العدد 15 صيف 2009

 

جيشلاف ميلوش:

 

عالــــمٌ يتصــــاعــدُ دخـــاناً

 

تشارلس سيميك[1]

 ترجمة : فــلاح  رحيم

 "في هذا العالم

  نحن نمشي على سقف الجحيم

 وعيوننا إلى الأزهار"

 

 

  إيسا[2]

 

سيميك   و   ميووش

 

"كتبوا وكأن التاريخ لا يعنيهم في كثير"؛ هكذا كما أتخيل ستصف دراسة مستقبلية ما للشعر الأمريكي عمل شعرائنا في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. لقد اعتقدوا، شأنهم في ذلك شأن الكثير من مواطنيهم أن بإمكانهم معظم الوقت إغماض أعينهم عما يحدث في العالم، شاغلين أنفسهم بحياتهم الخاصة دون التوقف عند ظاهرة الشر. يمكن أن يعلق جيشلاف ميلوش على هذا بأن ثقافة أدبية مترهبة ما هي إلا قفص يُمضي فيه المرء حياته في مطاردة ذيله.الإدراك عبر التجربة الخاصة أن ليس ثمة شيء، مهما بلغ من الدناءة، يمكن أن يمتنع البشر عن اقترافه بحق بعضهم بعض ظل حتى الآن معلومة يختص بها آلاف المهاجرين الذين ستبدو قصص حياتهم، حتى لو تمكنوا من فهم معناها، صعبة التصديق وتفتقر إلى الاتساق. إن كل من مرّ بأهوال القرن الماضي وحافظ على بقائه سيجد نفسه متوفرا على تجربة لا يكاد يمكن إيصالها إلى شخص مازال يؤمن بالطبيعة الخيرة فطرة في الإنسان.

 

       أمضى ميلوش السنوات بين 1939 و 1945 في وارسو، حيث كما يقول،" كان الجحيم ينتشر على العالم مثل قطرة من الحبر على ورق نشاف." وقد كانت تلك الحرب وسنوات الاحتلال أكثر دموية في بولندا منها في الغرب. في بلدان أوربا الشرقية، التي كان يسكنها أناس قُصد لهم أن يبادوا ويستخدموا في الأعمال اليدوية، قتلت الحرب الملايين وكادت تدمر الأساس الأخلاقي لهذه المجتمعات برمته. بدلا مما كان يعتبره المرء حياة عادية قبل يوم، حدث ما لم يكن بالحسبان. في إحدى القصائد المبكرة من الأعمال الكاملة والجديدة، وقد كُتبت عام 1932، يقرُّ ميلوش بالمهمة التي تنتظر الشاعر وتبدو مستحيلة:

 

              لا تكفي حياة واحدة.

              أود لو عشت مرتين على هذا الكوكب الحزين

              في مدن وحيدة، وفي قرى جائعة

              لأرى كل الشر، أرى تحلل الأجساد،

              واخترق القوانين التي يخضع لها الزمن،

              الزمن الذي يعوي فوقنا مثل ريح.

 

 

ولد جيشلاف ميلوش عام 1911 في سيتجنيا، وهي منطقة من لتوانيا صارت موضع نزاع بعد أن استقلت بولندا عام 1918. كان والده مهندسا مدنيا خدم في الجيش الإمبراطوري الروسي خلال الحرب العالمية الأولى، وطوّف في أرجاء روسيا منهمكا في نصب الجسور والتحصينات خلف الخطوط الأمامية. وقد درس الشاعر الشاب في جامعة الملك ستيفان باتوري في ولنو (وهي الآن فيلنيوس) ومنها حصل على شهادة في القانون عام 1934. نشر قصائد في مجلة طلابية في الجامعة حيث مارس نشاطا سياسيا يساريا، وقد قال فيما بعد أن من لم يتصلوا بالماركسية يجدون صعوبة في فهم جاذبيتها. سافر بعد ذلك في زمالة إلى فرنسا ليدرس الأدب. مجموعته الشعرية الأولى، قصائد في زمن متجمد ، صدرت عام 1933 وأعقبتها ثلاثة شتاءات عام 1936. عندما غزت ألمانيا بولندا عام 1939 التحق ميلوش بحركة المقاومة السرية وبقي في وارسو طوال فترة الاحتلال النازي. بعد الحرب، عمل ملحقا ثقافيا في السفارتين البولنديتين في باريس و واشنطن ثم انشق عام 1951 وعاش خلال السنوات العشر اللاحقة في فرنسا.

