العدد 17 شتاء 2009

 

الشعرية المفقودة[1]

 

حسن ناظم

 

 

داخل القفص الخشبي

في مؤخرة الشاحنة

يقبع القرد. يبدو عليه الهدوء

يتفحص ما حوله

تنطوي تحته الأرض مسرعةً

تتباعد عنه المناظر

تنطلق الشاحنة

في الطريق الذي يتلوى ولا ينتهي

وهي تهتزّ

يضطرب القرد

لكنه يستعيد الهدوء

...

لا يعرف القرد شيئاً عن المختبر، غرفة الأجهزة

والمجاهر والمبضع الدموي حيث تُصنَع من مخِّه الأبيض المستدير

عينات التجارب

من فجوات القفص ينظر القرد. يلقي على كلّ شيء

نظرة ساكنة.

                                البريكان، من قصيدة "رحلة القرد"

 

"لغة قصيدة ما، أعني القصيدة الحقيقية، ليست شعرية"

                          هانز جورج غادامير

 

يُكتشَفُ بعضُ الشعراء بعد حين، في زمان غير زمانهم. قد يغطُّ بعضهم في سبات عميق طويل، ثمّ تستنهضهم حقبٌ جديدة لاعتبارات جديدة، وقد ينتفض بعضُهم فجأة دون أن يدع النسيان يلفّ عالمه لوقت طويل. والوضع الأخير يصحّ على محمود البريكان (1929-2002) أكثر من أيّ شاعر آخر. اختطت شعرية البريكان طريقاً آخر لم يتبنَّ قوانين اللغة الشعرية المستنبطة عبر تاريخ حقل شعرية الشعر، وذلك في قسم كبير من أشعاره الناضجة التي غادرت تجربة البدايات، فبداياته لها مشتركات أساسية مع حركة الشعر الحر، والمقصود تحديداً هنا قصائده ذات اللغة التي تبدو لأول وهلة أشدّ مباشرية لكي تصلح لتجسيد قصيدة؛ وذلك جليّ في جملة من القصائد التي اعتمد فيها على ما في اللغة العادية من لغة شعرية مختلفة، الأمر الذي سنوضّحه لاحقاً. وعلى الرغم من ذلك، تبقى شعريته مفقودة؛ وواحد من معاني الشعرية المفقودة أنها بقيت بعيدة عن التأثير في حركة الحداثة الشعرية العربية، ولهذا التعبير جانب آخر سنأتي عليه بعد قليل.

فجأة، صار اسمُ محمود داوود البريكان1 على كلّ لسان، شعراء كُثْر تحدثوا عنه يوم مقتله العنيف في داره بسكّين لصّ. غير أن المقتل المأساوي غير كافٍ لاستدرار كلمات الثناء، فهم فوجئوا بكلمات البريكان أكثر من مقتله، وما مقتله سوى باب واسع انفتح أمام أشعاره، وأفق عريض راده وسيروده القراء يوماً بعد يوم. هكذا وجدتْ كلماتُ البريكان وعمقُها المريع طريقَها إلى الفكر والقلب في آن، هذه الكلمات التي ترتجف لها البواطن، صارت كنزاً فجأةً، لقد كانت موجودة رغم ندرتها، لكنّ أحداً لم يتضرّع بها إلى أعماقه تضرّعاً يطامن من الرهبة، ولم تكن تلقى مثل هذا الاهتمام المحفوف بالرغبة العارمة لاستكشافها، أهي الميتة العنيفة، تقوم فاصلاً، وعلامة فارقة، أم أنها الكلمات البريكانية وقد صارت كنزاً من ذهب، مطموراً في ضباب التفلسف، وغموض "العوالم المتداخلة"؟

