العدد 15 صيف 2009

 

" يتيم الستينات " يحظى بأب نقدي

حول حسب الشيخ جعفر وعزلته والالتفات اليه

 

محمد غازي الاخرس  

    في احدى حوارياته التي دأب على كتابتها هنا وهناك منذ قرابة خمسة عشر عاما يتحدث حسب الشيخ جعفر الى صديق وهمي يطالبه بالخروج من عزلته قائلا " أنا لم ألجأ إلي كهفٍ أو أربعة جدران مقفلة.. بل ألجأتني إلي عزلتي أسباب أخرى ، غير أسباب أبي العلاء . لقد رحل الأصدقاءُ المرحون، ولم يبق، في المدينة من معارفي  إلا من هم منعزلون مثلي ". واذ يواجهه ذلك الصديق الوهمي بسؤال آخر: فلماذا لا تخرج إلى  الناس؟ يجيب حسب : لا جسر بيني وبينهم غير ما ينُشرُ لي هنا أو هناك.

    هذا المدخل يبدو مناسبا كثيرا لتامل ظاهرة حسب الشيخ جعفر في الشعر العراقي خصوصا أنه يتصدر الواجهة ، بين فترة واخرى ، فيتم التذكير بأثره واسلوبه في الكتابة دون أن تثار الخصيصة الفريدة التي عرف بها دائما، نعني العزلة الاختيارية والانطواء على الذات والاصرار على اتقاء الاضواء بـ" هرب " دائم الى مناطق الظل . وكل ذلك يجري بطريقة ربما تثير حفيظة بعض زملائه من ابناء الستينات خصوصا اولئك الذين يراهنون على حضورهم الاجتماعي بالقدر ذاته الذي يراهنون على حضورهم الشعري .

    مناسبة الحديث عن هذه التجربة هو صدور كتاب عن الشيخ جعفر بعنوان " أيتام سومر في شعرية حسب الشيخ جعفر" وهذا المؤلف ربما هو الأضخم الذي يكتب عن شاعر عربي حسب علمنا. وهو قادم من المغرب العربي حيث غالبا ما نفاجأ بمثل هذه المشاريع التي لم نعتدها في الثقافة العراقية قدر اعتيادنا على المقالات الصحفية السريعة او حتى الدراسات المجتزأة .

    يتألف " ايتام سومر " من قرابة 650 صفحة وقد صدر الجزأ الأول منه عن دار توبقال بمئتين وثلاثين صفحة في حين ينتظر صدور الجزأ الثاني بعد فترة ويتكون من431 . مؤلف الكتاب الجديد هو بنعيسى بو حمالة وهو أكاديمي مغربي مهتم بالمناهج الحديثة وتنطلق تجربته من استثمار منهجية مايكل ريفارتير" المتمحورة حول الدّالية، كمفهوم يعنى بتوصيف ونمذجة السيرورة التكوينيّة المتنامية التي تمرّ بها القصائد المفردة أو المتون الشعرية العريضة وهي تنضج، على أكثر من صعيد، نواتها الصلبة الأصلية ".

    ما الذي يعنيه هذا! لا نقصد التعقيدات المنهجية والنظرية التي غالبا ما يورطنا بها المغاربة منذ الثمانينيات ، بل المقصود هذه الالتفاتة المفاجئة لشاعر عراقي عرف بانطوائه الدائم على نفسه وتهربه المستمر من ولوج التفوهات " غير الشعرية " التي تعتاش عليها الثقافة العراقية!

    ما الذي يعنيه هذا! أهو انتصار لنمط حسب الشيخ جعفر على حساب النمط الآخر الذي يمثله غالبية الشعراء العراقيين الميالين الى تخيل انفسهم أبطالا لـ" سرديات " تاريخية واجتماعية كبرى لا علاقة لها بالنصوص !

    أتذكر، بهذا الصدد ، تلك العبارات القاسية التي أوردها فاضل العزاوي ـ مثلاـ عن زميله حسب الشيخ جعفر حين اضطر الأول ، ذات مرة ، الى مقاسمة شقته مع زائر غامض قادم من الجنوب ، انعزالي ، قليل الكلام ، هادئ وغير محتدم مع العالم .