       في عام 1953 نشر العقل المكبل، وهو تحليل ثاقب لم يتجاوزه شيء مما كتب حتى الآن لوجوه الحصار التي يفرضها الحكم الأحادي على الكتّاب والمفكرين. هذه الحكاية الكئيبة عن الكيفية التي يبيع بها أناس حسنو النية أرواحهم جعلت اسمه مألوفا لدى القراء في الغرب. هاجر ميلوش إلى الولايات المتحدة عام 1961 وبدأ يدّرس في جامعة كاليفورنيا في بركلي. وبينما حُظرت أعماله في بولندا، استمر يكتب بالبولونية رافضا التفريط بهويته ولغته من أجل أخرى كما فعل الكثير من المنفيين. عام 1980 حاز على جائزة نوبل للآداب.

       إذا كان ميلوش يثير إعجابنا اليوم بوصفه رجلا يتميز بصفاء ذهن فائق في عصر عواطف أيديولوجية مانوية، فان النظرة إليه لم تكن كذلك قبل خمسين عاما من قبل الكثير من معاصريه البولنديين والغربيين في عالم الأدب، والذين كانوا ينظرون بإعجاب أما سرا أو علنا إلى الإتحاد السوفيتي و "الديمقراطيات الشعبية". ما كان ميلوش يسعى إلى قوله عن الشمولية لم يكن يلقى الكثير من الاهتمام لديهم. وقد كتب فيما بعد "لاشيء يبعث على الألم كمشهد أناس يؤمنون وهم ينخرطون في حالات الهوس الجماعي أن ذلك يحدث بدافع من إرادتهم الحرة." تلك كانت الأيام التي حيا فيها سارتر الحريات المدنية في روسيا بصفتها منقطعة النظير وادعى أن معسكرات الاعتقال هناك، إن وجدت أصلا، كانت موجودة بالصدفة بينما هي جزء مكوّن في النظام الرأسمالي. لم تكن الحقيقة عن الستالينية ومعاناة الناس في ظل النظام الشيوعي تهم سارتر كثيرا. لقد أراد شأن الكثير من الكتّاب والمفكرين أن يقف مع التاريخ، الذي أصبحت قوانينه فجأة مفهومة ويمكن الاستفادة منها لضمان مستقبل سعيد.

       "ما هذا الوحش، الضرورة التاريخية، الذي شلّ معاصريّ بالخوف؟" يتساءل ميلوش في مقطع من سيرته الذاتية ضمّه الآن كتاب أبدأ حيث أنا. و إجابته هي روح التاريخ التي قال بها هيغل (وماركس). إنها نفس القوة العمياء التي تحكم عالم الطبيعة القاسي حيث كل ما يحدث لنا مقرر سلفا. ولا قيمة لرغباتنا ما دامت قوانينها لا تقبل الاستئناف. باختصار، لا وجود لنا على المستوى الفردي، وحدها العمليات التاريخية هي الموجودة. وليس بوسع المرء محاربة التاريخ، لذلك فالأفضل التزام الصمت والخضوع لما لا مناص منه.

       لكن ميلوش لم يفعل ذلك. اليوم فقط  ندرك كم كانت مقاومته مستوحدة وبطولية.أن يشق المرء طريقه بين أيديولوجيات اليسار واليمين ويحافظ على احترامه لنفسه قدر المستطاع لم يكن إنجازا بسيطا في قرن تصرّف فيه الكثيرون، ممن توّجب أن يعرفوا أفضل، بطريقة مقرفة. كان ذلك أشبه "بالاختيار بين الجنون (رفض إدراك الضرورة) و الخنوع (إقرار بعجزنا التام)"، كما كتب فيما بعد. وفي معرض كتابته عن حالة المفكر في أوربا الشرقية وصف ورطته وسبب منفاه أيضا:

"لقد خُدع مرارا حتى صار لا يريد مواساة رخيصة لن تسفر إلا عن مزيد من الألم. تركته الحرب مرتابا و حاذقا في الكشف عن الزيف والادعاء. كما انه رفض الكثير من الكتب العظيمة التي كان قد أحبها قبل الحرب، ومعها العديد من الاتجاهات في الرسم و الموسيقى، لأنها لم تصمد أمام اختبار التجربة. لابد لعمل الفكر البشري أن يجتاز اختبار الواقع الوحشي العاري. إن فشل في ذلك فلا قيمة له. ربما لا قيمة إلا لتلك الأشياء التي تستطيع أن تحافظ على مصداقيتها في عيني رجل مهدد بموت فوري."