يُشعرنا البريكان بالرهبة من العالم المكتنَف بالأسرار. وقد "سخّر" الشعر لكتابة بصائره، هو الذي قال: "يبدو لي أن الشعر فنّ لا يقبل التسخير". لكن هذا "تسخير" يردّ الشعرَ إلى جوهر صاف، إلى طموح معذّب أن يعبّر عن الهول الكبير الذي يجتاح الذات وهي تتأمل الباطن الغامض والظاهر العصيّ على الظهور. البريكان هو الشاعر المُسْتَبْطِن بامتياز، والاستبطان أحد مفاتيح، إلى جنب مفاتيحَ أُخَر، تأويل انزوائه الشهير وعزلته وعزوفه عن نشر أشعاره2. ويلوح لي الآن، بعد هذا الاستغراق في عالم البريكان الشعري، أن محاولة النقاد تأويل عزلته واعتزاله ببُعد واحد من أبعاد حياته وكتابته وأفكاره إنما هي محاولة تحمل معها نُذُرَ الفشل، فدواعي تلك العزلة عديدة، ومقتربات النقاد إليها مختلفة ومتشعبة، لكن حُزمة هذه الدواعي المنبثّة هنا وهناك، في أبحاث متنوعة، تفضي بمجملها إلى التأويل الأقرب لعزلته. مِنَ الباحثين مَنْ علّل تلك الظاهرة بالرؤية العدمية والإحساس باللاجدوى، ومنهم من قال برُهاب الآخر أو كرهه، وآخرون عمّموا الظاهرة بالقول بتبنّيه موقفاً وجودياً.

لا شكّ في أن التوطئة الإجمالية لقصيدة محمود البريكان لا تخرج عن نطاق ثقافة العصر الذي نشأ فيه شاعراً، فهو ابن الجيل الخمسينيّ، جيل بدر شاكر السياب (1926-1964)، وعبد الوهاب البياتي (1926-1999)، ونازك الملائكة (1922-2007)، وبلند الحيدري (1926-1996) وغيرهم، لكن فرادة البريكان تكمن في أنه عقدَ جدلَ وعيِه ونصِّه عقداً فريداً، ليس بعيداً جداً عن جدل وعي الريادة ونصّها، ريادة الشعر الحرّ (فهو باشر مع الرواد كتابة الشعر الحديث والمطولات الشعرية مثل مطولة المجاعة الصامتة وأعماق المدينة)، بل قريب منه بعضَ الشيء، وبعيد عنه بعضَ الشيء. لذلك يأتي نصُّه مرةً ضمن سياق نصّ الريادة الشعرية إبّان الخمسينيات، ويأتي مرة أخرى نصّاً شارداً عن هذا السياق. وهذا التصنيف لا ينتظم جميع الأشعار التي كتبها البريكان، فهو شأنه شأن أيّ شاعر، له بدايات وخواتيم متباينة وذات تنوّع أسلوبي ورؤيوي.

بلغ البريكان، ضمن هذا النصّ الشارد، نصّه الناضج، ذروة شعرية خاصة به. فأزمة القصيدة العربية التي تمخضّت عنها أعنفُ تجربةٍ تجديدية حَرَفَتْ الشعرَ عن مساره التقليديّ لأربعة عشر قرناً، كانت في اللُّبِّ من تفكيره الشعريّ. غير أن ما صاحبها من أزمة فردية فكرية ونفسية خاصة بالشاعر هي الحاسمة أيضاً في رسم وتأسيس نزوع خاص للنصّ البريكاني. وهي الأعنف أيضاً في حرْفِ مسار قصيدة البريكان نفسها عن مسارها الذي استهلّتْه إبّان الخمسينيات، وما خَلُصَتْ إليه معنىً ومبنىً.

يحاول محمود البريكان أن يفكّر في الوجود شعراً، يدخل إلى هذا العالم الغامض ليؤسس بالشعر أنطولوجيا تقيم أسئلة، وتنآى بنفسها عن تقديم إجابات نهائية. أنطولوجيا البريكان تحاول اختراق حُجُبِ الزمان لتفكر في المصير، والمصير كلمة تمتدّ في الزمان وتتلفّع به، والشاعر يحاول أن يستبق لحظات المصير والزمان منطلقاً من الخاتمة ونحوها، متأملاً تسارع بصائره الشعرية، ومحدّقاً في أهوال رؤيته. من هنا تكون تأملات البريكان في الوجود منطلقاً لتأسيس حرية، حرية خاصة به، تتملّص من اشتراطات الأيديولوجيا سائدةً وغير سائدة، ومن شرك اللحظة الراهنة بكلّ ثقلها ومعطياتها المهمة للشاعر مع ذلك، وأخيراً من أعباء التراث الشعري قديمه وحديثه. هذا التملّص والروغان فرض على أشعار البريكان لغة خاصة، لغة كان عليه أن يكتشفها ويطوّعها لأغراضه، وأن يجرّب وفاءَها بمراميه في قصائد متنوعة ومتعددة، لغة "ليست شعرية" تتوخى كتابة "قصيدة حقيقية" كما يقول آخر فلاسفة التأويل الكبار الألماني هانز جورج غادامير. وتطالبنا الصيغة الأخيرة، التي تبدو مفارقة، بالكشف عن طبيعة هذه اللغة التي طوّعها البريكان، وخبر تمنّعها، لكنه ظلّ يحاولها حتى استطاع إجبارها على أن تفي بمطالبه.

