العدد 17 شتاء 2009

 

دوائر سود على بحيرة بيضاء

 

د. ناظم عودة

 البريكان

هذا هو العالم المتأرجح بين الحقيقة

والوهم. بين سطوع الوجود وظل العدم.

أهذا إذن عالمي؟.

       البريكان، 1989

 

1

 

العالم بين قوسين

امتدت حياة محمود البريكان (1929-2002)، خلال سبعة عقود من تاريخ العراق، متزامنة مع أهم التحولات التي جرت في هذا البلد على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية، لكنه لم يكن خلالها فارساً سياسياً، ولا مارداً اقتصادياً، بل ارتضى لنفسه أن ينتزع العالم من صورته الخارجية المخادعة، ويزيح قشرتها قشرة فقشرة، يزيح ويقرأ، ليكتشف صورته هو وصورة الإنسان والحيوان والأشياء طراً. وأراد خلال ذلك، أن يكون كالبرق الكاشف لعمق الأشياء، ذلك العمق العدمي الذي يحتضن جذور الكون:

البرق1

أطلق البرق شحنته في عروق السماء

كشف البرق هاوية الكون،

رسم في الليل وجه العدم

يخلف ظلاً من الخوف أزرق..

منتشراً كصدى..

 

البرق2

قبة الليل في لحظة تتفطر

الأرض بحر من الزرقة الساطعة.

البيوت

فجأة تستحيل شواهد من مدن دارسة.

ثم تستأنف الكائنات تنفسها

وتواصل في العتمة القارسة

نبضها

وما مهمة الكشف عن الصور العدمية المندسّة في الأشياء العاقلة وغير العاقلة، سوى مهمة صعبة، تفصح عن نفس ذات تركيبة سيكولوجية معقدة، وذات رؤية مربوطة برباط وثيق بالفلسفة العدمية ولاسيما في اللحظة التي تتماهى فيها بالشعر، أو تستحيل إلى نمط من الكشف الشعري الخالص.

وهكذا، فإن البرق الذي يحدث أمام أعيننا مراراً دون أن نلتفت إليه، يشعر البريكان بأنه ليس لحظة عابرة وبعيدة تحدث في عروق السماء، بل لحظة عدمية تفصح عن مقدار الخوف الجمعي الذي يحمله الإنسان على نحو متوارث، فيه ترقّب قاتل لحدوث الفناء. ولعل البرق وغيره من ثورات الطبيعة يقترن في المخيال الشعبي بالزوال والفناء، ولذلك يقول عنه: كشفَ هاوية الكون، ورسم وجه العدم، وتستحيل البيوت فيه فجأة إلى شواهد من مدن دارسة.

إنها تجربة شعورية حقيقية، عايشناها جميعاً، وخلّفت في نفوسنا انطباعاً خليطاً من الخوف والوحشة وترقب ما سيؤول إليه المصير. وتلك اللحظة التي تتوهج فيها البيوت بعد ظلمة وتستحيل إلى أماكن دارسة، نحن قد شاهدناها في تجربة البرق الحقيقية، لكن البريكان ينتزعها من لحظتها الواقعية التي تثير فينا الفزع، إلى لحظة كونية فيها تأمل ميتافيزيقي، تتعدى حدود الواقعة إلى حدود الكشف.