 

بعد ملايين القتلى في تلك الحرب، كان تأنيب ميلوش للفنون أنها أهملت أو سترت القوى الظلامية التي كانت توشك على الإفلات من عقالها. حتى الدين والفلسفة كانا شريكين في الجريمة إذ شدّا على أعيننا حجابا من الصوف لإبعادنا عما كان يحدث. وكانت شكوى ميلوش الرئيسية، التي عبر عنها في مقالة بعنوان "الخرائب والشعر" ـ وهي تتصدر كل نتاجه الأدبي ـ ، هي أن الكثير من الأدب في الغرب يفتقر إلى إحساس بالتراتبية عند تقييمه للتجربة. إنه يخلط بين المهم وبين التافه جاعلا من نفسه خلال ذلك سطحيا و قابلا للنسيان.  وهو يكتب بأن كل الواقع تراتبي لأن حاجات البشر والأخطار التي تهددهم مرّتبة حسب مقياس مدّرج؛ لنقل بدءا من وخز الإبرة إلى القتل الجماعي. ومن يدرك وجود هذا المقياس يختلف في سلوكه عمن يمارس ترف استبعاده. يعتمد الفعل البشري، بالنسبة لميلوش، على كمية الواقع التاريخي الماثل في عقل الشاعر. يمكن للمرء مثلا أن يدّعي بأن سونيتة لمالارميه تمثل عملا نموذجيا في تمثيل القرن التاسع عشر عندما بدت الحضارة شيئا مضمونا. ولكن كيف سيكتب المرء قصائده بين الخرائب و نتن المذابح في وارسو المحتلة أو أية مدينة أخرى في العالم أمس أو اليوم؟

 

                     إهــــــداء

              أنت يا من عجزتُ عن إنقاذك،

              أصغ إليّ.

              حاول أن تفهم هذا الكلام البسيط

              لأني سأخجل مما عداه.

              أقسم، أني لا أملك سحر الكلام،

              بل أخاطبك بالصمت،

              كما تفعل الغيمة أو الشجرة.

 

              ما شدّ من عزيمتي كان هلاكا بالنسبة لك.

              لقد خلطتَ وداع حقبة ببداية أخرى،

              نَفحَ الكراهية بالجمال الغنائي،

              القوة العمياء بالشكل المكتمل.

 

              هاهنا وادي الأنهار البولندية الضحلة.

              وجسر هائل يغوص في ضباب أبيض.

              هاهنا مدينة محطمة،

والريح     تنثر صرخات النورس على قبرك

بينما أنا أحدّثك.

 

ما ذلك الشعر الذي لا ينقذ أمما وشعوبا؟

تواطؤ مع الأكاذيب الرسمية،

أغنية سكارى سيُطاح برقابهم بعد لحظات،

قراءة لفتيات غرّات.

 

في سعيي إلى شعر جيد،

و هو سعي لم يعرّفني عليه ،

و في اكتشافي متأخرا، هدفه الاحتفائي،

في هذا، وفيه فقط،

أجد خلاصي.

 

لقد اعتادوا على سكب حبوب الدخن على القبور،

أو حبوب الخشخاش طعاما للموتى

الذين سيأتون متنكرين كطيور.

أنا، أضع هذا الكتاب هنا هدية إليكَ،

يا من عشتَ ذات يوم

وذلك كي تكفّ عن زيارتنا.

 

هذه القصيدة مأخوذة من سلسلة قصائد بعنوان "أصوات الفقراء" منشورة في كتاب الإنقاذ عام 1945. وهي تحتوي بالفعل على الكثير من خواص شعر ميلوش. اللغة بسيطة لكنها تصل أقصى حدود الفصاحة. كما إنه غير معني بالاستفادة من الشعر الذي يدير ظهره للجمهور مكتفيا بالسعي إلى الكمال الجمالي. حلم الرمزيّين في تقطير لغة القبيلة إلى عصير من الغنائية الصافية ليس إلا وهم ساحرٌ بالنسبة له. إذ يرى ميلوش أن ذروة الشعر الفرنسي لا تتمثل في مالارميه وإنما في مجموعة أبولونير الشعرية أفـق  ومجموعة بليز سندراس ألفصح في نيويورك ، وقد نشرتا كلتاهما عام 1913. كما إنه معجب أيضا بـوتمان الذي أثّر في هذين الشاعرين الفرنسيين والذي ادعى هو نفسه أن علامة التعرف على الشعراء العظام هي خلو شعرهم من الخدع. ويعلق ميلوش في ملاحظة قدّم بها لقصيدته الطويلة " أطروحة في الشعر" (1955 - 1956) :

 

"لا نبقي على مملكة الشعر إلا بالجهد اليومي المتواصل. و هي لا تُنتزع من العالم من خلال نفي أشياء العالم، و لكن من خلال احترامها أكثر مما نحترم القيم الجمالية. ذلك هو شرط خلق جمال ساري المفعول. إن استسهال الحصول عليه يجعله يتبخر."

