاصر. وأفضى ذلك إلى تزايد عدد الباحثين والمنقبين عن التراث الأسطوري لدى العرب. وعندما أدخل السيّاب مفهوم القناع إلى القصيدة العربية، كانت اللغة الشعرية تضع يدها على خزانة من الرموز التي لا أوّل لها ولا آخر. ولم يكن يصبو إلى أن يكون مجرّباً في المقام الأول، بل أراد أن يوسع نطاق تجربته الذاتية، ويعطيها بعداً إنسانياً، من خلال دمجها بالتراث الإنساني في جانبيه الأسطوري والتاريخي. ويعود تزايد عدد قرّائه، إلى بروز جزء حسّاس من سيرته، أصبح فيما بعد من المرويات المثيرة المرافقة لأعماله الشعرية، ومن ثمّ مفتاح قراءتها.

وما الأغلفة إلا (بنية استجابة) لتلك الأعمال، ما انفكّ الناشرون والمبدعون يسارعون إلى إحكام صنعتها، لإحكام حبكة السيرة والنصّ معاً. ولذلك فإنّ التخطيط المقتبس حرفياً من صورة السيّاب الشخصية والموضوع على صدر أعماله الكاملة، لا يغفل المحافظة على تلك الحيثيات الخاصة بالزمن أو الحالة السيكولوجية. الصورة الشخصية الموضوعة على أغلفة الكتب تنسجم، عادة، مع العناصر الأساسية في السيرة الشخصية، والقارئ هو المقصود في هذه العملية كلها.

وتبدو العلاقة بين (الصورة الشخصية) والصورة اللغوية محكومة بقانون جمالي، هو أن الصورة أكثر إيحاءً للعين، وتحفيز سائر الحواس الأخرى لتَقَبُّل الإيهام بحقيقة المعنى. الصور الشخصية تحاكي الأصل تماماً، على عكس الصور البلاغية المتخيلة لشخصية بدر شاكر السيّاب، التي تنتخب المحاكاة الرمزية وسيلة لتمثيل المعنى. وعَبْر القصائد الكثيرة التي تركها السيّاب، كانت صورته النصية تتشكل على وفق معايير عاطفية وذاتية متغيرة، تتحكم في مخيال هذا الشاعر وفي لغته وحسّه الجمالي. ومن يتأمل هذه الصورة، سيجد أنها صورة خرافية، ملونة بألوان المأساة التي تتفق مع قاعدة النصّ المأساوي. تطمح النصوص التخييلية دائماً أنْ تتطابق الصورة البلاغية مع الصورة الحقيقية للأشياء في عمليةٍ من الإيهام الجمالي الفذّ، الذي يضع المخاطَب في قلب هذه العملية. لأنّ في تلك المطابقة إيهاماً مؤثراً، وهذا هو الأسلوب الأكثر نجاحاً في جعل القارئ داخلاً في لعبة النصّ نفسه. ولذلك فإنّ أغلفة كتب الشعر كانت تختار، في مدة من الزمن، الصور الحقيقية أكثر من اختيارها الصور التشكيلية المتخيلة، رغبة منها في تشكيل نصٍ آخر، يساهم بقدر من التأثير في القارئ. وظلت هذه العادة سارية إلى الآن في المجموعات الكاملة للأعمال الشعرية تحديداً. وعندما ابتعد الشعر عن مرجعيات محددة واقترب من التجريد، كانت أغلفة الدواوين تستعمل لوحات من مذاهب الرسم التجريدي الحديث. أملاً في أن يحظى الناشر، والشاعر أيضاً، بأيّ تفسير مقارِب من القرّاء الذين يواجههم الغلاف أول وهلة. وأحياناً، ليس ثمة مقاربة بين لوحة الغلاف ومضمون الديوان الشعري، لكنّ الناشر والشاعر يعوّلان على قدرة اللوحة على التأثير لأسر ذائقة القارئ. ويجتهد مصمّمون آخرون بتصميم أغلفة ذات دلالة مقاربة لمضمون المجموعة الشعرية، كما هو الحال في غلاف مجموعة (أبجدية ثانية) لأدونيس، فقد اختار مصمّم الغلاف ( كمال بُلَّاطة ) لوحةً من عمله هو بعنوان (الألف) مرسومة في سنة 1993 لتكون غلافاً لهذه المجموعة؛ لأنّ اللوحة والمجموعة تشربان من مشرب واحد هو اللغة أساساً شكلياً للعملين.

