العدد 17 شتاء 2009

 

نداءُ بابل

 

 

    حين كنت في باريس قبل أشهر لم أدخل معرض "بابل" في متحف اللوفر، لسبب غير مقنع واحد، هو أن الكتاب الصادر بمناسبة المعرض كان بالفرنسية، التي لا أحسنها. وكنت أطمع بالنسخة الإنكليزية. السلوان المشجع كان الوعد بأن المعرض سينتقل إلى لندن.

   ولقد تحقق الوعدُ فعلاً. فقبل أكثر من أسبوعين افتُتحَ المعرضُ في إحدى أركان المتحف البريطاني. اشتريتُ الكتاب الكبير في المدخل، وفي الصالات الصغيرة اكتشفتُ أن المعرض أصغر مما توقعت. أصغر من الحجم الذي أملاه عليّ الإعلان المُسبق، وانتظاري التوّاق. على أني اكتشفت أن المعرض ينطوي على كثافة لا يمكن الاحاطة بها إلا تدريجياً.  فالمعرض يقتصر على سنوات لا تتجاوز ربع قرنٍ من الزمان في حياة "بابل"، المدينة الخالدة. هي سنوات المجد من حكم نبوخذنَصر(605-562 ق.م)، الذي أقام عمراناً، وفتح بلاداً. ثم أن الذي رأيتُ من معروضاتٍ، بين ألواح طين تؤرخ لعلوم الوقت، والفلك، والعمارة، والري، وتخطيط المدن، كانت غذاءً دسماً، وفاتحةً مُشهية لقراءة الكتاب المنوّع، الضخم.

   ولكن للمعرض والكتاب هدفاً يتّضحُ مع العنوان الذي تصدر الإعلان عنهما، والذي يريد أن يميّز بين الأسطورة والواقع في حقيقة وتاريخ بابل. وكأنه نداء موجّه للإنسان الغربي، بالدرجة الأولى. لأن الأسطورة في حقيقة وتاريخ بابل، لدى هذا الإنسان الغربي (ثم يليه الإنسان في العالم أجمع!)، قد حجبت الضوءَ عن الواقع التاريخي الذي كان، ولفترة قليلة، مجهولاً. ويعود الأمر في مجمله إلى رواية "العهد القديم" من الكتاب المقدس، عن السبي الذي تعرّض له اليهود، بعد سقوط دولتهم، على يد الملك البابلي نبوخذنصر.

    روايةُ العهد القديم رسمت تاريخاً لبابل المنتصرة من زاوية نظر انتقامية للضحية المهزومة. فصورت التفوّقَ غطرسةً، والترفَ غلواً في الفساد، والتقدم الفكري والعلمي تحدياًً للذات الإلهية. ولاحقت الملك المنتصر باختلاق مصير له لا حقيقة له: أن يكون عرضةً لعقاب الله الذي يُذلّه بمرض الجنون، حتى يهتدي إلى دين المغلوبين: اليهودية.

 

    الذي ضاعف تأثير هذه الصورة الأسطورية على الإنسان الغربي، والتي وردت مُفصّلة في "سفر دانيال"، الاستجابةُ الخيالية المؤثّرة لفنّي الموسيقى والرسم. مازالت أوبرا "نبوكو" (نبو خذنَصر) للإيطالي فيردي من أكثر أعماله شيوعاً في دور الأوبرا والتسجيل العالميين. وكلّ مواطن إيطالي لا بد يحفظ "نشيد الأسرى" الحزين في الأوبرا. ويأسى للمسبيين، ويتشفى من الملك البابلي بعد قهره بالتشرّد والجنون.

    وإذا كانت الموسيقى اقتصرت، بشكل رئيس على حكاية نبوخذنصر، وعلى حكاية ابنه ووريث عرشه "بلْشزار"، التي وردت في التورات (أوبرا لهاندل)، فإن الرسم اتسع لحكاية هذين بعد تركيزه على "برج بابل" المثير للخيال البصري، منذ لوحة الهولندي بروغل الأكثر شهرة، حتى اليوم. وكذلك الصورة التي وضعها خيال الشاعر والرسام الإنكليزي وليم بليك.

   

    صالةُ المعرض الأولى افتتاحية غاية في التعبير عن العظمة: ريليف أسد بالحجم الطبيعي، من الطين المفخور والمُزجّج بالشذري والألوان الأخرى، مُقتطع من جدارية أكبر حجماً. حيوانٌ أسطوري، بالتقنية ذاتها، خليط من الحية والنسر والأسد. مهارة توحي بالجلال والتقدّم معاً، مازالت تتوّجُ متحف برلين وبوابة عشتار هناك، حيث سينتقل هذا المعرض فيما بعد. ثم تحاولُ الصالات الصغيرةُ الأخرى أن تقص الحكاية الحقيقية عبر ألواح الطين المفخور، تشفّ من وراء الأسطورة. حكاية الحضارة التي أعطت اللمسات البكورية الأولى لعلوم المكان (المعمار، الري، خارطة الأرض، تصميم المدن..)، وعلوم الزمان (الفلك، الرياضيات، الفصول، الأيام، الساعات..)، على جانب تطلعات الروح في الفن والأدب.

    إن اقتصار المعرض على مرحلة نبوخذنصر لن يحجب الرؤية عن مشهد الحضارة السومرية في أوروك وأور جنوب العراق (مسلّة حمورابي وملحمة جلجامش)، التي سبقتها بألف وخمسمائة عام. ولا الحضارة الآشورية في نينوى شمال العراق (منحوتات الحرب والثيران المجنحة الصخرية)، التي جاورتها ونافستها. بل على العكس، يشكل مركز جاذبية تاريخية متواصلة لحضارة واحدة.

    ولكن هل تشكّل مركز جاذبية لإنسان عراقي واحد؟

    حين كنت أحدّق بالكتابة والرسوم فوق الألواح الطينية المفخورة كنتُ منحنياً وصامتاً، كمن أخذه شاغلُ القراءة في ركنه الأعزل. أقرأ ما يُهمهمُ به الأسلاف، وأفهم. يحدثُ هذا حين تتلاشى وطأةُ الزمانِ والمكان على الشاعر.  

   

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

* 


خزعل الماجدي: لا أحد قرب قبري
ياسين طه حافظ: حياة عبد اللطيف الراشد وموته


*


ملف: محمود البريكان


محمد خضير: سُدم/ عوالم/تكوينات
عبد الكريم كاصد: الصوت الناصع
حسن ناظم: الشعرية المفقودة
علي حاكم صالح: في الطريق إلى البريكان
سعيد الغانمي: شعر البريكان، هواجس انتظار المصير
ناظم عودة: دوائر سود على بحيرة بيضاء
فوزي كريم: البريكان، احتفاء بالانسان وأشيائه الزائلة


*


حصاد المحرر: الشعر


الشعر الباحث أم الشعر المغير
الهجين الأمريكي
شعراء المحج الروسي
رومي
في لوديف

 

*

 

حصاد المحرر: تشكيل


الحديقة والكون
رياح التجريد الروسية
ريتشارد لونغ
نداء بالبل

 

*

 

حصاد المحرر: موسيقى


بروميثيوس
جريمة قتل في الكاتدرائية
ثلاثية دانتي الموسيقية

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009