 

في قرن الحركات الطليعية المتنوعة في الأدب و ردود الفعل المحافظة عليها لم يكن يخشى الترويج لما يسميه "الشعرية الواقعية" . بالنسبة له لابد أن يأتي الفعل العقلي الذي يؤمّن تمكنا من الواقع قبل الفعل الشعري. "كما أنا، أرى" هذا ما كتبه امرسون. إن لشعرية ميلوش جانبا صلبا وباردا ومتزنا يكاد يكون كلاسيكيا. بقدر تعلق الأمر به، كان الشاعر الذي يرفض أن يواجه واقعا فظا و جارحا يعيش في جنة الحمقى. في قصيدة  "تحوّل بابو" يمتدح رساما ويستهين بزبيغنو هربرت، معاصره البولندي الكبير، والذي قال في قصيدة بعنوان "دراسة الشيء" مشاكسا أن أجمل شيء هو ذلك الذي لا وجود له:

                            v

 

أحببت فيه أنه لم يبحث عن شيء مثالي.

عندما سمع: " إن الشيء الذي لا وجود له

هو وحده المكتمل و الصافي"

احمّر خجلا و استدار مبتعدا.

 

يحمل في جيوبه أقلام رصاص

لفائف من الورق،

ومعها كِسر من الخبز؛

بعضٌ من عَرَض الدنيا.

 

عاما بعد عام

ظل يطوف حول شجرة كثيفة

وهو يظلل عينيه بيده

مغمغما بذهول.

 

كم كان يحسدُ أولئك

الذين يرسمون شجرة بجرة قلم واحدة!

أما الاستعارة فقد بدت له ضربا من البذاءة .

 

 

يترك الرموز للمغرورين

المشغولين بقضيتهم،

أما هو فقد كان بالنظر يحاول أن يستنتج الاسم

من الشيء نفسه.

 

عندما بلغ الشيخوخة، أمسك

 بلحيته الملطخة بالتبغ متأملا:

"أفضّل هذه الخسارة

على أن أفوز فوزهم."

 

و مثل بيتر بروغل الأب

سقط فجأة

بينما هو يحاول النظر إلى الخلف

من بين ساقيه المتباعدتين.

 

و مع ذلك بقيت الشجرة واقفة هناك،

بعيدة عن متناوله،

              حقيقية حتى النخاع.

 

يَحذَر ميلوش روح القرن العشرين التي تلقن الشعراء النفي. و هو يعترض على التجسيدات العديدة لدعاة الحداثة، تجريبهم اللغوي، تمردهم على أدب الماضي، كراهيتهم لكل من الطبقة الوسطى و عامة الناس، و قناعتهم بان حياتنا البشرية تعاني من افتقاد أساسي للمعنى. ما أرخص السخرية والتهكم والتجديف عندما تقارن بالشر الذي أطلق عقاله في العالم؟ ضغوط الأزمنة التي عاشها ميلوش، كما يدّعي، جعلته يكتب نوعا مختلفا من القصائد، ذلك النوع الذي يمكن أن يترك شهادة على تجربة مختلفة جذريا عما ظل حتى ذلك الحين يُدعى الواقع. في يومياته نجده يمتدح الشعراء الأميركيين على تقنيتهم الممتازة، لكنه يشكو من أن حياتهم اليومية الخالية من الانقلابات التاريخية تفتقر إلى ما يمكن الكتابة عنه. ويجادل بأن غياب الإحساس بالتاريخ يعني غياب الإحساس بالمأساوي الذي يتولد عن تجربة البؤس الجماعي.

       رغم رغبتي الشديدة في الاتفاق معه بهذا الشأن، إلا إنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من استحضار الاستثناءات الكثيرة القيمة. هنالك وتمان على سبيل المثال، الذي كتب قصائد رائعة عن الحرب الأهلية، ثم هنالك أميلي ديكنسون التي تساويه في القدرة على نظرة مأساوية للحياة والتي أهملت تلك الحرب تماما في قصائدها. أليس الشعر أيضا، كما يذهب ميلوش، استكشافا لمكاننا في الكون؟ هنالك العديد من الشعراء الأميركيين الذين يستحقون بجدارة أن يقال عنهم أنهم انخرطوا في مثل هذا الاستكشاف. إنها لفكرة سيئة ومضيعة للوقت أن نحاول تلقين الشعراء ما عليهم فعله أو تجنبه لأن أفضلهم سيتمرد دائما ويفعل العكس.