إنّ هذه الأغلفة مصممة بشكلٍ مقصود، لترويج فكر المؤلف وصورته معاً، أحدهما يغذي الآخر، كل منهما يستكمل النقص المستمر للمعنى، أو يعطيه حيوية ما، أو يعرضه بطريقة لائقة ولافتة للتلقي. إذ تشهد أغلفة الكتب من مدّة لأخرى تحوّلات نوعية في جنس الغلاف نفسه، فمن الغلاف المجرّد من الصورة إلى الغلاف المرصّع بصورة المؤلف، إلى الغلاف المصمَّم على وفق تخطيطات ورسوم يختارها مصمِّم دار النشر نفسه، إلى الغلاف المزيّن باللوحة التشكيلية التي تنسجم ومضمون الكتاب. ورافق ذلك تحوّل في استعمال الألوان، إذ أصبح الغلاف نصاً آخر ينتجه المصمِّم.

كلاهما، إذن، النصّ والغلاف يؤلفان نصّاً آخر ذا وظيفة أخرى، تهدف إلى تمثيل الثقافي والسيكولوجي في آن. وعلاوة على ذلك، فهو يسعى إلى تحقيق أقصى درجات التأثير والتوصيل. وبمقتضى هذا التفسير لطبيعة الغلاف، كانت الأعمال الشعرية للسيّاب ممهورة دائماً بصورته التي تُظهر أو توحي بعالمه المأساوي. وهذا ما يغري قارئه بالبحث عن التماثل النصّي بين نصّ اللغة في دواوينه الشعرية كلها، ونصّ سيرته المؤطّر بسياقات شتى. وما صورة هذا الشاعر على أغلفة دواوينه، إلا مفتاح البحث عن ذلك التماثل. أغلفة ذات نظرات منكسرة، وإطراق ينمّ عن وجع وجودي في الجسد والفكر معاً. أغلفة مصابة بالكساح أيضاً، لا تقوى على السير، وهذا كله يجري في صلب مأساة السيّاب. وعندما تُقرأ أشعاره، أو يُستمع إلى نبرات صوته النحيف مثله وهو ينساب كصوت امرأة ثكلى، تُتخيل صورته الجسدية، فتتشكّل صورة أخرى غير مطابقة للأصل: إنها تتكون من صورة التخييل وصورة الواقع معاً.

 

-2-

نصُّ الجسد المريض

من بين نصوص بدر شاكر السيّاب، ثمة نصّ مخصوص يمكن توليفه عن جسده المريض. وما هذا النصّ المنسلّ من قصائد السيّاب، سوى نصّ محوريّ يسعى إلى تكرار الحديث عنه في معظم قصائده. حتى أنه بات ينتجه بخيالٍ خلاق، وصارت للمرض ذاكرة قوية لديه. وعندما مات خاله بداء السلّ في سنة 1948 (تصوّر أنه هو الذي مات بالداء نفسه) فكتب قصيدة (رئة تتمزّق) التي يتخيل فيها نفسه مريضاً بالسلّ الرئوي. وأفضى به هذا التصوّر العليل، أن يتخيل ميتة مأساوية أيضاً، تحدث بحلم من صنع مخيلته الخصبة، يموت فيه غرقاً في هذه المرة:

أيها الشاطئانِ أوهى جليدُ المـوتِ كفّي فأرختِ المجدافا

وكأني أرى بعينـيَّ غوراً     قاتماً أحتسي دجاهُ  ارتجافا

أهبطُ الموجَ سلّمـاً باردَ الألوانِ حتى  أعانـقَ الأصدافا

يا لمثواي أعظماً قضقضتهنَّ الأعاصيرُ والعبـابُ اجترافا

حيث لا نادبٌ سوى اللجِّ زخّاراً على أضلعي يعيد الهتافا

[إحسان عباس/ص 110، 111 / وقد انفرد إحسان عباس بنشر هذه القصيدة].