وفي المقابل، فإنه ليس فيلسوفاً عدمياً متسلحاً بعدّة المنطق الأنطولوجي المجرد، إنما هو شاعر يضبط لحظة التوتر الشعري بين برهتين: البرهة التي تنفطر فيها قبة الليل، وتكون الأرض بحراً من الزرقة الساطعة. والبرهة التي تستأنف الكائنات فيها تنفسها، وتواصل في العتمة القارصة تنفسها. ولا شك في أنه هنا، يستعيد نفَسَهُ الشاعري وإحساسه بجماليات تحويل الحادثة إلى صورة منقوشة في جسد اللغة، عندما تتحول لحظة المصير عنده إلى لحظة توتر في علاقات لغته الشعرية، تتمثل في الخط الزمني ما بين انفطار قبة الليل، وانحباس تنفس الكائنات واستئناف التنفس والنبض ثانية. أو لحظة التوتر بين البرق(1) والبرق(2)، إذ يتكفّل الأول في تكريس الأثر النفسي العدمي المتمثل في: كشْف هاوية الكون، ورسْم وجه العدم، وانتشار ظل الخوف الأزرق على هيأة صدى مصيري. أما الثاني فيتكفل في تكريس الفعل الرمزي العدمي للبرق، الذي تشترك فيه الكائنات ببيوتها وتنفسها ونبضها وانقباضها وانبساطها.

لكن هذه اللغة، تفقد في اللحظة التي تتشكل فيها لديه أية ذاكرة دلالية سابقة، وتُخلَق لها ذاكرة سياقية تتكوّن من مجمل قصائده ورؤيته ومزاجه وموقفه من الأشياء والعالم، لغة مشبعة بقلق الكينونة.

وخلف هاتين الرؤيتين: الرؤية العدمية، والرؤية الشعرية، ثمة محرّك سيكولوجي يحرّك البريكان إلى الاعتقاد بهذا التصور، إنه فوبيا قاتمة، تتمكن منه، وتهيمن على حركاته ونظراته إلى كل شيء، بدءاً من توجسه من فتح باب منزله، ومن زائريه، وانتهاء بتردده من نشر شعره لخوفه من كثرة الأخطاء التي تصاحب عملية النشر في الصحف أو المجلات. وربما، وهذا هو الأهمّ في ظني، ارتعابه من أن تُفَسَّر نصوصه العدمية، تفسيراً يضعه بين يدي السلطة وبطشها.

 

2

 

الرؤية النقدية للواقع

وهنا ينبغي القول إن قصائده تطرح رؤية نقدية للواقع السياسي والاجتماعي، لكن ليس بأسلوب الصورة بل ما يقف خلف هذه الصورة. وهذا الماخلف، إنما هو في جوهره ضرب من الترميز، يوفر له فرصة حماية نفسه الواهنة من بطش السلطة. ومع ذلك، فإن صورة البطل في قصائده تستغلّ قناع الترميز، لمشاهدة الوجوه المنكسرة، في الشارع أو في البيت أو في المقهى أو العمل، ومن ثم امتصاص النسغ العدمي في هذه الكائنات، لتحويله إلى محفّز للتمرد والثورة على أساليب انتزاع آدمية الإنسان تحت ذرائع شتى، تلتقي جميعها في نقطة واحدة، هي استلاب الإنسان وتحويله إلى كائن لا يستطيع أن يعيش من دون أن يتنفس هواء الأيديولوجيا؛ الأيديولوجيا ذات الأقنعة المتعدة التي تخفي عادة وجهاً واحداً، هو الوجه المخادع الباطش للسلطة بمعناها الشامل.

ففي قصيدة: أسطورة السائر في نومه، ثمة صورة لذلك البطل المشبع بروح المرحلة السياسية. وهي صورة تتقمص أو تمتصّ كل الصور الأخرى للإنسان المستَلَب في تلك المرحلة التاريخية. لذلك يقول مخاطباً أصدقاءه أو قراءه المفترَضين، يصف لهم صورة ذلك البطل السائر في نومه أبداً:

اصغوا إليّ أصدقائي، وهو قد يكون

أيّ امرئ يسير في الطريق.