 

       يكتب ميلوش في أبدأ حيث أنا: " رغم قسوة زمني الشديدة فقد امتدحته ولم تنازعني نفسي إلى أي زمن آخر."   كل من يقرأ أعماله الكاملة والجديدة متوقعا مشهدا لانهائيا من الخرائب وصنوف المعاناة لابد وأن تدهشه السعادة التي يجدها في الطبيعة. وهو يقول لنا أنه صان نفسه في شبابه من أثر البالغين عبر ولعه بحوض أسماكه وكتبه في علم الطيور. كان بطله المبكر عالِم الطبيعة الجريء من القرن التاسع عشر، المندفع إلى جمع الحشرات بحيث أنه ينسى تماما أمر عروسه التي تنتظر عند المذبح بينما هو يتسلق شجرة في معطفه المذيل ليمسك بقبعته نوعا نادرا من الخنافس. وكما يخبرنا فان تجربة الريف الأمريكي أعادت بناءه. "انغمست في كتب عن الورود والنباتات، وعقدت علاقات دبلوماسية مع النيص والقندس."

       لكن ميلوش، رغم ذلك، يعلن مرارا في قصائده ومقالاته عن كراهية للطبيعة. ومما يدهشه أن تسود نظرة ترى في قسوتها في الغالب أمرا "طبيعيا" كما يظهر بجلاء في برامج الحياة البرية التي تقدم مختلف الأنواع وهي تفترس بعضها البعض دون مبالاة. ويؤكد لنا بأنه لا تعوزه الحساسية تجاه جمال الجبال والغابات والمحيطات، لكن الطبيعة الحاضرة أبدا في مخيلة الشعراء الأمريكيين والتي تتماهى لديهم مع الواقع، لا تزيد لدى ميلوش على كوم من الأكليشيهات الخارجة من فلسفة وحدة الوجود الرومانتيكية. إن الرغبة في تزويد الكون بإرادة خيّرة لا تعدو الوهم. في واحدة من أعظم قصائده "إلى روبنسون جيفرز" يخاطب شاعرا يكابد هذا السؤال:

 

              إذا لم تكن قد قرأت الشعراء السلافيين

              فذلك أفضل. فليس

لديهم ما يمكن أن يسعى إليه جوّال اسكتلندي ـ ايرلندي.

لقد عاشوا طفولة امتدت عبر العصور.

بالنسبة لهم، كانت الشمس وجه فلاّحة موّرد

والقمر تلصُصٌ عبر غيمة.

درب التبانة يسعدهم مثل

طريق محفوف بشجر البتولا.

أشواقهم لا تتعدى المملكة التي ظلّت دائما دانية،

ودائما وشيكة.

بعدها، تأتي الملائكة تحت أشجار التفاح

ترتدي كتانا مصنوعا باليد

لتباعد بين الأغصان

وعلى فرش مائدة الكولخوز البيضاء

ستُقام وليمة المودة و العواطف

(تهبط على الأرض أحيانا).

 

وأنت من جزر وشوشتها الأمواج المتكسرة،

من المروج التي يعمدون فيها

عند دفن المحارب إلى كسر عظامه

لكي لا يكون قادرا على أن يسكن الأحياء.

من ليل البحر

الذي تلفع به أجدادك صامتين.

وفوق رأسك لا وجه،

              لا للشمس و لا للقمر،

              ليس إلا نبض المجرات،

              العنف الدائم للبداية الجديدة، للدمار الجديد.

 

              تصغي طوال حياتك للمحيط.

              ديناصورات سود تخوّض

              حيث أفق ارجواني من أعشاب فسفورية

              يعلو ويهبط فوق الأمواج كما في حلم.

              و أغاممنون يبحر العمق الهائج

              إلى عتبات القصر

              ليفور دمه على الرخام. حتى تَرحلَ البشرية

              و يضرب محيط الأرض النقية و الصخرية.

 

              بشفاه رفيعة وعيون زرق،

دون سُمو أو أمل،

أمام ذلك الرب الرهيب، جسد العالم،

لا تُسمع الصلوات.

حجر البازلت و الصوان

و فوقه طير جارح.

ذلك هو الجمال الوحيد.

 

ما الذي يجمعني بك؟

أنا القادم من طرق المشاة في البساتين،

من وميض كأس القس الكاثوليكي المذهّب،

من مشاتل ورد السذاب،

من تلالٍ قرب النهر،

و كتبٍ يدعو فيها لتواني متحمس إلى الأخوة.