إن هذا التفكير في اكتشاف لغة تلائم التأمل الأنطولوجي شعراً هو بمثابة مسار آخر في تجديد الشعر العربي يوازي المسار الذي اختطّه السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري؛ مسار لم يُكتَب له الانتشار، ولا التأم حوله جدل يغذّي عوده الطريّ، ولا كان له تأثير بين الشعراء العرب. بل إن الشاعر نفسه لا يكاد يعرفه العرب على نحو يليق بمكانته الحقيقية، والأغلبية الساحقة عرفته بطريقة أن هناك شاعراً عراقياً قُتل بالبصرة في العام 2002 وانصعق العراقيون بمقتله كثيراً.

ترسم المثابرة على قراءة أشعار البريكان صورة في المخيلة لشاعر يتعهّد أفكارَه وتأملاتِه عبر الشعر بحرص مفرط. وحين رفض إجراء "تسخير" معين للشعر وحَرْفِه عمّا أراده له، لم يكن يريد أن يجعله متعالياً على أشياء الحياة، بل كان يريد صون طريقته في "تسخير" الشعر. كان يعيشه "همّاً" يداوي به "همَّ" الوجود. بهذه الصورة المرسومة عبر القراءة، يثير فيّ البريكان صورة الفيلسوف الألماني الكبير هيدغر كما رسمها تلميذه هانز جورج غادامير في كتابه طرق هيدغر، وسيرته المِران الفلسفي Philosophical Apprenticeship، وحتى كتابه الضخم الحقيقة والمنهج. فهو رأى إلى فكر هيدغر فكراً "يتجلى كهمّ محض"3، أي أنه ليس "أداة" يراد منها توخي غايات محددة وإنجازها. كذلك أمر الشعر بالنسبة للبريكان، فهو يعيش أسئلته وتساؤلاته همّاً شعرياً خاصاً به، ولا ينشد من وراء هذا العيش الخاص تحقيق غاية معينة سوى إنارة سُبل تفكيره وتأمله باللغة الشعرية.

تفضي هذه السُّبُلُ إلى انهماك اللغة في محاولة كشف المناطق القصيّة والمعتمة من صفحة الوجود. هذا الانهماك الكليّ، المهموم بقضية كبرى، يشكّل مفصلاً مهمّاً من مفاصل شعرية البريكان؛ أعني به اختفاء الذات. إذ لا أثر للنرجسية في شعرية البريكان، ولا وجود لذات متضخّمة. يلتفّ هذا الاختفاء بطبيعة إثارة الشكوك في القناعات الفردية، ومن ثمّ تعطيل الفاعلية الذاتية وخمودها. تختفي الذات المتضخمة في نصّ البريكان، بل تختفي الذات بإطلاق حين نبحث عنها مضمّخةً بالأنوية أو النرجسية. ولكن، في الوقت نفسه، يتوهج الفكرُ شعراً عبر لغة تتخطى في دلالاتها المألوف المباشر، وما هو قريب وفي المتناول، إلى الأبعد القصيّ، لكن دون ادعاء تفجيرها أو تدمير علاقاتها، فهي تبدو مألوفة، بل حتى مباشرة أحياناً، لكنها زاخرة بمضامين تدقّ وتستعصي على المألوف من اللغة، وهنا مكمن اختراقها حاجز الألفة العادية، ووقوفها على أعتاب اللاألفة بالبحث عمّا تخفيه من رؤى.