أو ينعته بـ:

أن له وجهاً كوجه الناس أجمعين

والصفات التي يتصف بها ذلك البطل، هي التي تشكل صورة نهائية لإنسان وقع ضحية استلاب دوري، يستبدل أقنعته بصورة مستمرة. والرؤية النقدية لدى البريكان في هذه القصيدة، تقوم على تقنية تجسيم صورة الضحية، كأنه يؤدي دوراً على خشبة المسرح، ويُفرِط في تصوير مواضع الأذى لذلك البطل، بغية انقلاب الصورة. كأن البريكان يقول لنا: إذا أردت أن تقتل القاتل بسلاحه، أمعنْ بتجسيم صورة مقتل ضحيته على مرأى منه.

ومع أنه كان واقعاً تحت مؤثر مسلّمة عدمية، أنتجت لنا صورة بطل مستسلِم لمصيره على نحو حتميّ، لكنه من ناحية أخرى كان يبذر بذرة انقلاب الصورة المستسلمة إلى صورة أكثر استفزازاً لنا ولنفسها. الحتمية والعدم لدى البريكان، يبدوان في أحيان كثيرة أسلوباً ماكراً من هذا الشاعر الواهن، تجعلنا في أحيان كثيرة نزمّ شفاهنا بابتسامة مكتومة، على الطريقة التي ينظر بها أو يعالج بها الأشياء، كأنه امرأة عجوز تدسّ حاجياتها في بطن فوطة موضوعة في بطن أخرى، مندسة كذلك في بطن فوطة أخرى، وهكذا دواليك.

عادة، لا يقف هذا الشاعر أمامنا شفافاً، لا هو ولا لغته. وهكذا فإنه في قصيدة: أسطورة السائر من نومه، يبدو فيها متعاطفاً مع بطلها أشد التعاطف على الرغم من الفعل السلبي الذي امتاز به. ومما لا شك فيه، أنه يريد عبر الالتفات إلى مخاطبتنا نصياً أن ينبهنا إلى مصدر الاستلاب: السلطة، لأن تعميم الظاهرة هو نقل المسؤولية من نطاقها الفردي إلى نطاق آخر، ذي مزايا لا تتعدى نطاق القوة المستبدة الأبدية: السلطة. بيد أنه عبر كل قصائده، يطرح معادلة أنطولوجية تساوي بين: العدم بهيأته التجريدية، والسلطة بهيأتها التاريخية.

تأسيساً على رؤيته العدمية، هل بوسعنا أن نجد نوعاً من العلاقة بين هذا التجريد العالي الذي يطغى على النصوص، وصورة الواقع الذي عاش فيه ورسم تطلعاته، واكتسب ثقافته؟.

إن العمر الشعري للبريكان، يتزامن مع صراعات سياسية طاحنة، عصفت ببنية المجتمع العراقي، فهو في حركة تغير دائمة، لا يستقر على حال أبداً، ووجد أن الإنسان هو الخاسر الأكبر في هذا الصراع، وعندما مدّ بصره بعيداً وجد أن المأساة تتكرر بأقنعة مختلفة في كل بقاع الأرض، فحاول أن يمسك بجوهر الصورة المشتركة، وأن ينزل إلى الأعماق السحيقة لتلك الحياة، ليبصر ذلك السرطان الذي يفتك بالكائن منذ بداية الخليقة. إنه سرطان السلطة، الذي لا ينحصر عنده في مفهوم السلطة السياسية، بل يتعدى ذلك إلى كل مراكز القوة المستلِبة، المنتهِكة، الكاريزمية، سلطة الدين والسياسة والمجتمع على حدّ سواء. ففي قصيدة: السقوط الجماعي، يتحدث كيف تخلق السلطة مخالب القوة التي تتمكن من الإنسان روحاً وجسداً، كيف تتحول ( الأفكار) إلى جامع يمشي، أو إلى كنيسة تمشي كذلك، أو إلى كرسيّ مثبّت بمسامير الأيديولوجيا.

ولعله في هذه القصيدة، يطرح رؤية نقدية لتلك (الأفكار) التي عادة ما تُشرنق نفسها بغلالة قدسية، هي الأخطر في الطرائق الخدّاعة لتكوين السلطة، أو الأبوّة الماكرة. يتراءى هذا عبر هذه الصور:

1-                   عيون الله في كراسة التشريح مرسومة.