تقّبلي تعازي الفانين

يا عقائد عقيمة.

 

ومع ذلك، فأنت لم تعرف ما عرفته أنا.

الأرض تعلمنا أكثر مما يفعل عري العناصر.

من يأمن العقوبة لا يعطي لنفسه عيون إله.

بشجاعة كبيرة، في فراغ،

قدّمت القرابين للشياطين،

وكان هناك وتان و ثور،

و صراخ ايرنيس المذعور في الهواء،

و رعب الكلاب

عندما تقترب هيكات مع حاشيتها

من الموتى.

الأجدى بك نقشُ شموس و أقمار

عند عُقَد الصلبان

كما يفعل الناس في منطقتي.

و تطلق على أشجار البتولا و التنوب

أسماء مؤنثة

لتلتمس الحماية

ضد القدرة الغادرة

بدلا من أن تعلن، كما فعلت،

شيئا لا إنسانيا.

       تثير إعجاب ميلوش استقلالية جيفرز العنيدة و احتقاره للموضات الأدبية السائدة في زمنه بل و حتى تجهمه. و يسأل نفسه في مقالة عن الشاعر إن كان ثمة تشابه بينهما ويجيب بالنفي. فهو لا يستطيع مثله أن يضع الجمال المرعب للطبيعة ضد الفوضى البشرية. الضرورة القاسية غير مقبولة من قبلنا. و في القصيدة يقابل بين ثقافة وطنه البسيطة اللطيفة وبين قوة جيفرز الكونية العمياء. الطبيعة بالنسبة له، كما هي بالنسبة لسيمون ويل، لا خيّرة و لا شريرة. نحن نتشوق إلى فهم غايتها لكنها مع ذلك تفلت من تأويلاتنا. و نحار بين الإعجاب بأحد تفاصيلها وبين رغبتنا في العثور على معنى ينتظمها كلها. يقتبس ميلوش من مقال عن ليف شستوف باستحسان رأي هذا الفيلسوف الروسي بأن الفلاسفة منذ الإغريق ظلوا يعتقدون بأن الشامل هو وحده الجدير بالتأمل. ألتصادفي والخاص والخاطف هي المفسدات الدائمة للرؤيا الساعية الى الواحدية التي تحتوي الكل؛ وذلك، كما يمكن الاستنتاج، هو السبب في المعركة الطويلة طول الزمن بين الشعراء والفلاسفة:

 

              عدو الإنسان الحقيقي

              هو التعميم،

              عدو الإنسان الحقيقي، ما يُسمى

              التاريخ، يجذب و يرهب بعدده الجمعي.

              لا تُصدقه.

 

مَن يرغب في معرفة الاضطراب النفسي و الفكري الذي يعانيه الإنسان في مختلف حقب التاريخ لن يجد شهادة أكثر مصداقية و فصاحة مما يجد في كتب الشعر و النثر العديدة التي كتبها ميلوش و التي بلغت أوجها عند بلوغه التسعين بانتخابه لأفضل مقالاته وكتاب يقع في أكثر من 750 صفحة من الشعر الجديد و المجموع سابقا. يصعب التفكير في شاعر آخر في يومنا هذا يستطيع أن يضارعه في ثرائه و إنجازه. يتمتع ميلوش بعقل من الطراز الأول و سعة معرفة هائلة. انه المؤرخ لأخبار تلاشي الافتتان بالعقائد المختلفة التي انتصرت ثم انهارت خلال فترة حياتنا.

 

              اعتقد أني هنا على هذه الأرض

              لأقدم تقريرا عنها،

              و لكن لا أدري لمن.

              كما لو أني أُرسلت لكي يكتسب كل ما يحدث

              معنى .. لأنه يتحول إلى ذكرى.

 

أعماله، باستثناء قلة من القصائد الطويلة، سهلة المنال إلى أقصى حد، بالرغم من محيطه البولندي و الأوربي. عادة ما يكون شعر الأفكار ثقيلا عند القراءة، لأن الشاعر لا يبلغ من الذكاء الدرجة التي يتصورها. و لكن ليس جيشلاف ميلوش. فكلما زادت الصفة العقلية لشعره كلما زادت متعة قراءته. وبين العديد من القصائد الجيدة في هذه الفئة أود أن أخص بالذكر أطروحة في الشعر التي كتبها خلال عامي  1955 و 1956    وهي مكتوبة بعناية ولمّاحية، ببساطة باهرة. العديد من قصائده تميل إلى التفكك، لكن ذلك هو ما يتضح بأنه مصدر قوتها. يطرح دونالد ديفي في كتابه عن الشاعر ملاحظة طريفة حول عدم كفاية الغنائي للتعبير عن تجربتنا التاريخية، فالغنائي يكتفي كما هو الآن بتسجيل ألذات الفردية. لكننا نكتشف أن حياة غنية لا يمكن أن تحتويها وجهة نظر مفردة؛ لذا كان لا بد لتقصي الواقع لدى ميلوش أن يتضمن خليطا من الأساليب كلها ابتداء من القصائد التعليمية و السردية و انتهاء بالقصيدة الغنائية التي لا تتجاوز العشرة أبيات.

