العدد 17 شتاء 2009

 

شعر البريكان: هواجس انتظار المصير

 

سعيد الغانمي

 البريكان

منذ قصائده العمودية الأولى أسند البريكان لنفسه القيام بمهمة الرائي والعراف. و ببطء شديد أدرك الشاعر أن عليه أن يتخلى عن رومانسية اللغة المشحونة بالرؤى الرعوية، والأحلام التي تنسجها الذات. ومع اندلاع موجة الشعر الحرّ في الخمسينات، حين كانت القصيدة الجديدة تحاول العثور على صوتها الخاص، وتبلور لنفسها إحساسها المتفرد بذاتها عن طريق تبنيها "الأنا الفردية" التي شاء جيل الرواد أن يقتسموها بالتساوي بين تكريس آيديولوجي، أو افتتان أسطوري، انتبه البريكان إلى أن على قصيدته أن تسلك منحى آخر. لم تكن الآيديولوجيا وحدها كافية لما يريد، ولا الأسطورة. فالآيديولوجيا إعلان وجهر بنوايا العراف، والأسطورة هرب إلى عالم بديل لا صلة له بعالمه الفعلي. وكان العراف يريد زرع الدهشة في عالم فقدها. كان يريد الإفصاح عن عالم لا يجوز الإفصاح عنه. كان يريد إكراه اللغة على النطق بما لا تفكر بالبوح به. لا يستطيع العراف أن يصرح بنبوءته آيديولوجياً، فالآيديولوجيا موت النبوءة في نهاية المطاف، ولا يستطيع الهرب منها إلى ما سواها. العراف متورط، على نحوٍ ما، بين أن يقول ولا يقول، بين أن يعلن عن نبوءته وأن يهرب منها في الوقت نفسه، بين أن ينطق وأن يصمت. 

من هنا لا بد من أن يتغلغل الصمت في لغة العراف. فليس صمته خوفاً من الجهر بالحقيقة، بل هو مضطر بحكم نبوءته نفسها إلى تطعيم ما يقوله بما لا يقوله، وما يريد توصيله بما يضبّب عليه. هو مضطر إلى ترك فجوات في كلامه يستطيع بها أن يجعل لغته قابلة لتعدد القراءات. إن صمته صمت وجودي كما يعبر ميرلوبونتي في مقالته "أصوات الصمت". فلكي يقول العراف كلَّ شيء عليه أن يضحي بالأشياء جميعاً. ثمّة تضحية ملتبسة في مهمة العراف، وازدواجية حمقاء لا يمكن تخطيها. ذلك أن عليه أن يختصر الأزمنة كلها في اللحظة، واللغات كلها في بلاغة الصمت، والأسرار كلها في صورة مبعثرة. وقد أدرك البريكان في واحدة من قصائده الأخيرة عسر هذه المهمة الملتبسة:

دهوراً سأنتظر اللحظات. وسوف أبطّيء عبر سبات الشتاء رؤاي. أغني ولا صوت لي، وأغامر أن أستفزَّ الحدود. وكيف أستّر عري الحقيقة؟ كيف أرمّم روحي؟ وهل شرك  الشعر ينقذني من متاهي؟

          ..

   أحاول أن أتعرف ما لا يباح، وأن أتقصى حدود العوالم.

   وأحفر في صخرة الدهر رمز انتصاري.

   ولكنّ نبض الليالي بطيء

   ولي لغةٌ لا تشابهني

   وكنوز أساطير ضاعت مفاتيحها

        أشكّل هذا السديمَ الذي لا يشكَّلُ.

        أكتب حتى تجفَّ العروق. وأبصر هاوية الصفحات

        الأخيرة فاغرةً. وأماميَ

        يمتدُّ تيه البياض السحيق. 

 

هناك ازدواجية يائسة ووعي مأساوي باستحالتها وضرورة المغامرة بها معاً. وإنقاذاً للشاعر العراف من محدوديّة الوجود المأساوي، وتناقضاته المريرة، لا بدَّ له من معرفة ما لا يُتاح واستفزاز حدود العوالم. ولا وسيلة للخروج من هذه المتاهة سوى اللغة بكل ما تحمله من تناقضات مربكة ومفارقات حائرة. لكنَّ هناك فجوةً لا تُردَم بين لانهائيّة العوالم، ونهائية اللغة. الشاعر مبحوحٌ لا صوتَ له، وهو مع ذلك يغامر بالوصول إلى لغة الأكوان اللانهائية، اللغة الناطقة بغموض الأسرار المغلقة. كيف إذن يمكن الوصول إلى لغة الأسرار اللانهائية؟ أسرار العوالم اللانهائية سديم لا يتشكل، لكن وعي الشاعر به يجبره على صوغ لغة جديدة، تنقذه من مأزق معرفة استحالة المعرفة. لا خيار أمام الشاعر سوى إكراه اللغة النهائية المحدودة على فكّ مغاليق ما لا يقال، وما لا يباح، وما لا يتشكل. عليه أن يختصر الكلام كله في حروف مذعورة من النطق، والأزمنة كلها في لحظة تتلفت حول ذاتها، والأسرار الكونية الملغزة كلها في غموض متاهة الشعر. وتلك هي وظيفة العراف الرائي، الوظيفة التي أرادت سيبيلا، عرافة كوماي، أن تقوم بها.       

من طبيعة النبوءة أن تنظر نظرتين متعاكستين ولكن متزامنتين، فتضع نفسها بعد الحدث الذي تتنبأ بحصوله، ولكنها تطلق نفسها قبله زمنياً. فلكي تحذر مما سيحدث لا بد لها من أن تتعالى عليه، وتسبق حدوثه فتتخيّل زمنه، ولكنها لن تكون نبوءة إذا اكتفت بهذا الزمن الفعلي للحدث. هكذا تضطر النبوءة أن تكون ذات زمنين: زمن للحدث الذي تتنبأ به، وزمن ما قبل الحدث، حين تحذر من حصوله. وهذا الازدواج الزمني في النبوءة هو الذي يجعلها تتعلق بزمن افتراضي ليس بالزمن الفعليّ للحدث المتنبأ به، وليس بزمن إطلاقها أيضاً. إنه زمن تحقق النبوءة الوشيك. تحاول النبوءة أن تطلّ من لحظة انتظار المصير، فتحيط به قبل أن يتحقق بقليل، وبعد أن تحقق بقليل. هكذا تتيح لحظة انتظار المصير للنبوءة أن تكون ذات زمنين: فتنظر بإحدى عينيها لما سيقع قبل وقوعه، وبالعين الأخرى لما وقع بعد وقوعه. وهذه اللحظة، أعني لحظة انتظار المصير، هي التي يتركز عليها شعر البريكان في جميع مراحل حياته.   

في قصيدة "التصحّر" يصوّر البريكان مرضاً يأخذ بخناق الطبيعة، لكنه بالتأكيد ليس التصحّر الطبيعي، حيث تزحف أكوام الرمال على الأرض لتستوليَ على خضرتها وتزرعَ فيها الجفاف. التصحر لدى البريكان ظاهرة غامضة تتسلل إلى الروح، وتدخل إلى قرار الأشياء، حتى ما لا روح له منها، فهو خلل في الطبيعة ورؤيتها:

          الدوار الخفيف

          واختلال العلاقة بين النظر

          والتعرف

          تلك علاماته

          لم يكن مرضاً واضحاً

          هو ظاهرةٌ غامضة

          تتسرب في الجوِّ

          تفترس الآدميينَ في خفيةٍ

          وتغلِّفهم بالتراب

في البداية يبدو أن هذا المرض لا يصيب إلا الآدميين، فهو مرض "روحي". ولكن سرعان ما سنعرف أنه مرض يصيب كل ذي حياة :

           الطيور تهاجر في غير أوقاتها

           الصقور تحدق ساكنةً

           صفحة الموج مغبرّةٌ

           السواحل مقفرةٌ

           وهياكلُ من سفنٍ غابرة

           طمرتها الرمال

           الصحارى المشعّة تغلق دائرة الأفق

           والشمس تهبط محمرّةً

           والرعود الخفيّة

           بين الغيوم تدمدمُ نائيةً كوحوش.

في مفتتح القصيدة أعطانا الشاعر الإحساس بأن هذه الظاهرة الغامضة تتسرّب في الجوّ لتفترس الآدميين، ثمّ أقنعنا بعد ذلك بأنها تفترس كلَّ ذي عينين يرى بهما: الطيور والصقور وكل ما يرى. وخفيةً انتقل بنا من "ما يَرى" إلى "ما يُرى". أي إلى كلِّ ذي صورة نستطيع أن نضفيَ عليها معنى روحيّاً. ولكن كيف يمكن للكائنات غير الإنسانية أن تحسَّ بخطر التصحر؟ تحس الكائنات غير الإنسانية بخطر التصحر حين تخرج عن مساراتها التي رسمتها الطبيعة، وتعرى عن الحياة:

           الطيور تضيع مساراتها

           وتخرُّ على الأرض يابسةً

           وصقور المجاعات تربض ساكنةً

           وتحدّق

               المدن الشاحبة

           تتقدم نحو القفار

           تتراجع ثانيةً

           وتلملم أطرافها الخضر

           يحدث ذلك في ثانية

           أو عصورْ

           الحدائق تطمرها الريح

           غير أعالي شجيراتها

           الجداول تعرى

           خنادق حربٍ تحجّر فيها الزمنْ.

صور اسمية متتابعة تتكوّن في الغالب من مبتدأ وخبر، أو مسند إليه ومسند، وظيفتها توطيد الإحساس بالجفاف والاختناق واليباس على الأرض. غير أن الشاعر يدرك أنه إذا اكتفى بذلك فقد جعل هذا التصحر مرضاً في الطبيعة وحسب. والزمن المتحجر ليس سوى زمن منشق على ذاته، زمن استشراف لحظة انتظار المصير، المنقسم إلى زمنين: يتقدم أحدهما إلى الأمام ليطلق نبوءته، ويتراجع ثانيهما إلى الخلف ليشهد هذه اللحظة وهي تتحقق. لذلك فإن الشاعر ينتقل بهذا المرض ليتجاوز ذلك إلى الشمس والبراكين وما لا يتناهى في الكبر:

          الرمال تهاجمُ

          تركب متن الزوابعِ

          تبتلع الشمسَ

          تغزو حدود المحيطات

          تدخل في فجوات الطبيعةِ

          في فوَّهات البراكينِ

          تطمس كلّ المسالك

          تجثم عند ضواحي المدن

          وتحاصرها.

إذا وقف زحف الرمال عند ضواحي المدن، فذلك شيء طيب، لأنها ستبقى في منأى عن الحضارة نوعاً ما. لكن ظنّنا سيخيب، لأن الرمال ستلتهم الحضارة نفسها حين تلتهم المتاحف والكتب، فتصير المتاحف تاريخاً للمتاحف، والكتب تاريخاً للكتب. لم تعد المتاحف تاريخاً للمشروع البشري، ولا الكتب إعلاناً عن محاولة هذا الكائن الإنساني الرقيَّ بتجربته الروحية، بل صارت المتاحف تعرض تاريخها الخاص، صارت متاحف للمتاحف بلا روح إنسانية أو مشروع بشري:

         المتاحف تعرض تاريخها وحده

         هي ذكرى عهود المتاحفِ

         يغشى التراب جوانبها

         التماثيل تزداد حجماً

         وتوشك أن تتفتت

         كل سيوف المعارك مغمدةٌ

         في غمود التراب

         ثياب الملوك

         تحرك أجنحةً من تراب

         خلال السكون

         الكتب

         تتداعى مجلّدةً بالغبار

         الذي يتحجّر شيئاً فشيئاً

         صدور المعاجم منخورةٌ

         تتلاصق أوراقها

         تتآكلُ

         في كتلٍ من رمالٍ رماديةٍ ناعمةْ.

لا نريد أن نتوقف طويلاً عند هذا الإحساس بالتناثر والتفتت الذي تتضافر البنى الدلالية والصوتية على إلقائه فينا. فعلى المستوى الدلالي هناك (التفتت) و(التداعي) و(التآكل) و(الغبار) و(التراب). وعلى المستوى الصوتي هناك تكرار واضح لحرفي التاء واللام من جهة، والراء والميم من جهةٍ أخرى. وتكرارهما يرسم لنا (تلالاً) من (الرميم). وهذا ما يلقي فينا الانطباع بأن ما كان ذات يوم حياةً قد أصبح أكواماً من العظام الميتة الخاوية. لن نتوقف عند ذلك، ونكتفي بهذه الإشارة السريعة. لكننا نريد أن نسأل: ما الذي يحدث حين نرى لقيةً متحفيةً كالسيف أو الخنجر أو التمثال أو ما أشبه ؟ إننا نضع أنفسنا في مكان صاحبها ونتخيّل مشروعه الوجودي الذي قصده من وراء صنعها. وهكذا فنحن نضخُّ فيها وجوداً إنسانياً ومشروعاً بشرياً دون أن ندري. ولكن حين تعرض المتاحف تاريخها الخاص وتصير متاحف للمتاحف، بحيث تغمد سيوف الملوك وثيابهم في الرمال، فهذا يعني أن الإنسان اختفى بمشروعه الوجودي عنها. ها هي المتاحف إذاً بلا روح، وبلا حياة، وبلا ذكرى معرفة. لقد نخر الجفاف في عظم الحياة حتى وصل النخاع:

         في الهواء

         يتحرك هذا الوباء الذي لا اسمَ له

         يتسلل عبر الستائرِ

         ينفذ بين شقوق النوافذِ

         يسبح في الغرف الهادئةْ

         ويشعّ من الضوء من شاشةٍ

         ويرسب ظلاً على الأغطية

         ويرشّ ببطءٍ على كل شيء

         طبقات الغبار. 

لا يتوقف زحف الرمال عند المتاحف والمكتبات، بل يصل إلى البيوت، متسللاً إليها عبر الستائر وبين شقوق النوافذ، إلى غرف النوم حيث يُراكم طبقات الغبار فوق أجهزة التلفزيون. هنا لم يعد هناك بشر يرون هذا الوباء ويشهدون على فعله التدميري الكاسح:

       لا يكاد يُحَسُّ به حين يظهرُ

       كلُّ علاماته

       خللٌ غامضٌ في الرؤى

       ودوارْ.

إنه فعل مبنيٌّ للمجهول، فاعله بلا اسم. ما من شاهد عليه. هل التهم الجفاف الحياة وقضى على البشرية؟ ألم يعد هناك أحد يستطيع أن ينقل لنا، نحن أبناء الماضي أو أبناء المستقبل لا فرق، تجربة اختفاء الحياة على سطح هذا الكوكب؟ ينبغي ألا نسرف في التأويل، فالتصحر لم يقع بعد. والأفعال التي وردت في القصيدة كلها بصيغة المضارع، أي الزمن المجرد الذي يصح على الأزمنة كلها. هو إذاً زمن لم يقع بعد، ولكنه زمن النبوءة الممكنة الوقوع في الأزمنة كلها.

تتكرر هذه البنية السردية في قصيدة "أفق من ذئاب"، التي تتحدث عن قرية في العراء تعوي فيها الذئاب كلَّ ليلة، حتى يطبق عواؤها على الأفق، ويندسَّ في ضحكات الناس ورقصاتهم وأهازيجهم وحكاياتهم وذكرياتهم. يندسُّ العواء في هدهدة الأم لوليدها، وفي عناق الزوج لزوجته، يندس بين التلاميذ والكتب المدرسية. يتسلل عواء الذئاب إلى أحلام سكان القرية حين يخلدون إلى النوم، ويلتحم بها حتى مطلع الفجر. لذلك يتصور الناس أن الذئاب ستنقض عليهم، ويترصدون هجومها، دون أن يعرفوا متى على وجه التحديد:

       الذئاب ستهجم لكن متى؟

       أوّلَ الليل؟

       منتصف الليل؟

       عند الهزيع الأخير؟

       أوان احمرار الشفق؟

تستولي الذئاب على مشهد الأفق، وتقبل في حشود ظلامية غامضة، تقترب شيئاً فشيئاً من القرية. وحين يصل توقع الناس بهجومها عليهم إلى ذروته، تختفي في وضوح النهار:

       أفق من ذئاب

       أفق من حشود ظلاميةٍ غامضةْ

       يتحرك، يدنو، يضيق قليلاً قليلاً

       ( وثانيةً يختفي

       في وضوح النهار ).

للقارئ حرية أن يتأول هل ظهر النهار على الذئاب، فهربت من القرية، أم على الناس فهربت منها الذئاب. لسنا ندري بالضبط. ولا يريد العرّاف أن يصارح طالبي نبوءته مَن هرب ممّن، فما دام يقدم نبوءة، فإنّ الارتياب جزء من هذه النبوءة. ولا تستطيع النبوءة التصريح بمحتواها، بل تكتفي بالتلميح له بعبارة متناقضة تقبل قراءات متعددة. لكنّ القارئ المدرب على تلقي الشعر، لا بدّ من أن يتذكر قصائد كثيرة تنطوي على هذه البنية السردية نفسها، لعلّ أشهرها قصيدة في انتظار البرابرة للشاعر اليوناني كافافي، حيث يحاصر البرابرة المدينة اليونانية القديمة. ولكن بدلاً من أن يخشى أهل المدينة من هجوم البرابرة، فإنّهم يحتفلون بقدومهم، يسنون القوانين التي يريدها البرابرة. يجلس الملك عند بوابة المدينة متهيئاً لاستقبالهم. وحينما يصبح البرابرة هم الحلّ الذي تنتظره المدينة، يقرر البرابرة الانسحاب، فيتساءل أهل المدينة: والآن ما الذي نفعله من دون برابرة؟ لقد كان هؤلاء نوعاً من الحل.

   يعلّق الناقد س. م. بورا في كتابه التجربة الخلاقة على هذه القصيدة قائلاً: "يتعرض كافافي في هذه القصيدة لموضوع له شعبية واسعة في زمنه. فالكـــاتب الروسي فاليري بريوسوف كتب قصيدة بعنوان "الهون القادمون" رحب فيها بتدفــق المحتلين البرابرة على عالم متعب يحتاج لدم جديد وحياة جديدة. وبروحية مشابهة، كتب ستيفان جورج "إحراق هيكل" صور فيها بطريقة مسرحية ذلك الإعجاب الكبير الذي يحمله الناس للمحتل المتجبر الذي يدمر أقــدس مقدساتهم. تتحدث القصيدتان بلغة الماضي ولكنهما تعكسان هموم الحاضر وآماله. فقد أحـس بريوســوف وجورج بأن العصر مريض ولا يمكن شفاؤه إلاّ بكارثة كبيرة تلتهم حضارة القرون العديدة ".      

   لكنّ هذه المماثلة السردية في توالي الأفعال يجب ألاّ تجعلنا نغفل عن الاختلاف بين هذه القصائد و قصيدة البريكان. فهذه القصائد مؤطرة بزمن تاريخي واضح، ويتم التعبير عنها بصيغة الزمن الماضي، أمّا قصيدة البريكان فهي على العكس، لأنها خالية من الزمــن الخارجي، ومكتفية بالزمن اللغوي الداخلي الذي حافظت فيه على صيغة المضارع، أي زمن الصفر في اللغة العربية. وتوالي الجمل الاسمية فيها واضح حيث الدلالة على زمن هارب من التحديد. وبالتالي فالمهمّ هو زمن الرؤيا، لا زمن الفعل. وهذا ما يجعلها نبوءة تصح على الأزمنة جميعاً.

  لا تحمل نبرة البريكان أية نصيحة، ولا تعلن عن أية إمكانية لتجنب هذا المصير الجماعي. إنه يكتفي برؤية علامات ما يحدث، دون أن يقدم أية إمكانية لتحاشي حدوثه. التصحر خلل لا يُقاوم. والذئاب أفق مطبق لا مهرب منه. وكلاهما فعل داخلي لا تمليه أية سلطة خارجية. فالتصحر نتاج المدينة نفسها، والذئاب هي أفق قريتها بذاتها. وبالتالي فمسار هذه المدينة، وتاريخ هذه القرية هما اللذان يحكمان عليهما بالتصحر والذئاب على التوالي. فهما مرضان جماعيان وداخليان معاً. كلاهما يصيب الجميع ولا يفلت منه أحد، وكلاهما داخلي روحي ينبع من صميم القرية أو المدينة ويعشش في داخله. ألسنا هنا إذاً إزاء ثنائية يظهر منها بعد واحد فقط، ويختفي بعدها الثاني في حكايات هذا المصير الجماعي؟

يأتينا الجواب من قصيدة "السقوط الجماعي" المكتوبة عام (1969). ينكشف السقوط الجماعي في هذه القصيدة، حين تبدأ الجماعة بتزوير أحلامها، والاحتيال على ذاتها، فيدخل التصنيع على كل شيء: آلات لصناعة التاريخ، قوانين على شكل مسامير تُزرع في المخ، "خلاصات من الأحلام في صورة أقراصٍ، شراب، حقن في الدم تحت الجلد". السقوط الجماعي هو حتماً وبالضرورة سقوط داخلي ذاتي. السقوط هو تحجر الروح، واستسلامها لوثنية الآلة. هكذا إذاً تتحدث هذه القصائد عن المصير الجماعي لا في أثناء تحققه ووقوعه، بل قبل ذلك بقليل، وبعده بقليل. فالزمن هنا مفتوح على الأبد، وهو في الوقت نفسه، أبد مكثف في لحظة ترائي بالحضور الدائم. وبغية السيطرة على هذا الزمن الهارب دائماً يضطرّ الشاعر إلى تقسيم ذاته إلى اثنين يموت أحدهما ويتوقف عن الكلام، ويحيا ثانيهما ليبدأ بالكلام. أولهما راوٍ مشارك يختفي، وثانيهما راءٍ مفارق يظهر.

إذا انتقلنا إلى قصائد المصير الفردي سنجد هذه التقنية نفسها. في قصيدة "حارس الفنار"، المكتوبة بضمير المتكلم، يعدّ حارس الفنار المتوحد لمراقبة أمواج الرعب الكبير، مائدته، ويهيئ الكؤوس لاستقبال سفينة الأشباح، التي تحمل الزائر الغامض الآتي بلا خطى. تسقط فنارات العوالم، وتتسيّد الرياح. ومن خلال مونولوج المتكلم ندرك أن حارس الفنار هو الجميع ولا أحد:

       يا طالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرار

       طبقات ذاك الموت. أتبعت الدفائن في السكون

       أستنطق الموتى. أرى ما كان ثمَّ وما يكون

       وأشمُّ رائحة السكون الكامل الأقصى.

في ذروة الانتظار، وفي اللحظة المتوقعة لمداهمة الزائر الغامض عزلة حارس الفنار، يصوّب هذا الأخير نظره على رقاص الساعة. لم تعد الساعة آلة للتوقيت، بل أصبحت مخلباً ينهش نياط القلب. كل حركة من حركات رقاص الساعة صارت "أبداً" يتقلص ليحفر في الداخل أخدوداً روحياً لا يُردم:

       الساعة السوداء تنبض نبض إيقاعٍ بعيد-

       رقّاصها متأرجحٌ قلقٌ يميل إلى اليمين

                                       إلى اليسار

                                  إلى اليمين

                                         إلى اليسار

                                             إلى اليسار

في هذه الأرجحة الأخيرة لم يعد بالإمكان قول شيء، وإن كان بالإمكان توقع كل شيء. لقد توصل الزمن إلى نهايته بالنسبة للمتكلم، وإلى بدايته بالنسبة للمشاهد. لقد قطع لسان الراوي، وأطلق لسان الرائي. ونستطيع أن نصف هذه الأرجحة الختامية بأنها "لحظة انتظار المصير". وهي لحظة ينتظرها الراوي لينتهي، وينتظرها الرائي ليبدأ.

تظهر "لحظة انتظار المصير" في قصيدة "هواجس عيسى بن الأزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة". كان عيسى بن الأزرق مكبلاً بالسلاسل، والقطار ينهب الأرض تحته، يدخل في النفق الطويل، فيتيح لعيسى التأمل في عيون المسافرين، وتحليل انطباعاته، وهم يرونه مكبلاً. ثمة ذاتية متبادلة بين الاثنين: فعيسى بن الأزرق يضع نفسه في موقف المتفرجين عليه، وهؤلاء يتفرسون فيه، ويحاولون استبطان مشاعره. ولكن "ما ملمس الحديد مثل منظر الحديد". هناك تجربة فاصلة بين الخبر والعيان، بين الرؤية عن بعد والتجربة المباشرة. يستغرق عيسى بن الأزرق في تأملات مستفيضة يحاول بها امتصاص طول الرحلة، ومقاومة بطء الزمن. ويسمح اتجاه حركة القطار الخطية السيالة باستمطار أحلام اليقظة. فحركة القطار ضدّ حركة الزمن، بل هي اختراق مندفع في أحشاء الزمن. حين يجلس المرء هادئاً في شيء يتحرك، تبدو له حركته وكأنها ضد اتجاه الزمن. هكذا وصف شاعر قديم حركة المطايا: (وسالت بأعناق المطيّ الأباطح). يستغرق عيسى في تأملاته عن أمّه، عن وجوه المسافرين، عن الحب والموت، والكتب و الحزن والظلام ونوافذ القطار. وإذْ يستنفد الموضوعات حوله، يكتشف أنّ الطريق لم يبدأ بعد:

       أعرفه ، فهو طريق موحش سحيق

       ولم تكد تبتدئ الرحلة

هنا ينقسم الزمن إلى زمن داخلي سريع، وزمن خارجي بطيء. وينقسم عيسى بن الأزرق، بسبب ذلك إلى اثنين أيضاً: إلى محكوم بالأشغال الشاقة يعاني، ومفكر يحلل معاناته، إلى راءٍ يعلم، وراوٍ يجهل.

في قصائد التسعينات، لم يعد بطل البريكان في لحظة انتظار المصير بطلاً إنسانياً، بل صار حيواناً أو جماداً (رحلة القرد، متاهة الفراشة، أفق من ذئاب، مصائر سفن وصخور، الأسد في السيرك، وقد كتب هذه القصيدة مرة ثانية بعنوان: حلم الأسود). لكن هذه الحيوانات، في حقيقة الأمر، تعبر عن معضلة إنسانية في جوهرها. هنا نلاحظ مفارقة من نوع ما، فحين كان شعر البريكان ينصرف إلى أبطال إنسانيين كان يغرس فيهم مقاومة آلة عملاقة تريد سحق إنسانيتهم. في قصائد مصير الحيوانات والأشياء، يصبح الزمن والإنسان هو هذه الآلة العملاقة. والغريب أن الحيوانات تظل تحمل في داخلها الجوهر الإنساني النبيل للراوي الجاهل، ويظلّ قبح الآلات الإنسانية العملاقة ودولاب الزمن الدوار، رمزاً للتجرد عن الإنسانية لدى الرائي العالم. ومن تناقضات هذين القطبين تستمد القصيدة عناصر تأثيرها وجماليتها.    

تشبه قصيدة "رحلة القرد" من حيث البنية السردية قصيدة "هواجس عيسى بن الأزرق" شبهاً يكاد يكون تاماً. فالقرد في قفص خشبي في مؤخرة الشاحنة، التي تتحرك حركة مضادة لحركة الزمن. في البداية يصف الشاعر القرد وصفاً خارجياً في الطريق الذي يتلوى ولا ينتهي، ولكنه سرعان ما يستبطن مشاعره، فيدخل في أحلامه وهو يحلم بالغابة النائية وأراجيحها. وهذا الانتقال من وجهة نظر خارجية إلى وجهة نظر داخلية، لا يشير إلى انقسام الشاعر إلى راوٍ يجهل وراءٍ يعلم فقط، بل يشير أيضاً إلى تحوّل القرد نفسه إلى كائنٍ إنساني ذي شعور، وتحوّل آخر، لا يصرح به الشاعر، للإنسان إلى آلة مجردة عن العواطف، ولا تعرف سوى الحسابات الميكانيكية. لم يكن القرد يعلم شيئاً عن التجارب التي ستجرى على مخّـه في غرفة الأجهزة:

             لا يعرف القرد شيئا عن المختبر

       غرفة الأجهزة

       والمجاهر والمبضع الدموي

       حيث تصنع من مخـه الأبيض المستدير

       عينات التجارب.

            من فجوات القفص

       ينظر القرد. يلقي على كل شيء

       نظرةً ساكنة.

قصيدة "الأسد في السيرك" تروي حكاية أسد مروض تحول من ملك الغابة إلى مجرد لعبة يجري تحريكها بالسوط. عند بدء احتفال السيرك، تستعرض الفيلة والخيول والساحر وسط ضجيج الأضواء، والألوان وتصفيق الأطفال. وحين يدخل الأسد مسرح الاحتفال، يقابله سوط المروض، فيكشف الأسد عن أسنانه الهرمة. يقفز الأسد بين حلقات النيران، ويعض على رأس مروّضه. تصفق الناس، وترمي الأسد بقشور اللب. لقد فقد الأسد مملكته في الغابة إلى الأبد، وتحول إلى مجرد دمية للتسلية. وبعد انتهاء الاحتفال، وانصراف الجمهور، ونوم المروض، يعود الأسد بخياله إلى الأشباح الغامضة في الغابة، إلى ليل الطبول، وإله القبائل، متحسساً موت مخالبه، وتفتت أنيابه:

       المهرج يغفو بلا أقنعة.

       الأسد

       هادئ في القفص

       تتوازى ظلال الحديد على جسمه

       يتخايل بين الظلال

       شبحاً غامضاً لإله القبائل

       وجهاً مضيئاً لليل الطبول

       ملكاً للسهوب وللغابة الصامتة

       يتحسس موت مخالبه

       وتفتت أنيابه

       ويحدق متحداً بالظلام.

هنا نلاحظ تبادل الأدوار الذي تريد أن تسربه القصيدة، فالأسد يصير إنساناً قادراً على الحلم بموطنه الأول في الغابة، والإنسان (المهرج والمروض) يتحولان إلى آلات مجردة بلا روح. وهنا أيضاً نعرف أن ما يفكر به الأسد هو لحظة انتظار المصير التي يعود بها إلى موطنه الأوّل.

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

* 


خزعل الماجدي: لا أحد قرب قبري
ياسين طه حافظ: حياة عبد اللطيف الراشد وموته


*


ملف: محمود البريكان


محمد خضير: سُدم/ عوالم/تكوينات
عبد الكريم كاصد: الصوت الناصع
حسن ناظم: الشعرية المفقودة
علي حاكم صالح: في الطريق إلى البريكان
سعيد الغانمي: شعر البريكان، هواجس انتظار المصير
ناظم عودة: دوائر سود على بحيرة بيضاء
فوزي كريم: البريكان، احتفاء بالانسان وأشيائه الزائلة


*


حصاد المحرر: الشعر


الشعر الباحث أم الشعر المغير
الهجين الأمريكي
شعراء المحج الروسي
رومي
في لوديف

 

*

 

حصاد المحرر: تشكيل


الحديقة والكون
رياح التجريد الروسية
ريتشارد لونغ
نداء بالبل

 

*

 

حصاد المحرر: موسيقى


بروميثيوس
جريمة قتل في الكاتدرائية
ثلاثية دانتي الموسيقية

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009