إن المِران والدأب على مثل هذه اللغة الخادعة، التي يمكن أن تحيلها قراءةٌ سطحية إلى ما هو مباشر واعتيادي، أوصل البريكان إلى ملامسة المعاني التي بحث عنها طويلاً، إلى استكشاف خبايا وخفايا ما يفكّر فيه من مسائل الوجود. وهنا يمكن مقاربة قبسة غادامير حول علاقة الشعر بالفكر، علاقة لغة الفكر بلغة الشعر. لقد رأى غادامير أن "لغة قصيدة ما، أعني القصيدة الحقيقية، ليست شعرية"4، قال ذلك في سياق حديثه عن لغة هيدغر الفكرية، اللغة الكاسرة للسائد، ولكن بأيّ معنىً؟ وبأيّ معنى يمكن فهمُ قول غادامير، بالنسبة للبريكان، إن لغة القصيدة الحقيقية هي لغة غير شعرية؟ بالطبع، لم يكن البريكان على ذلك الولع باجتراح علاقات لغوية شاذة أو متفجرة تطيح بالأسس كلها، لكنه كان يسعى حقاً إلى شيء "متحجّب" لكي يميط اللثامَ عنه، هذا المسعى الذي أجهد هيدغر في البحث عن لغة لمفاهيمه الفلسفية، أجهد البريكان في انطلاقه من أشياء العالم "الحاضرة أمامه"، الأشياء الواقعية التي لا يمكن التكلّم عبرها إلاّ بلغةٍ وعى البريكان إمكانيتها العسيرة على تجسيد الشعر في قصيدة. ومن هنا غامر البريكان في استعمال لغة "غير شعرية"؛ أي لغة تبدو معانيها القريبة مألوفة أشدّ الألفة، والدُربة التي ترشدنا إلى مكامن شعريتها إنما تكمن في إدراك شيء متوارٍ، متحجّب، متطلَّب، نسعى جميعاً إلى العثور عليه، وهو أبداً غائب، وبعيد، وقصيّ. باستخدام هذه اللغة، يضع البريكان علاماتٍ لتخطّي وجودها العينيّ المعطى سلفاً، والمحمّل بمعنى معطى سلفاً ليصل بها إلى وجود آخرَ، وجود مفهوميّ يجلّي فكرته وهمَّه. لكن قاسماً مشتركاً دقيقاً يقوم بين اللغتين: اللغة الفلسفية الهيدغرية واللغة الشعرية البريكانية، ذلك هو استعصاء تجسيد الهموم الفكرية الكبرى، كهمّ الوجود، في لغة مهما كانت. فلئن كان الشعر يمثل الغامضَ، والمتخفيَ خلف حُجُبِ الأشياء، والعصيَّ على التعبير، فذلك يعني اللجوء إلى خصوصية في اللغة لا تحيلها إلى مجرد "بلاغة" ببعدها البديعي الزخرفي، بل إلى مجسّد لقصيدة من نوع خاص، بل إلى شيء يمنح القصيدةَ ماهيتَها من دون أن تكون لها ماهية متفق عليها سلفاً، ومتواضَع عليها قديماً وحديثاً، كأن نقول إن هذا الاستخدام اللغوي المحدد "يُشعرن" اللغة، فتكون الحصيلة قصيدة. فالشعرية بهذا المعنى شعرية ذات مسار معروف تاريخياً، شعرية مستنبطة من وجود عينيّ للشعر، من شعر سبقها في الوجود، فاستُند إليه في استنباط قوانين النصّ الشعري. والأمر مع شعرية البريكان مختلف، إذ لا مزيّةَ كبيرةً لقصائده من هذه الناحية، ولا وجودَ استثنائياً وفريداً لتلك الشعرية في قصائده، ومن هنا، وبهذا المعنى تحديداً، وجدتُ انطباق كلمة غادامير على قصائده، فقصائده تبدو، استناداً إلى الشعرية الموجودة، كمقابل لشعرية البريكان المفقودة، غير شعرية، أو ذات لغة غير شعرية.

لننظر في قبسة المقدمة هذه، حيث مقطع من قصيدة "رحلة القرد". كلّ الجمل في هذه القصيدة تبدو مألوفة، عادية. لكن كلّ جملة تقول شيئاً وترجئ آخر، ربما يحسُن القول إنها تكتمه. الأشياء المقولة عادية: قرد قابع في شاحنة، ماضّ إلى مختبر لإجراء التجارب على مخّه. يزوّدنا النصّ الكامل بتفصيلات أُخَر، يقدمها لنا بحياد، لكن ثمة شيئاً مرجأً لا يقوله النصّ، وإنما يطويه، بل يصرّ على جعله طيّ الكتمان. وفي هذه العملية، عملية التصريح والكتمان، القول والإرجاء، يتخلّق توتّر صار البريكان أستاذاً ماهراً في صنعه من جوف كلمات تبدو عادية. هذا التوتر يُكسب النصَّ وجوداً خاصاً. ولا يعود كافياً قولُ النقاد إنه تعدد أبعاد النصّ، أو قراءاته، ولا هو فقط تخطٍّ لنظام دلالي ما، بل هنا عملية إضفاء الشعرية على أمنع لغة على الشعرنة. بعد ذلك نفكّر في ذلك الشيء المكتوم في النصّ، نفكر في شيء كامن نوظّف مهاراتنا في القراءة لإظهاره من "رحلة القرد". فنقول مثلاً إنه جنون عالمنا الحديث الذي يمتهن الإنسان والحيوان، أو إنها المغامرة الإنسانية وقد ركبت كلَّ مركب من أجل توقها للتحوّل، أو إنه عبث الوجود وتحطّمنا تحت ضربات القدر، إلخ. وهذا الوضع ينطبق تماماً على نصوص "الأسد في السيرك" و"متاهة الفراشة" وغيرهما.

