فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

كاردينيا .. الملاذ والأسى

جاسم العايف

 

في العودة إلى كاردينيا(1) ثمة  محددات لانفجار الذاكرة المرتعشة بين المشاهد المتوترة والمتزامنة مع  الأهداف والمعاني. الذاكرة التي تحاول الإحاطة بالأشياء والأحداث لتعكس نشاطها الحياتي فكرياً، ثقافياً، على نحو يثير ويفجر جماليات السرد ولغته الشعرية بالتزامن مع أسى الذاكرة وملاذها، بعيداً عن الاندثار في تحديد للماضي وآثاره في ضوء مشاعر الحاضر ورؤاه, وبوصول المنفي- الراوي- إلى لندن (شاحب الوجه كثير الوسواس بسبب الكحول) حاملاً معه (أكياس الشاي والسكر وصابون الرقي والليفة الخشنة ومعجنات الكليجة) والقليل من الكتب والكثير من الأفكار- أسلحة الأعزل- مناجياً النفس بأنه وصل (مدينة كيش اللامرئية) مواجهاً المدينة التي تعبق برائحة الماضي والقدم محاولاً الانغماس الحذر في العوالم الجديدة بعيداً عن مدينته، وطنه،المقهورة..

(( لا أسأل إلا عن وطن يسأل عني  

وأغني حيث أشاء))

لا يملك الغريب إلا التحديق في الذكرى والاستجابة لها والبحث عن المصائر الشخصية لأعزاء (هرستهم عجلة المرحلة البربرية) وتظل أمام مصائرهم الإنسانية  -المفجعة القصائد والأقوال والأفعال عاجزة عن العزاء والسلوان, عباس فاضل رسام الكاريكتير، مات بفعل الخمرة التي غرق فيها وترافق ذلك مع مادة سامة دست له اثر اعتقال في مديرية أمن بغداد، شريف الربيعي وسرطانه الذي حمله معه من بغداد ليطوف معه كل المدن التي لجأ إليها حتى يجهز عليه في لندن ،محمود جندراي مات، بعد خروجه من ثلاث سنوات، سجن لأنه سمع كلاما ضد السلطة ولم يكن واشياً كما تريد له، منهل نعمة مات تحت التعذيب،والمصير ذاته لجعفر حمودي الذي لم تشغله المحاكم والمحاماة عن الشعر وبوحه العلني والخفي، وبموت حسين مردان ينمسخ تاريخ التشرد العراقي (ومحاولته المتباهية للانتصار للفردية والانا التي تلجأ للاحتجاج والصراخ).عبد الجبار عباس، فخامة الروعة والتدفق، بمواجهة السلطة(التي أغلقت كل النوافذ بوجه طلاقته الاحتفائية وعدم صلاحيته للتوافق) مع إعلام وثقافة المرحلة ، وموته السريع الفاجع بسبب حرقة القلب (الحرقة التي لا تكشف عن أعراضها لعين أخرى غير عين الضحية)،  إزاء هذا المشهد وغيره ،وهؤلاء وآخرين من(الانتلجنسيا)العراقية الذاوين في الغرف المغلقة، المختومة بشعاراتها البراقة(الثورية التقدمية والديمقراطية والاشتراكية) التي عبّد طريق تطورها(اللارأسمالي) آلاف المغيبين ومثلهم ممن عاشروا المنافي متوجسين المخابراتيين وكواتم مسدساتهم بعد هروبهم برفقة الأدلاء من المهربين وبدو الصحاري. بمواجهة هذه المصائر تقف السلطة القامعة وأزلامها الأعرفون بكيفية ذر الملح و(البول) على جراح الضحايا.