2-                   دم الأحبار ممزوجاً بأصناف من الخمر (ولا يكشف عن سرّ المقادير).

3-                   خلاصات من الأحلام

في صورة أقراص، شراب، حقن في الدم، تحت الجلد.

أصوات الصراصير

مسجلة لمن يرغب.

مجاناً.

فخذ ما شئت من أسواق الأساطير.

4-                   على الجماجم الصمّ. تواريخ

معاد صنعها، بأحدث الآلات.

أخبار، تقارير

عن الخبز الذي لم يخترع بعد.

5-                   وإذ يرتجف الإنسان من لحظة تفكير

يكون الأمر قد تمّ

وهل للموت تبرير؟

هنا، يتجاوز البريكان مهمته الشعرية الجمالية، التي تقتضي منه أن ينتقل من مركزية الذات وجماليات النسج اللغوي المثقل ببلاغية مفرطة أحياناً، إلى مركزية السارد الكوني المراقِب والمشارك في الأحداث التي تدور من حوله، فهو الراوي والمروي في آن، فالذي يحدث في ألمانيا أو روسيا أو جنوب أفريقيا إنما يحدث- من منظوره الفلسفي والأخلاقي- في البصرة. الإنسان هو الضحية، والسلطة الرمزية هي من يفتك به على الدوام. وهو يخبرنا، بأنه أستطاع أن يفكّ شفرة الأقنعة التي تتقنع بها السلطة عبر كل أدوار التاريخ؛ أقنعة متعددة لوجه واحد. وهذا مقتضى حال الهمّ الأنطولوجي، لكن فضيلة البريكان أنه قرّب المسافة بين الفلسفة والشعر، حتى أنه أذاب ( التأمّل) الفلسفي بـ (المخاض) الشعري. وحوّل المكابدة ( العقلية) إلى مكابدة متماهية مع المكابدة (الروحية). ولعلنا نكتشف في تجربته الشعرية، سعياً إلى التوحيد والاندماج بين الشعري والفلسفي.

 

3

 

الرؤية الثنائية

لكن، هل استطاع البريكان أن يفكّ شفرة الوجود الغامض؟ شفرة الوجود الذي ينشطر إلى وجودين في جميع الكائنات، وجودين متلازمين لا ينفكان أبداً بحسب الرؤية الأنطولوجية التي ينظر من خلالها إلى العالم.

في قصيدة: إنسان المدينة الحجرية، ثمة مقابلة بين إنسانين ومدينتين، لكنهما في الحقيقة مدينة واحدة وإنسان واحد. المدينة وعاء لهذا الإنسان، وهو يشتق لهذه المدينة نعوتاً مرعبة وموحشة وصلدة لا حياة فيها، تترك في سمعك انطباعاً بأنها الموت بعينه. والإنسان الحالم في هذه المدينة، يجد نفسه مسحوقاً بين صخرتيها. هي مقابلة بين مدينة رمزية، وأخرى حقيقية، وبين إنسان متخيل وآخر حقيقي. وفي نهاية المطاف، تتقلص حدود المقابلة، لتصبح توحداً بين الإنسانين والمدينتين. إنها ليست مدينة مجردة، إنما هي مدينتنا وإنساننا. وهكذا، يتحول الصخر والحجر في هذه المدينة، إلى كلمات مشبعة بترميز أنطولوجي عالٍ، وهي تعبر عن قساوتها وصلادتها، وأحياناً عن لاإنسانيتها، لأنها استحالت إلى غول الموت نفسه، ولأنها قاتلة الأحلام. إنها ظل العدم، أو العدم بعينه بحسب رؤيته.

