العدد 17 شتاء 2009

 

حياة عبد اللطيف الراشد وموته

 

ياسين طه حافظ

 

 

دَوْرَةٌ بين باب المعظم والسوق، يأتي لها

 الباحثون عن الصُدَفِ الهاربه

 تتراكض انظارهم لممرات اكوامها والدكاكينِ

 تفتش في حومةٍ ملأتها حجارُ الخلافِة،

اسلابُها وقذاراتُها وسراويل خُدّامها

والجواري العجائز بِعْنَ الحليَّ وحُمِّلْنَ

بالوشم واللعنات.

يشترين سجائرهن ويغمزن هذا وذاك

ويشتمن روادَهُنَّ "المناويك"

ثم يغادرن يعلِكْنَ، تلامعُ اسنانهن الذهب.

 

قال: هذي المدينة، جائفةٌ

ويفوح بها العرقُ الحامض والبولُ، ويختلطون

موتى ومرضى ومنتهكين ويختلط الوحلُ

في دمنا الطازج- لو أنا أشعل عود ثقابٍٍ

بهذي القمامة سوف تضيء وسوف تصفّقُ

عصبتنا للنهار الذي جاء من كف عبد اللطيف.."

 

كيف جاء هنا؟ كيف يرجع عبد اللطيف وذا

مجمعٌ قد يرى فيه سلعَتهُ الضائعه

ويطارد في صخب الضائعين شرارةَ روحِهِ

او يستريحُ، كما الاخرون استراحوا وقد

وجدوا فسحةً في الزحامْ

وجدوا من يقايضهم او يرى فيهم مأرباً:

"خلّهِ الان يدخلْ كما شاء فكلهمُ بدأوا طارئين،

يلوح عصياً ولكنه كفءُ مسألةٍ، لم يحن بعد

وقت الكلامْ.."

 

وهو اول يوم أتى باع أسرارَهُ كلها

ليخفف بعض حمولته، ثم ذبَّحَ أحلامَهُ كالدجاجِ

وصاح كما في المزادْ:

"تتفسخ هذي الحياة! انظروها

الصراصر راكضةٌ فوق احشائها.."

قال: "هذي مدينتكم وحقيقتها" !

ثم ألقى بضاعته ليعيش، كما شاء، بين البغايا

وبين التكايا وبين سلالةِ جندِ الخليفة، عُلمانه

والصعاليك والهاربين من الجيش والباعة

المتخفّين (سجائر ناعمةٌ، خًبِئتْ في مكان

وهم بانتظار زبائنهم حَذِرين..)

 

ان عبد اللطيف

ضَّيع البوصلة

ليس يدري المكان ويعرف ان الزمان هراءٌ

وانه في كل يوم اذا شاء يضاجع سائبةً

نصف مخبولةٍ. قال لي:

"ثديُها قِرْبَةٌ رأسها رأسُ.... ٍ لكنني

حين اسكرُ ارضعُها كالحمارْ.

وهي فوق البساط المرقّع مفتوحةَ الفخذينِ وتشخرُ مثل القطارْ.."

 

في المساء الشتائي تجتمع "العصبة الشرفاء"

يترأس شاعرُهم، فيُحرّم أيَّ حديثٍ عن اللهِ،

يُحلل اشعارَهُ وتعاساتِ عالمه ثم يختمُ: "مهما اختلفنا

يوحّدُنا عرَقٌ وغدا سوف ينتصر الفقراء!

وتجيء له "عفطَةٌ" تقلب المائدة

لتحول عراكا ويسقط بينهم مثخنا فيغادرهم

بعد كسر الزجاجة، فهي انتهت قبل ان يكمل الانتقامْ.

 

هو بين الرصيف هنا والرصيف هناك

يشق طريقه بين الشتائم، يمسحٌ

في خرقةٍ كدمةً نزفت. حدقتاهُ

لتلك "الخزانة"، تلك الرفوف، تَلامَعُ فيها

الزجاجاتُ مملؤة فرحاً ومباهج غابرةً

تستفيق اذا لامست روحه، يهربان

معا مثلما عاشقين يذوبان في سفرٍ

تاركا للرصيفْ

جسدا نائما ووصايا لمن

ما يزالون في بؤسهم يَقِظينْ.

 

وهو بين الرصيف هنا والرصيف هناكَ

جيوبُه مملؤة بقصائد لا تُشترى،

لا تُباع ولا أحدٌ يقرأ تلك السطورَ

مخربشةَ الجبهاتْ

مثلَهُ مثلَهُ في الحياةِ،

وقد هي تصفو

وقد هو يصفو، ينام كطفلٍ

وبين يديه الزجاجةُ فارغةً لا يفارقُها.

 

كان عبدُ اللطيف سليل صرائفَ مكروهةٍ

طردتها المدينة من بين اسوارها.

حين غادرها، ظل يبحث عن قصبٍ

ليشيد سقيفتَهُ

هكذا ابتدأت رحلة التيهِ. وراحَ

يشم المباغي القديمة، تاريخُها كلها في يديه

ربما هو يعرف، او علموهُ، طريقا خفياً
لبعض البيوت يبيع فحولتَهُ لشيوخَ- إناثٍ
ببطل عرق.

 

قال لي مرة في الطريقْْ:

انا أعرف "وحشَكَ في الذاكرة"

انت ما زلت تمشي بهذا القناع أنيقا

ويعرفك الناس وتملك بيتا

ومحفظة للنقود ومكتبة،

فيدا بيدٍ، انا اسكن سوقَ الهرجْ!

 

قال لي مرةً:

هل ستنبت تلك "البذورُ"؟

أتنبت في تربةٍ نَتِنَتْ؟

ويرى لمعةَ الله سوقُ الهرجْ؟

فانا تائِهٌ بعدها ونسيت الذين مضوا في الدخانْ

هؤلاء رفاقي وندمانيَ الجددُ "العارفونَ":

سماسرةٌ ولصوصٌ وكهولٌ يجيدون

"صيد الفراخ" وغلمانُ محترفون...

ليكن ما يكون

في المساء لنا جلسةُ الخلفاءِ

فكل له صولجانهُ، يجمعنا

مخزن فارغٌ، "كرَفان" عتيقٌ وقد نجد الدفءَ

في بيت قوّادةٍ، فنكرّمَ ابطالَنا

ونؤبّنَ احياءنا، ونجرّ على شرف القادمينَ

الى السوق بطْلَ عرقْ!

 

حين اكمل دورتَهُ في زحام الخميسِ، وودّعَ

ذاك النهارَ،

استدار، كمن يُكمِلُ الطقْسَ، حيّا الرداءةَ

في الجانبينْ،

وتناءي عن السوق يرجو استراحتَهُ في مكانٍ

يُسلّم فُيه بقيةَ أحزانهٍ.

 

نائما كان فوق الرصيفْ

وِشاحٌ من الصُفرة غطّى حقائقَهُ كلَّها

ما بدا خاسراً.

وجههُ قال لي:

قد ربحتُ حياتي وضيّعتُها، لا خسار" .

لم اقل أي شيءٍ،

مددتُ يديَّ الى وجهِهِ ومسحتُ الغبارْ...

 

 

 

غلاف المجلة

فاتحة اللحظة الشعرية

 

* 


خزعل الماجدي: لا أحد قرب قبري
ياسين طه حافظ: حياة عبد اللطيف الراشد وموته


*


ملف: محمود البريكان


محمد خضير: سُدم/ عوالم/تكوينات
عبد الكريم كاصد: الصوت الناصع
حسن ناظم: الشعرية المفقودة
علي حاكم صالح: في الطريق إلى البريكان
سعيد الغانمي: شعر البريكان، هواجس انتظار المصير
ناظم عودة: دوائر سود على بحيرة بيضاء
فوزي كريم: البريكان، احتفاء بالانسان وأشيائه الزائلة


*


حصاد المحرر: الشعر


الشعر الباحث أم الشعر المغير
الهجين الأمريكي
شعراء المحج الروسي
رومي
في لوديف

 

*

 

حصاد المحرر: تشكيل


الحديقة والكون
رياح التجريد الروسية
ريتشارد لونغ
نداء بالبل

 

*

 

حصاد المحرر: موسيقى


بروميثيوس
جريمة قتل في الكاتدرائية
ثلاثية دانتي الموسيقية

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

    All Rights Reserved 2007 - 2009