    الأنموجان كانا متناقضبن بالكامل : فاضل العزاوي صاخب خارج الشعر، ثرثار أحيانا ،ونرجسي حد اللعنة بينما هذا الفتى الجنوبي لا يجيد حتى القاء التحية. وبينما الأول يعتقد أن الشعر" حياتي " وعليه الانغماس في أدق التفاصيل اليومية، في وقت يتوجب على الشاعر الاصغاء  لنبض المجموع والتآلف مع الحشد ، تميز الآخر بفردانية لا مثيل لها ، وانعزال عن الآخرين بطريقة أزعجت أبناء " الجيل " او " أيتام سومر " حسب توصيف بنعيسى بوحمالة .

     النتيجة المنطقية أن يكره العزاوي وزملاؤه من جيل الستينات حسب الشيخ جعفر ويستبعدونه من الحركة " المفترضة " بشكل تام . وليس من قبيل المصادفة أبدا أن يتفق الغريمان، العزاوي وسامي مهدي، على أن ظل حسب الاجتماعي في حركة الستينات لم يكن بارزا بالمرة بل أن ظل شخص " قد لا يعد في عداد الشعراء "مثل انور الغساني كان أقوى من ظل زميلهما المنعزل .

    هذا ما يقوله سامي مهدي في " الموجة الصاخبة " وهي عبارات تتفق الى حد كبير مع رأي فاضل العزاوي الذي يصف حسب بأنه " ظل حبيس عوالمه الشخصية" والراي الاخير يرد في ثنايا ثبت من الآراء والتوصيفات التي يبثها العزاوي عن رفاقه  من أبناء الستينات في كتاب " الروح الحية ".

    هكذا يفكر أبناء الستينات عموما وهم محقون بالطبع ، فمزاج تلك الايام لم يكن ليتحمل " أفرادا " مثل حسب او البريكان. كانت النزعة الغالبة هي " التظاهر " والتحشد  في جماعات والتفوه بعبارات متفق عليها . وكان على الجميع التحلي بالخصائص ذاتها والاصغاء بحس متماثل للظواهر نفسها والتعاطي بجماعية مع الأفكار والرؤى .

    حسب لم يكن كذلك حتى أنه بدا مزعجا كثيرا بالنسبة لرموز ذلك الجيل .خصوصا أنه توفر على موهبة شعرية مثيرة للأنتباه وشرع منذ نهاية الستينات في نحت  بصماته القوية في أكثر من تجربة شعرية مرسخا، كل ذلك ، كما يقول مؤلف " أيتام سومر " بجماليات فارقة في البناء الشعري " كالتدوير الإيقاعي وتقنية الحكي الشعري والإيهام الحلمي وكذا أسطرة الوقائع  والصدور عن رؤيا أورفية للعالم ".

    هذه الجماليات ، في الواقع ، لم تكن مقتصرة على حسب انما وجدت في تجارب الاخرين أيضا بشكل تفاوت من شاعر الى آخر. لكن المهم ، هنا ، هو أن الرهان على  " روح الجماعة " و" صخب الجيل " وما يرافق ذلك من تفوهات تشير الى الشعر ولا تقوله كان أقوى ظلا بكثير من النصوص .

    الحال ان مثل هذا الرهان الذي عرف به زملاء صاحب " نخلة الله " يبدو في الطريق الى السقوط نهائيا أمام هذا الالتفات المدوي لتجربة الشاعر المنعزل الشبيه بالفتى اليتيم. فقبل عامين من صدور كتاب بن عيسى بو حمالة كان فاز حسب الشيخ بجائزة" سلطان العويس". يومئذ ، قرأ الحدث على انه اعادة اعتبار لنمط من الادباء " المتصوفين " الزاهدين بالاضواء والبحث عن الامجاد .

    فضلا عن ذلك ، كانت الجائزة المذكورة مبررا لعودة الشاعر الى بلاده بعد أغتراب في الأردن دام أكثر من عشر سنوات ظل خلالها وفيا لطبائعه الشخصية :عزلة دائمة وانتاج لا يتوقف. كان الرجل ، وكنت أنا شاهدا على ذلك ، نادرا ما يظهر في الحياة الاجتماعية حتى انه ، لولا كتاباته المستمرة هنا وهناك، لكان نسي تماما وما عاد يثير انتباه أحد . بل أنه حتى وهو يلتقي عن طرق المصادفات صديقا ما في أي مكان ، كان يكتفى بالابتسام والتعليقات العابرة.