      

       لقد ظل ميلوش محظوظا في ترجمات أعماله العديدة الممتازة. وهو ما يصح على نثره كما يصح على شعره. أغلب القصائد في هذا الكتاب ترجمت عبر تعاون بينه وبين الشاعر الأمريكي روبرت هاس. و رغم أني لا أستطيع الحكم على طبيعتها في البولونية أو ما خسرته في الترجمة، إلا إنها في غالبيتها تمنحنا قراءة حسنة في الإنجليزية وتنتهي في عدد من الحالات إلى أن تكون قصائد أمريكية رائعة بفضل مزاياها الخاصة. وهو يصف نفسه بأنه " مدينة من الشياطين " و لابد أن ذلك هو ما يفسر نتاجه الغزير. يقول:

             

غاية الشعر أن يذكّرنا

              كم هو صعب أن نبقى شخصا واحدا لا غير.

 

       ما تسعى إليه أفضل قصائده ليس الوصول إلى مفهوم عن الواقع، بل إضفاء الطابع الدرامي على الوعي. وموضوعته المتكررة هي النزاع المتواصل الذي تخوضه الذات مع نفسها ومع العالم، وعجزها عن حل تناقضاتها، بينما هي تجاهد في الوقت نفسه للوصول إلى رؤيا اثباتية من نوع ما. وهو يتهم، دون وجه حق كما أعتقد، باسترناك و آخرين، مثل بيكت، أنهم يوحون بأن لا وجود لبديل عن انعدام الحيلة. بل أن الاستهجان يطال شاعرا بعيدا عن الحداثة هو روبرت فروست لما يقدم من رؤيا متجهمة يائسة عن مصير الإنسان وبسبب شكّيته و التباس ما يرمي إليه على الدوام. المخيلة هي الترياق القوي ضد القلق و اليأس و الإحساس بالعبث و غيرها من المصائب، كما قال ميلوش، " التي ليس اسمها الحقيقي دون شك إلا الاستهانة و العدمية." ومع ذلك فهو يتشكك في المخيلة حين تطلق من عقالها. يقف الشعر، كما يرى، على الضد من العدمية و موقعه إلى جانب الحياة. لا وفاق بين الأخلاقي و بين الشاعر داخله. وهو يجد كون الشعر لا يشترك مع الأخلاقية في الكثير أمرا مثيرا للقلق.

 

              في جوهر الشعر و أعمق أعماقه

              ثمة شيء يفتقد إلى الحشمة:

              يطفو شيء على السطح

              لم نكن نعلم أننا نحمله فينا،

              وهو ما يجعلنا نطرف أعيننا

              كما لو أن ذئبا قد قفز

              و استوى واقفا في الضوء، محركا ذيله كالسوط.

 

عنصر المفاجأة أكثر حضورا في قصائد شيخوخته. وإن كان ثمة ما يسوءني في أعماله المبكرة فإنما ميله إلى عدم السماح للقصيدة بأن تأخذه إلى نهايتها غير  المتوقعة. وهو يصف تلك الخاصية المفقودة في قصيدة متأخرة بأنها "الموهبة المباركة المتمثلة في نسج حكاية من أمر تافه" وهو، للأسف،ما يعجز الفكر عن القيام به. ميلوش واحد من قلة من الشعراء ممن يعطون الانطباع أنهم يعرفون ما سيقولون قبل قوله في قصيدة، اعتمادا على الفصاحة أكثر منه على لعبة الاستعارات لخلق المعنى. و ابتداء من القسم المعنون " قصائد جديدة 1985-1987 " ، لم تعد تلك الحالة قائمة. تصبح القصائد أكثر فأكثر نتاج ترابطات غير متوقعة. وهو ما زال ذلك الشاعر الذي يتصف بسعة الإطلاع وقوة الذاكرة، محاطا بكتب فلاسفته وعلماء لاهوته ومتصوفته، لكن ما يبعث القصائد الآن ليس إلا مناسبات الحياة  اليومية الصغيرة. والطريف أننا نجده وقد انتهى إلى ذلك النوع من القصائد الذي اعترض عليه في الشعر الأمريكي.