تعيش لغة البريكان في هذا النمط من القصائد معلّقة على حافة حادة، إنها تلامس عتبةَ اللغة العادية، ومنوط بها في الوقت عينه أن تجسّد قصيدة متميزة. وهذا أصعب وضع تعيشه القصيدة، وأعقد مهمّة تناط بشاعر. إن ذلك الجزء المكتوم أو المرجأ في قصيدة البريكان هو الذي يشكّل قوام شعريتها، وهنا يكمن المعنى الثاني للشعرية المفقودة. فذلك الجزء مفقود وبحاجة إلى دُربة القارئ لإظهاره. والفشل في تعقّبه ومعرفته فشل للقصيدة والقارئ في آن. فقارئ قصيدة البريكان حين يعجز عن إدراك المكتوم والمرجأ فيها، ذلك الذي يجعل منها قصيدة، ذلك الجزء المفقود، لن يرى في النصّ قصيدة، بل كلام عادي يصف شيئاً، واقعة، مشهداً. وهنا يجب أن ننتبه إلى أن هذه واحدة من العلامات الفارقة بين قصيدة البريكان والقصائد الأخرى التي تعتمد البعد الاستعاري ستراتيجية للشعر. ففشل القارئ في إدراك العلاقات الاستعارية يُدخل القصيدة في اللامعنى، ويُخرجها من حدّ المعقولية، بينما يحيل فشلُ القارئ في إدراك المفقود في قصيدة البريكان إلى كلام عادي، أي يجرّدها من شعريتها، ولكنه لا يُخرجها من حدّ المعقولية بالمطلق. ببساطة حين يُخفق القارئ في إدراك التوتر الذي يخلقه الجزء المكتوم من قصيدة "رحلة القرد"، يبقى النصّ يصف بمعقولية طاغية رحلةً لقرد.

بودّي أن أتعزى بالقول إنه كان يجب أن يقوم تمثال في البصرة يخلّد الشاعر محمود البريكان جنباً إلى جنب السياب. هل في هذا حماسة مفرطة؟ هذا الرائد، مستكشف الأعماق، يستحقّ منّا كلّ ألوان التكريم وإن جاءت متأخرة. إنه أمر يخصّ الشعر أكثر من الشاعر. فبعد أن طوى الشاعرَ عنفٌ عبثيّ، فقُتل في داره بسكين قريب سارق، لم يبق إلاّ تعزيز أشعاره الإنسانية، حتى نلحق بأيّ أثر باقٍ منها، علّنا بإشاعتها ولفت الانتباه إليها نستدرك مآل الشعر إلى الانطفاء والتلاشي. فلقد أدّى غياب أثر البريكان في الشعر العربي الحديث إلى انزلاقات خطرة في متاهات القول، حين طفق الشاعر لا ينصت إلى أعماقه.

إلى جانب التمثال المزعوم، كان يجب أن يحظى البريكان بمكتبة شأنه شأن السياب: حشد متنوع من الدراسات والمقالات تُغني معرفتنا به وبأشعاره. وأحسب أن الحركة النقدية حول البريكان قد بدأت ولن تنتهي إلاّ بتحقيق هذه المكتبة.

ومن المنتظر أيضاً أن يهمّ أحد أقرب الناس إليه والعارفين بخباياه ليدوّن لنا سيرة حياته: فهو ينتظر عملاً من طراز عمل "إحسان عباس" في سيرة السياب. وإني لأقرنه دائماً بالسياب لأنه يمثل بالنسبة لي الكفّة المفتقدة في ميزان الحداثة الشعرية العربية، تلك الكفّة المنسية بل المفقودة حتى الآن، ناهيك عن الحيف الذي لحق بالبريكان، فلم يشارك الشاعر السياب إلا في شيء واحد: دفنه في المقبرة نفسها التي يرقد فيها السياب.

ومن هنا أقول لو قُدِّرَ للشاعر الرائد محمود البريكان أن يكون له، من البدء، تمثال ومكتبة وسيرة لاختلف اليوم وضع الشعر العربيّ الذي هيمن عليه، باعتبار العموم، السياب أولاً ثمّ أدونيس ثانياً. إن الإعلام، بشتى صنوفه، بات متحكّماً أولاً في رواج كلّ شيء، سواء أكان الشيء قصيدة أم بضاعة استهلاكية. ذلك أن الأشياء "الموجودة فقط" لم تعد أمامها سبل للوصول، في أيامنا هذه، إلى مستهلكيها مثلما كانت تصل إليهم في أزمان سابقة.

                                                                  حسن ناظم

                                                              سيدني شتاء 2007

 


 

[1] هذه مقدمة كتاب بالعنوان نفسه، قام بتحريره حسن ناظم، وسيصدر عن دار الجمل العام 2010.

1 الكتب التي كتبت عن الشاعر محمود البريكان هي الآتية:

محمود البريكان: دراسة ومختارات، تقديم عبد الرحمن طهمازي، دار الآداب، بيروت، ط1، 1989.

وهو كتيّب يضمّ دراسة طهمازي التي عنوانها "سيادة الفراغ: محمود البريكان"، واثنتي عشرة قصيدة مختارة.

الإبلاغ الشعري المحكم: قراءة في شعر البريكان، د. فهد محسن فرحان، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2001. وهو كتاب يدرس الجوانب الأسلوبية في شعر البريكان.

متاهة الفراشة، إعداد وتقديم باسم المرعبي، منشورات نيبور، السويد، 2003. فيه سبعون قصيدة للشاعر، وحوار أعيد نشره، وكان أجراه حسين عبد اللطيف في العام 1969 ونشر في مجلة "المثقف العربي" في العام 1970.

الطرق على آنية الصمت، أسامة الشحماني، منشورات بابل (المركز الثقافي العربي السويسري)، زيورخ، بغداد، ط1، 2006. وهو في الأصل أطروحة ماجستير قدمت في كلية الآداب، جامعة البصرة.

أما عن نشر أشعاره فقد أقنعه الشاعر المفترَط رياض إبراهيم بإظهار بعض قصائده في ملفّ خاص، وهكذا ظهر ملفّ بأشعاره في مجلة الأقلام العراقية في العام 1993، وهو أغنى ملفّ عن الراحل البريكان.

2 من السذاجة النقدية قولُ بعض الدارسين أن من تبعات عزوف البريكان عن نشر أشعاره أن شعره لم يتطور صحبة أقرانه، وأن إيحاء ضمنياً بأن الشاعر شعر بفوات الأوان في السباق مع أقرانه من المجددين العراقيين في حركة الشعر الحرّ، مكمن السذاجة النقدية في تجاهل البعد اللازمني للشعر، وربطه بزمن محدد عليه أن يلعب دوره فيه. وهنا يمكن أن نتساءل: أما زال الشعراءُ الحقيقيون في عمر واحد، كما قال مرةً رسول حمزاتوف، أم أن علينا أن نعيد النظر في هذه المقولة أيضاً. ولتمحيص هذا القول الساذج، ينظر دراسة سامي مهدي "محمود البريكان: الوعد الذي لم يُنجَز"، في مجلة نزوى، العدد 41، سنة 2005.

3 غادامير، هانز جورج، طرق هيدغر، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2007، ص160.

4 المصدر نفسه، ص164.

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

* 


خزعل الماجدي: لا أحد قرب قبري
ياسين طه حافظ: حياة عبد اللطيف الراشد وموته


*


ملف: محمود البريكان


محمد خضير: سُدم/ عوالم/تكوينات
عبد الكريم كاصد: الصوت الناصع
حسن ناظم: الشعرية المفقودة
علي حاكم صالح: في الطريق إلى البريكان
سعيد الغانمي: شعر البريكان، هواجس انتظار المصير
ناظم عودة: دوائر سود على بحيرة بيضاء
فوزي كريم: البريكان، احتفاء بالانسان وأشيائه الزائلة


*


حصاد المحرر: الشعر


الشعر الباحث أم الشعر المغير
الهجين الأمريكي
شعراء المحج الروسي
رومي
في لوديف

 

*

 

حصاد المحرر: تشكيل


الحديقة والكون
رياح التجريد الروسية
ريتشارد لونغ
نداء بالبل

 

*

 

حصاد المحرر: موسيقى


بروميثيوس
جريمة قتل في الكاتدرائية
ثلاثية دانتي الموسيقية

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009