ولم تكن هذه هي المرّة الوحيدة التي يحلم بها السيّاب بميتة متصوّرة، في سنة 1946 بعث رسالة إلى خالد الشَوّاف، يقصّ عليه حلماً من أحلام الموت التي تلاحقه باستمرار، قال ما نصّه: هناك عند السدرة النائمة قبر مستوحد غريب رأيت أني راقد فيه تحت الحصى والتراب في ظلمة بلهاء... يكاد ثقل الثرى يخنقني خنقاً. [ إحسان عباس/ ص83] كان السيّاب يشعر بهذا الإفراط في الرؤيا المأساوية للأشياء، فقال: كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن أخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري... لكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظّ الخائب... إنّ كلّ الكون، الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة، ذابلة في عينيّ الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة. [ نفسه ص81]

وفي لفتة فنية من لفتات السيّاب للتخلّص من ذاتيته المفرطة، أراد أن يقوم بإدماج هذا العالم المريض بموضوعاته الأخرى، ليخاطب القارئ بلغة مأساوية مؤثرة. ويهدف من وراء هذا الإدماج أن يحمّل المجتمع والنظام السياسيّ مسؤولية انحطاط صحته، التي يعود السبب الرئيس في تدهورها إلى عوزه، وعدم الرعاية اللازمة التي كان يبحث عنها بين أحضان النساء، وهو لا يتردد في الحديث عن ذلك في معظم قصائده.

في أحيان كثيرة، كان جسده المريض يتحوّل إلى مرآة عاكسة لواقع مريض أيضاً، ففي قصيدة ( المومس العمياء) تنتقل عدوى العمى من المومس إلى المدينة، التي ترمز إلى الواقع في الشعر الحديث. عمى المدينة يشير إلى فضاء مغلق في السياسة والاقتصاد، وهما عينا المدينة تتطلع بهما إلى العالم الرخيّ. وتكظم هذه المدينة العمياء في الليل والنهار، صورةً لمجتمع يرزح تحت أشكال القهر والخوف والفقر:

عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينه،

والليل زاد لها عماها. [ المجموعة الكاملة ـ دار العودة ـ 2000ـ المجلد الأول ص510]

ولكي يكتمل المشهد الدرامي لدى السيّاب، فإنه ينقل صورة العَوَق والمرض من مستوى التجريد ( الليل) إلى مستوى الحقيقة، فيتحدّث عن عابرين يحملون على ظهورهم أضلعاً متقوّسة ومرعوبة:

والعابرون

الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،

والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها [ المصدر السابق ص510]

في الأربعينيات، لم يكن نصّ الجسد المريض واضحاً لدى السيّاب، كان (نصّ الروح المريضة) أكثر وضوحاً. تلك الروح المعذّبة بإخفاقات شتى، والملفوفة برباط رومانسيّ قاتم. واللافت في هذا العقد، أنّ جسد السيّاب كان يتمتع بقوة جبّارة، تقيّد الروح بسلاسل قاسية:

فقلتُ: وروحي بذلّ الأسار     رمتها قوى الجسدِ العاتيه

فما خفقات فؤادي سـوى     رنين سلاسلها القاسيـه

[ المصدر السابق ـ المجلد الثاني ص99]

كان الجسد في هذا العقد هو الجسد الثائر، والفائر بشهوة مكبوتة لا يتسنى له إخفات نارها. وكان نصّ الجسد لدى السيّاب، في جانبه اللغوي، مطبوعاً بطابع الإثارة التي تكشف عن عالم النزوات الخفيّ؛ عالم الإثارة الشهوانية الطاغية، التي تحوّل اللغة من وظيفة الإبلاغ المباشر إلى وظيفة المتعة الخالصة. فهذا النصّ، إذن، سيرة للمحظورات والرغبات العصية، سيرة للعالم الجوّاني المحض لشاعر خائب في حكايات حبّه. ولذلك كان نصّ الجسد في أشعار السيّاب، يتضمن مجموعة من المجازات البلاغية الخاصة بصراعاته الجنسية، تتفاعل بقوة مع أعماله الأخرى، لتنشئ أسطورةً لشاعرٍ مفترض، تظل سيرته خصبةً في مخيال القارئ:

تلك الدماء بقلبه المتضرِّم     تغلي فتدفع جسمه للمأثم

رد الهوى أحلامه مشبوبة     ناراً، فحلل فيه كلّ محرَّم

 [ المصدر السابق ـ المجلد الثاني ص339]

كان السيّاب يعتقد أنّ جسده المريض والمسجّى بين أناس معافين، ليس سوى حالة استثنائية. ولذلك فهو دائم المقارنة بين جسده وسائر الأجساد الأخرى، ولا يكفّ عن الحلم بمكان يتوفّر على عناصر الحياة القوية. ويبدو أنّ اقتراب صورة الجسد المريض من مجال الإثارة الأدبية، جعل السيّاب يحمل هذا الداء العضال الذي ألمّ به إلى قصائده. فأسفر ذلك عن نصّ مصغّر هو نصّ الجسد المريض، الذي يختار عناصره اللغوية من معجم زاخر بألفاظ الداء العضال، والإعياء الشديد:

آهِ لو تدرينَ ما معنى ثوائي في سريرٍ من دمِ

ميّتَ الساقينِ محموم الجبينْ

تأكلُ الظلماءَ عينايَ ويحسوها فمي

تائهاً في واحةٍ خلفَ جدارٍ من سنينْ

وأنينْ

مستطار اللبِّ بين الأنجمِ

[المصدر السابق ـ المجلد الأول ص649-650 ]

ربما أدرك السيّاب، وارث المأساة الخالدة في ملحمة جلجامش، أنّ جسده المريض يصلح أن يكون مأساة خالدة أيضاً، تتمرأى فيها النفوس المكلومة للبشرية. ففي المقطع الآنف، ثمة لغة مريضة أيضاً، ستّ جملٍ مريضة، وسبع كلمات أو عبارات منقّاة من معجم المرض كذلك: آهِ/ ثوائي في سريرٍ من دمِ/ ميّتَ الساقينِ/ محموم الجبينْ/ تأكلُ الظلماءَ عينايَ/ ويحسوها فمي/ وأنين. وترتّبت عليها نتيجتان مؤلمتان: تائهاً في واحةٍ خلفَ جدارٍ من سنينْ/ مستطار اللبِّ بين الأنجمِ .

وعلى هذا الأساس، فإنّ قراءة بدر شاكر السيّاب لا تتجه صوب لغة النصّ وحدها، وإنما صوب اللغة والجسد في آن، أحدهما يقرأ الآخر، لتُستكمل صورة مفترضة من النص والجسد. ولا يعني ذلك أننا نبتعد كثيراً عن المنطلقات العلمية للقراءة، فثمة وشيجة كبيرة بين النفس والشعر والجسد.


 

 

 

 

الغلاف

افتتاحية

*

محمـد طالب : الظمــأ

شيركو بيكه س : 12  قصيــدة

طالب عبد العزيز : القصـــر

نصير فليّح : 4 قصائــد

معتز رشدي : أغنيــة صغيرة

 ياسين طه حافظ : 5 قصائـــد

فوزي كــريم : ثلاث قصائــد

*

سركون بولص : بغداد مركز أحلامي

ستيفن دوبينس : ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

فوزي كريم : الشعر العراقي: بانوراما

ناظم عودة : السيّاب الخيال المأساوي

*

 محمد خضير : شاعر باصــورا

حسن ناظم : انطباعات عن أيام خلت

عبد الكريم كاصد : قراءة في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

 طالب عبد العزيز : القصر

محمود النمر : الدرويش والمتاهة

زهير الجزائري : طفولة الحداثة الشعرية

*

حاضر الموقف النقدي : من المتنبي

حاضر الموقف النقدي : في قصيدة النثر

حاضر الموقف النقدي : في النص المفتوح

حاضر الموقف النقدي : في الفن التشكيلي

*

كريستوفر مدلتون: بعد الثمانين

معرض تشكيلي لشاعر الصمت

مقابلات مع شيموس هيني

القوى الغنائية

معرض رياض نعمة

مقالات نقدية في الشعر المعاصر

نعومي شهاب : شاعرة الحياة اليومية

ويندهام لويس : الرسام أم الكاتب؟

*

الشعر السويدي اليوم قصائــد مختارة: ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

الشعر السويدي: ترجمة ابراهيم عبد الملك

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009