وهكذا، فإن الشعر عنده رؤية، قبل أن يكون حذلقة بلاغية ومهارة لغوية، تنشغل بتنضيد الصور الواحدة جنب الأخرى، أو الواحدة فوق الأخرى. وعلى هذا الأساس، أي في الوقت الذي يتحول الشعر كله إلى رؤية، فإن إطار الزمن لم يعد ذلك الإطار الذي يقولب الأشياء، إنما زمن ممتدّ تعوم فيه جميع الكائنات بلا ذلك الإطار. ولعلّ موقفه من بعض شعر الحداثة، ينطلق من كونه يرى ذلك الشعر مسجوناً بإطارية الزمن، على حين يسعى هو إلى تحرير القصيدة من لغة الإطار، وموسيقاه، وبلاغته. لذلك فإن المقترب الأنسب لقراءة قصيدته، هو النفاذ إلى داخلها من خلال صورة الزمن أسفل غربال التاريخ، لا من خلال صورته وهو في أعلى الغربال.

البريكان، شاعر الأغلفة الداخلية، وشاعر الأنسجة، ومشغوف برؤية الطبقات الداخلية للقشرة، وهو من نمط الشعراء ثنائيّي الرؤية؛ بمعنى أن للأشياء عنده دائماً صورتين، صورة مندسّة في بطن أخرى. وهو واقع تحت هيمنة رؤية ظاهراتية للأشياء، لا يستطيع أن ينظر إلى العالم إلا بعد أن يرجئ أو يعلّق معناه السابق بين قوسين، ويتعامل معه على أنه ظاهرة تتشكل تواً في طبقات شعوره القصدي وتكوينه السيكولوجي والفلسفي والأخلاقي الذي ينظر من خلاله إلى الأشياء كيف تطلق نداءاتها السرية إلى الآذان السرية، التي يملك البريكان واحدة منها في لحظة إصغائه الشعري إلى عالم يتحرك من حوله بحركة مزدوجة. حتى أنه في إحدى قصائده، يحاول أن يرصد هذه الحركة، ويحاكي لنا صوتها الذي لا نظير له، صوت موحش عدميّ، يلفّ المدينة دون أن تنتبه إليه:

صوتٌ، لا يشبههُ صوت

يأتي من أقصى البرية

صوت كنداء إله هالك

يُطلق لعنته

كتحشرجِ وحشٍ مقتول

كتناوح ريح

ليست من هذا العالم.

في البدء

ما كان أحد يسمعه.

ثم اعتادوا

أن يمرق في أفق مدينتهم

لا يلتفت إليه أحد

لا يتساءل عنه أحد

فلماذا وحدك

يا هذا الشاعر

تسهر ليلياً

تنتظر الصوت الغامض؟

ولماذا

لا يمكن دفع الفكرة

أن هناك شدائد قادمة

وكوارث ستقع؟

وانطلاقاً من هذه الرؤية، اكتشف صورة موحشة للعالم: الإنسان، والطبيعة؛ إنه: طوفان التصحّر، الذي بات يلتهم كل شيء. هذا التصحر الذي خصّه بقصيدته المكتوبة في العام 1989 وهو عام فاصل في تاريخ العراق، أو بداية الانزلاق إلى صورة قاتمة موحشة كمثل تلك الصورة التي لا يملّ البريكان من تكرارها في كل قصائده، أقول إن هذا التصحر هو مرثية فلسفية للوجود الذي تبدو صورته القاتمة كمثل تلك الصورة المفزعة التي يرسمها للكتب حينما يقول:

الكتب تتداعى مجلدة بالغبار

الذي يتحجر شيئاً فشيئاً.

صدور المعاجم منخورة

تتلاصق أوراقها

تتآكل

في كتل من رمال رمادية ناعمة.

 

4

 

النظر إلى الحداثة

عاصر البريكان جميع المراحل التي انتقل فيها الشعر العراقي من النظام التقليدي إلى القصيدة الحديثة؛ أي أنه عاصر المرحلة السيابية ومشروع الحداثة، والمرحلة الستينية، والمرحلة السبعينية، والمرحلة الثمانينية، والمرحلة التسعينية، وهي المراحل الأبرز شعرياً، والأكثر اشتغالاً في التجريب الشكلاني. لكن هذا الشاعر الذي كان صديقاً للسياب، وأثنى عليه بحكم انطباعي فقال: إنه "شاعر عظيم"، لم تكن انشغالاته الشعرية كما انشغالات السياب الذي كرّس ثقافته وحياته لتحديث نمط القصيدة العربية، بل اتجه إلى البحث عن الصراع الأنطولوجي القاتم، الذي يختبئ وراء صورة الجماد والحيوان والإنسان.

مركزية القول الشعري لدى السياب، تنطلق وتتمحور حول تمزقاته الذاتية، على حين تتجه المركزية الشعرية لدى البريكان إلى التعبير عن تمزقات الذات الجماعية، عن وحش العدم الذي يفترس الكائنات، لكن بمسافة لا تجعله خارج دائرة الافتراس. بمعنى أن الاختلاف بينهما يكمن في الامتداد الزمني، فالبريكان تستنزفه صورة الأبد، لعله يبتغي من ورائه تعويضاً عن العدم، الذي يتناثر كـ:

بقع سود على بحيرة بيضاء

وهو يجد صورته متماهية في صورة ذلك الأبد، ولذا فهو يقول:

وعبر أسى المحطات،

وجوع الروح والجسدْ

وعبر النور والظل،

أظل أنشد الأبدْ

من المؤسف أننا لا نملك قاعدة بيانات توثيقية جيدة لحياة هذا الشاعر؛ أعني مسوداته وشخابيطه ومدوناته اليومية، التي تضع بين أيدينا صورة عن مرجعيته الثقافية، وتكشف لنا عن طبيعة البنية السيكولوجية التي تتحكم في مزاجه الشعري ونظرته إلى العالم. وكل الذي سنقوله أو يقوله الآخرون، إنما هو تأويل انطلاقاً من النص، والحقّ أن النص وحده لا يكفي لتكوين مقاربة أكثر اقتراباً من كبد الرؤية الشعرية له ولعوالمه المتداخلة.

المرثية الفلسفية للوجود، التي يعيد البريكان تكرارها في كل قصائده، لا تتعلق بالموت الجسدي التقليدي الذي يعدّ نهاية حتمية لجميع الكائنات، بل إن هذا الشاعر منشغل بتصوير الموت الذي يستيقظ بقوة في الحياة نفسها، وكأنه يسعى إلى البرهنة على فرضية أنطولوجية هي: الوجود= العدم، لاغياً بذلك الفاصل الوجودي الذي تقيمه الواو بينهما في التراث الفلسفي الوجودي ( الوجود والعدم). وهكذا، تصبح المعادلة عنده كالآتي: الوجود العدم، كلمة واحدة، وجملة واحدة، ودلالة واحدة.

هذا ما تكشف عنه اللغة التي يستعملها، لنلاحظ أن صورة الاحتضار التي يرسمها في المقاطع السابقة، إنما هي في الواقع صورة الحياة الطبيعية التي نزاولها جميعاً؛ الإنسان والحيوان والجماد. في الجملة رقم (1)، يحدث الموت في أوكار الطيور التي هي مكان الدعة والاطمئنان والاستراحة من رحلة البحث المرهقة عن أسباب البقاء، ويحدث في الكهوف بالنسبة للوحوش، وفي الأوجار بالنسبة للثعالب، وفي المكان الصامت في آخر الغابة بالنسبة للأفيال، أما الإنسان فإنه يموت في عالمه الداخلي الباطن، الذي يثقل كاهله بذاكرة خصبة لميراث المكابدة الوجودية، إنه مخيال مؤثث بوحشة الحياة.

 

5

 

الزمان الأنطولوجي

ينظر البريكان إلى الزمان على أنه خصم عنيد للوجود، ففي الوقت الذي يناضل فيه الثاني من أجل البقاء، فإن يد الأول تمرّ على جميع الأشياء وتغيّر معالمها، وتسلبها جوهريتها، وتعطّل نبض الحياة فيها. وعلى الدوام، يبدو البريكان - ذو الوجه القاتم وذو النظرات الملمومة كأنه ينظر من ثقب إبرة- مراقباً مرعوباً لحركة الزمان، وتتسع تلك النظرات الملمومة كلما مشى ( شعوره القصدي) على تجاعيد الأشياء، أو تأمل حركة الزوال التي ستعتلي الأشياء الجميلة جميعها.

يصرّح في عنوان إحدى قصائده [ الزمان..الزمان..الزمان]، بشكل عفوي عن الحركة الثلاثية للزمان التي تصاحب جميع الكائنات: الولادة- الحياة/الوجود- الموت/الزوال. لكن هذه الحركة الثلاثية، تُختزَل في حركة واحدة هي حركة الزوال، أو خواتيم الأشياء التي يصورها البريكان في كلمة واحدة ذات دلالة حقيقية أو مجازية، غير أنه يضعها في الجملة كما يُوضَع محرِّك في بدن أو هيكل السيارة. وهكذا، تتحرك الجملة دلالياً بحسب الإيقاع الذي توزعه على سائر الكلمات في النص. لنتأمل الكلمة النواة التي سأكتبها بشكل مائل في الجمل الشعرية الآتية من النص الذي ذكرناه آنفاً:

الزمان..الزمان..الزمان

ستصوّح أسنى الحدائق. تُسْلم أوراقها لهواء الخريف

المسافر. تهرم كل الشوارع والدور. تذبل كل

العواطف وتتحول بغضاً وحقداً. وينمو الصغار رجالاً

أصحاء أو صوراً من مسوخ. جميع الأغاني ستُنسى

وكل المسرات تثوي محنطة في الظلام

إلى يوم أن تتهدم أعمدة الذاكرة.

وعلى الرغم من أن رؤية البريكان هنا رؤية كونية، فماذا لو نظرنا من خلالها إلى صورة العراق الآن؟ إلى الحدائق، الشوارع والدور، العواطف، الصغار، الأغاني، والمسرات. هي يد الزمان إذن، من مشى على كل تلك الأشياء، لكنها يد تجري في عروقها دماء الإنسان الموثوق بوثاق المكان المحدد، الذي يمكن أن يشار إليه بالإصبع. ولا ريب في أن البريكان لا يعيش في كوكب آخر ويتأمل العالم من حوله، إنما هو تشكيل تاريخي قد تنفّس هواء الزمان والمكان الذي عاش فيه. بمعنى أنه يجرّد البصرة، ويجرّد العراق تجريداً ترميزياً، لأنه يريد أن يفلت من قبضة الزمن الذي ينقضي بانقضاء الحدث.

لعلنا هنا نضع أيدينا على رؤيته إلى الحداثة الشعرية، فهو يريد أن يحرر الشعر من النظر إلى العالم بعين التنميط الشكلاني، أو التصوير الذي يزول بزوال الانبهار البلاغي، أو زوال الحدث، إنه يريد ألاّ يدون الحادثة بل ينقش على الحجر تاريخ النزاع الإنساني المرير مع محيطه، ومع حركة الزوال المكشوفة تارة، والمخفية تارة أخرى. ولذلك، فهو يبحث عن القارئ الذي يتحرر كذلك من موروث البلاغة وغوايتها الخداعة. ويحاول شيئاً فشيئاً، أن يدرّبه على التواصل مع هذا النوع من الشعر الذي ينفذ إلى عمق الأشياء. ويحرر أذنه من تلك الموسيقى الصاخبة، ليدخله إلى جوّ من الموسيقى المنسابة كما ينساب الماء إلى جذور الأشجار. وفي شعره، لا تبدو الموسيقى فضفاضة أو خارجة على مقاس الصورة أو الفكرة، إنه يوكل إليهما مهمة عزف موسيقى النص بأكمله. فهو يدخل إيقاعاً ببطن إيقاع آخر، كأنه يُدخِل مظروفاً في بطن مظروف آخر، لكن الرسالة في بطن المظروف الأخير/الفكرة أو الشعور القصدي حيال الأشياء. وهكذا، فإن الحداثة الشعرية لدى البريكان، هي رسالة إنسانية ملقاة في مظروف النزاع الأنطولوجي، وهو دائماً ينتزع المظاريف الواحد تلو الآخر ليبلغ إلى تلك الرسالة.

ولذلك، فهو يستنزف في كل قصائده ما يمكن تسميته: معجم اللغة الأنطولوجية، ألفاظاً وأصواتاً وتراكيب ودلالات. وعلى هذا، تتحول اللغة لديه من وسيلة تعبير جمالية، إلى أرشيف أنطولوجي فريد من نوعه، يدوّن فيه حركة الزوال التي تصاحب- كما تفترض رؤية البريكان- حركة الوجود في جميع الأشياء. لنتأمل هذه الجمل:

1- تحتضر الطيور في الأوكار.

2- تنطرح الوحوش في الكهوف.

3- تنكفئ الثعالب الشمطاء في الأوجار.

4- تنجذب الأفيال

إلى مكان صامت في آخر الغابة

مزدحم بالعاج والهياكل

حيث تموت موتها.

5- ووحده يموت في داخله الإنسان

(...) يموت في غيبوبة الذكرى

يموت في لحظة

يكابد القيامة الكبرى.

6- على حافة العالم المتلاشي

يطول الوقوف.

7- تنكفئ الأشرعة.

8- يخطو المسافر ظلاً وحيداً، وتخطو معه

على الثلج ريح قديمة.

9- لا يتذبذب في الريح سوى نَفَس الموت.

10- عصور الجليد

تمرّ، وطوفان هول بعيد

وطير وحيد

يرف على صفحات العوالم.

11- تندمج الأزمنة.

12- يبتسم الأموات للأحياء.

13- بين جذور الغار يمتد جذر العدم الأسود.

14- في نقطة واحدة يشفّ عمق الكون.

15- تسفر عن طلسمها الأحزان.

16- عند خطوط الحدود

يشاهد الإنسان

صورته من لحظة البداية

ويلمس الموت الذي يكمن في الوجود.

تأسيساً على رؤية البريكان العدمية، هل بوسعنا أن نجد نوعاً من العلاقة بين هذا التجريد العالي الذي يطغى على النصوص، وصورة الواقع الذي عاش فيه ورسم تطلعاته، واكتسب ثقافته؟

 

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

* 


خزعل الماجدي: لا أحد قرب قبري
ياسين طه حافظ: حياة عبد اللطيف الراشد وموته


*


ملف: محمود البريكان


محمد خضير: سُدم/ عوالم/تكوينات
عبد الكريم كاصد: الصوت الناصع
حسن ناظم: الشعرية المفقودة
علي حاكم صالح: في الطريق إلى البريكان
سعيد الغانمي: شعر البريكان، هواجس انتظار المصير
ناظم عودة: دوائر سود على بحيرة بيضاء
فوزي كريم: البريكان، احتفاء بالانسان وأشيائه الزائلة


*


حصاد المحرر: الشعر


الشعر الباحث أم الشعر المغير
الهجين الأمريكي
شعراء المحج الروسي
رومي
في لوديف

 

*

 

حصاد المحرر: تشكيل


الحديقة والكون
رياح التجريد الروسية
ريتشارد لونغ
نداء بالبل

 

*

 

حصاد المحرر: موسيقى


بروميثيوس
جريمة قتل في الكاتدرائية
ثلاثية دانتي الموسيقية

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009