 شعراء وكتاب قبائل العرف القومي البعثي المناصرون القبيلة والعشيرة الخالدة، لا الحرية والنبالة والحقيقة والبراءة والذين سعوا إلى التحرر من المسؤولية الأخلاقية  والكذب على الذات بإيجاد المبررات الأيدلوجية الوطنية - القومية لجرائم السلطة وممارساتها المتوحشة وقساواتها عبر شعرهم وكتاباتهم وأغانيهم ومدائحهم التي تنزوي الآن عارية بعهرها على الورق- ص74- هؤلاء تحفظ الذاكرة تواريخهم وخنوعهم ووضاعتهم ووشاياتهم السرية و(نموذجهم) المكثف لثقافة المرحلة السياسية تلك (شبه الريفي المعبأ بقوى نظرية هي حصاد جمل مستلة من الكتب) والمنسلخ بخفة المهرج من قناعاته السابقة وتوظيفها للارتزاق والمنافع الخاصة، وسعيه المتواصل في محاولة هجينة إلى إيجاد توافق بين فكر حزب السلطة القومي- البعثي- الفاشي وبين تلك المرحلة التي كانت تدفع بالعراق نحو اليسار والغنى والتدفق الاجتماعي والتنوع الثقافي- السياسي متجاوزا بحيوية نخبه السياسية -- الثقافية وارثه التنويري الباهر  مآ سي ومجازر الليل الدموي البعثي القومي الذي عصف بالعراق في 8 شباط  63 واجهزعلى جنين التحولات الوطنية الديمقراطية التي تميزت بها ثورة 14تموز،  أولئك الذين اندفعوا نحو غرائز الانتقام من ماضيهم وخيباتهم الحزبية ، محاولين التطهر بالماء الملوث الذي يسكبه حزب (ميشيل عفلق)  عليهم, ومع ذلك ففي عرف القبيلة لا غفران ثمة, حيث أخفى المجهول- المعلوم البعثي المصير بعد تنظير كبير وصراخ عالٍ هستيري طوال عقد السبعينيات ،ص122 - 123 .

تقع كاردينيا الخمارة في أبي نؤاس بمواجهة مبنى المجلس الوطني عبر النهر- الذي يحدد فيه السفلة القتلة من سقط المتاع والأوباش قدراتهم على التحكم والتسلط على البلد والتاريخ والمصائر والحياة وفي كاردينيا وفي عتمتها وطقوسها  تندحر الروح المشرقة وتتجاور الأفكار والعقائد معلقة في بوح المزاعم السري او العلني،( حيث يرى روادها الفانون أنفسهم كالشموع منطفئين ذابلين عبر حصار ثقافة الإعلام ) التي تريد وتبحث عن مثقفين (عرب) تدعمهم بالأموال والمناصب ليرتقوا المشهد ، زنخي الضمائر قوّالين، كذابين، متواطئين مع السلطة تدعيماً لمشروعها القومي الزائف وتتوجه السلطة ذاتها- إلى العراقي عبر الترهيب بالقوة والبطش والتهديد والتغييب ليصبح المثقف العراقي بالذات عبداً للسلطة ولتهيمن  عليه حالة دائمة من التوتر للدفاع عن النفس والقناعات في وطن (لا دولة فيه ولا قانون ، محدقاً كالمعتوه، مأخوذاً بالمشهد) وتقاليده السرية المتكررة دون نهاية، حيث جاهل انقلابي معتوه، مغامر، مقامر، مشبوه، (يرتقي سدة الحكم مع سلاحه ومرتزقته حوله يرتقون جثث الدستور والقانون وحقوق الإنسان) ليستبيحوا الشرف والذمم .