    في غضون ذلك ، دأب حسب على كتابة القصائد والحواريات الافلاطونية المفترضة في مجلة " عمان "حيث يمكنه دائما طرح الاسئلة وتلقيها وكان ابطاله في تلك الحواريات الممتعة شعراء وفلاسفة موتى واخرون أحياء من بينهم صديق وهمي ، من دون اسم بالتأكيد ، اعتاد أن يلج معه في جدالات عميقة عن نفسه وأفكاره وعلاقته بالعالم والاخرين .

    في الحوارية الشيقة آنفة الذكرـ مثلا ـ ينهي الشاعر جداله مع الصديق الوهمي بلطف قائلا : أسمعني يا صاحبي جيداً ، قبل أن تغلق التلفون احتجاجاً. الشمسُ توشك ان تغرب الآن، وأنا أراها، عبر النافذة، قبل ان تتواري وراء المرتفعات. الهواء معتدل.. وأنا أكتب. وهي ساعة خروجي إلي نفسي، طوال النهار وأنا أحاول الخروج إليها دونما طائل، وتريدُ مني الخروجَ إلي الآخرين؟

  

*ولد عام 1942 في محافظة ميسان جنوب العراق حصل على ماجستير آداب من معهد غوركي في موسكو عام 1966 ،عمل في الاذاعة والتلفزيون مسؤولاً عن البرامج الثقافية وعن الشؤون اللغوية وعمل في الصحافة.

    ورطه بعض الستينيين الخبثاء فأهدى أحد دواوينه للرئيس السابق صدام حسين ولم يحصل على أية مكرمة كما اقنع حينها. هاجر من العراق منتصف التسعينات وبقي في الاردن حتى سقوط النظام السابق . قدم الى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ورفض طلبه لانه لم يكذب على المستشار فحين سأله هذا الأخير: هل تستطيع ان تعود الى العراق ! أجاب بكل براءة : نعم ليست لدي مشكلة . فضحك المستشار وكان معجبا باشعاره ثم رفض طلبه .

     من مؤلفاته: "نخلة الله" و" زيادة السيدة السومرية " و" الطائر الخشبي " و"عبر الحائط في المرآة " و" في مثل حنو الزوبعة " و" وجيء بالنبيين والشهداء" و" أعمدة سمرقند" و"كران البور" و" رماد الدرويش" و" الريح تمحو والرمال تتذكر" و" ربما هي رقصة لا غير" كما ترجم الى العربيه قصائد لكل من: مايكوفسكي / يسينين / الكساندر بلوك / بوشكين / باثيو/ ححزا توف / اخماتوفا / غابرييلا ميسترال .

    قبل اسابيع فقط جاء الى مكتب قناة الحرة في بغداد فطلب منه أحد الموظفين الاتصال بجوزيف عيساوي لاجراء حوار معه في برنامج " قريب جدا " ففكر انيهة ثم قال بالبراءة ذاتها ـ لا .. لا ما تسوه .... !  

 

 

 

الغلاف

 

*

 اللحظة الشعرية

 

*

صلاح نيازي: المسلم
جاسم محمد: قصيدتان
حميد العقابي: ثلاث قصاـــد

ابراهيم عبد الملك: وكما بَدَتْ..

سعد الشديدي: سوناتا القيامة
ليث الصندوق: أبو نواس

مايكل غروف: قصائـــد

فالـــح عبد الرحمـــن: الألياذة

 

*

عن ميووش: ترجمة : فــلاح  رحيم
 

عبدالكريم كاصد: قراءة في شعر عزيز السماوي

 

*

علي جعفر العـلاق: كأنّه يمشـي على هـواءٍ وثيـر

ياسين طه حافظ: الخسارة الثانية

حسن ناظم: لغة الأحلام

فوزي كـــريم: قطيعةُ المحارب

هيثم سرحان: الحداثة الشعرية

محمد غازي الاخرس : " يتيم الستينات " يحظى بأب

محمود النمر : فضاءات الدرويش

نصيف الناصري: حسب الشيخ جعفر في عمّان

وثائق واغلفة كتب

*

ساسون سوميغ: مقهى بغداد

هيلدا اسماعيل: الشعر.. قرصٌ ساخن

فيء ناصـــــر : أول شاعرة للبلاط الملكي

*

الحصاد الشعري

الحصاد الفني

الحصاد الموسيقي

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009