 

       كيف يتاح للمرء أن يقول كل شيء في الوقت القصير المتاح له؟ ذلك هو  احد المشاغل الرئيسية في هذه القصائد المتأخرة. وهي في الغالب رثائية ـ كما هو متوقع ـ لكنها غالبا ما تكون مرحة. النواح و الإشادة هما ما دأب ميلوش على فعله. نعم، هنالك الكثير من الموت في العالم. ولكن، هنالك أيضا طعم مربى الكرز والحلاوة المعتمة لجسد امرأة والفودكا المثلجة وسمك الهرنغ في زيت الزيتون والتنّورات زاهية الألوان في الريح و زوارق ورقية لاتزيد قدرتها على مقاومة الزمن على قدرتنا في كثير. يكتب في قصيدة نثر " وقد تقّدم بي العمر، وراحت صحتي تسوء، صحوت عند منتصف الليل وجرّبت إحساسا بالسعادة بلغ من التركيز والكمال أني لم اشعر طوال حياتي إلا هجسا به." حتى أكثر قصائده كآبة فيها لمسة من تلك السعادة التي عثر عليها أخيرا:

 

                           مسكن

             

              العشب بين القبور قاتم الخضرة

              ومن الانحدار الشاهق

              نظرة إلى الخليج،

              إلى جزر و مدن في الأسفل.

              الغروب يزداد وهجا، ويتلاشى على مهل.

              عند نزول الظلام

              ها هي ذي مخلوقات خفيفة تتقافز.

              غزالة و ولدها ها هنا،

              جاءا كما في كل مساء

              ليأكلا الزهور

              التي جاء بها الناس لأحبتهم.

 

إذا كنت ما تزال عاجزا عن الإيمان بأن هنالك حقيقة في الشعر، اقرأ ميلوش وأغلب الظن انك ستغيّر رأيك.

 


 

[1]  تشارلس سيميك   Charles Simic شاعر أمريكي معاصر. ولد عام 1938 في يوغوسلافيا و هاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة وله من العمر 11 عاما. شغلت سيميك ، ربما بسبب نشأته المبكرة ابان الاحتلال النازي لمسقط رأسه، موضوعة أثر الهياكل السياسية القاسية على الحياة الإنسانية البسيطة. وهو فضلا عن إنجازاته الشعرية التي حاز بفضلها على جائزة بولتزر للشعر عام 1990،  يدّرس نظرية  الأدب و الكتابة الإبداعية في نيو هامشير. وهذه المقالة هي عرض كتبه سيميك لأعمال ميلوش الكاملة (1931 ـ 2001) الصادرة عن دار Ecco و مقالاته المختارة " أبدأ حيث أنا" الصادرة عن دار  Strauss and Giroux . وقد نشرت المقالة في دورية  The New York Review of Books في كانون الأول/ديسمبر 2001 .

[2]  إيسا  Issa  (1763 ـ 1828 )  شاعر ياباني، عبّر شعره البسيط البليغ عن الوحدة الروحية للإنسان العادي.

 

 

 

الغلاف

 

*

 اللحظة الشعرية

 

*

صلاح نيازي: المسلم
جاسم محمد: قصيدتان
حميد العقابي: ثلاث قصاـــد

ابراهيم عبد الملك: وكما بَدَتْ..

سعد الشديدي: سوناتا القيامة
ليث الصندوق: أبو نواس

مايكل غروف: قصائـــد

فالـــح عبد الرحمـــن: الألياذة

 

*

عن ميووش: ترجمة : فــلاح  رحيم
 

عبدالكريم كاصد: قراءة في شعر عزيز السماوي

 

*

علي جعفر العـلاق: كأنّه يمشـي على هـواءٍ وثيـر

ياسين طه حافظ: الخسارة الثانية

حسن ناظم: لغة الأحلام

فوزي كـــريم: قطيعةُ المحارب

هيثم سرحان: الحداثة الشعرية

محمد غازي الاخرس : " يتيم الستينات " يحظى بأب

محمود النمر : فضاءات الدرويش

نصيف الناصري: حسب الشيخ جعفر في عمّان

وثائق واغلفة كتب

*

ساسون سوميغ: مقهى بغداد

هيلدا اسماعيل: الشعر.. قرصٌ ساخن

فيء ناصـــــر : أول شاعرة للبلاط الملكي

*

الحصاد الشعري

الحصاد الفني

الحصاد الموسيقي

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009