 في منطقة (العباسية) ومن مكتبة (حسينية كرادة مريم) وجاذبية الكلمات والسطور ورائحة الكتب تبدأ المغامرات الأولى، انخطافات الحكايا وسحر القصص وراعي الحسينية السيد حسين المنفتح، التقي المتفتح, وبحصة المكتبة من التبرعات والهبات تفد من سوق السراي وغيره الإصدارات الجديدة في بيروت والقاهرة لتزيح الكتب القديمة المملوءة بالعقائد الأخروية ووعودها التطمينية  والتطهير والموت نحو الرفوف العلوية لترقد نائمة، مغطاة بالغبار والسنوات، وتوقد الكتب الجديدة  الأذهان  وتشكل الأرواح بحداثتها وعصريتها وبعد وفاة السيد ( حسين ) مباشرة, هبط( سيد لبناني) متوقد الحماس لخوض المعارك ضد العقائد الدنيوية ودنسها حسب تصوراته ،وبسطوته الدينية وبلاغته التطهيرية مقفلة الأفق وخطبه النارية الهجومية ضد الشيوعية والوجودية والاشتراكية, جمع كل الكتب الجديدة المثيرة لريبته  وشكوكه في أكياس وألقاها في دجلة .. دجلة مثوى  جثث العراقيين وكتبهم , دجلة الذي يمر بالعباسية الريانة بظلال النخل وبرودة الصفصاف ورائحة الأسماك الطرية والشواطئ الآمنة والنارنج ومزارع الباذنجان وأشجار التوت المحنية على الماء حيث تسبح الأغصان في نهر الأساطير المشبع بالحكايا وجمر المصائر، كل ذلك أزيح من المشهد المديني ،  حيث (فككت الصراعات العقائدية والفوضى السياسية) معمار الحياة العراقية المدنية وهو في مستهل تطلعه إلى الوجود وعبر حزب البعث وتاريخه الدموي وعائلية سلطته من أبناء (العوجة) الغرباء الذين يتصرفون بدافع اللصوصية وهم في أعلى مناصب الدولة وأجهزتها المختلفة  ،الذين قذفتهم مئات السنوات من العراء والغبار والجفاف والقيظ , أبناء البراري المطروحة خارج المدن  الوافدين من سرية الحزب الحاكم ومن قدراتهم على القتل والسرقة والاستمتاع بالجريمة وبهيمنتهم القروية و العائلية السلطوية- البعثية، امتلكوا قمة الهرم ليحاولوا  تحويل كل ما تحتهم إلى مرتزقة وخدم وليحققوا كل ما يريدون أو يرغبون،مدفوعين بهوس الأحقاد والانتقام والثأر مشرعين الزنازين العلنية والسرية - ص165- مستولين على العباسية -الوطن- ملثمين بالمشاعر القومية العرقية الطائفية في نزعات الاستحواذ المدعوم بالاستبداد  والانتقام وهوس الحروب وديمومتها التي تحولت إلى إرث لكل عراقي.

البصرة / حزيران/ 005 2

مواقع على النت

 

 

من الغربة حتى وعي الغربة
 

ادمون صبري- دراسة ومختارات

 

مدينة النحاس

 

 ثياب الامبراطور

     منصور عبد الناصر  

 

 العودة الى كاردينيا

      كاظم الواسطي

       مقداد مسعود

       فاطمة المحسن

       ماجد السامرائي

       د.حسن مدن

      كاردينيا كاظم محمد

      جاسم العايف

      ابراهيم عبدي

     ماجد السامرائي  

     شكيب كاظم

     توفيق التميمي

 

 الفضائل الموسيقية
 

 يوميات نهاية الكابوس

        كاظم محمد
         محيط

         البيان

 

كتاب تهافت الستينيين

       ابراهيم عبدي

       جريدة البيان

        صحيفة الثورة

        مشعل العبدلي

       سعد هادي

 

القصيدة، لحظة الولادة، قيد التأليف
الشعر الإنكليزي المعاصر، قيد التأليف

اللحظة الخالدة، قيد التأليف
الموسيقى والتصوف
الموسيقى والرسم، قيد التأليف
الموسيقى والفلسفة، قيد التأليف
رسول السحب،، قيد التأليف
صحبة الآلهة، قيد التأليف
مراعي الصبّار، قيد التأليف
 

 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail