صادق طعمة: من العباسية إلى سومر فوتوغراف، ولوحات
اضغط على الصور لتكبيرها لطفاً
مرسم صادق طعمة (مواليد 1952)، وهو أخي الذي يصغرني سناً ببضعة
سنوات، على
أبرز ما في شخصه الاجتماعي طواعيتُه في الاستجابة،
وأبرز ما في رسمه انسحابه إلى الذاكرة. والذاكرةُ وحدها التي تغذي
مخيلته الفنية. كان يطمئن إلى ذكرى "العباسية"، محلة طفولته، صباه،
وأول شبابه. نهرها، زوارقها، نخلها، أبطالها هي عناصر لوحته على مدى
عقود. وحين يقفز بين حين وآخر إلى الحضارة العراقية القديمة، والسومرية
خاصة، لا يقفز كمن ينسحب إلى ذاكرته. فهذه الحضارة تنتسبُ لذاكرة
التاريخ، لا ذاكرة الفرد فيه. ولذلك يبدو مُغترباً داخل لوحته بصورة من
الصور. في مرحلة فنية أخيرة وفّق إلى حل يُرضيه. فذاكرته مع "العباسية" لا تخلو من لمسة طين، خزف، خرز ملون، لبِنات، أختام شذرية، وجوه جدّات، ألوان، متحجرات مائية، مياه، زوارق، شباك صيد، وأسماك. وفي عناصر محلة "العباسية" هذه تنام عناصر حضارة سومر قريرة العين إلى اليوم.
اللوحة لديه تستلهم الذاكرة كما قلت، وتستخدم مواد
متنوعة غير اللون على صفحة الكانفس: قماش القنّب، طين لاصق، ورق. ولا
يعتمد مركزية في اللوحة للتوازن، بل ينتفع من محاولة توفير الهارموني
بين الكتل التي تبدو متحركة داخل الإطار، وبين الألوان التي تشكل
خلفية، لا تقل حيوية وحركة. تلك الكتل وحدها التي يأتمنها الرسام لحمل
الموروث الشعبي، الملتحم مع الموروث السومري. فاللوح الطيني يحمل أسطر
النص المسماري، والرموز
في مطلع عام 1978 قرر صادق، خريج معهد الفنون
الجميلة، الهجرة عن البلاد التي تحاصره بحمى العقائد المتناحرة، وفقدان
الأمل. عدد من فناني أبناء جيله سافر، أو أعد العدة للسفر، إلى مدن
إيطاليا، راعية الفن. هو اختار دونهم انكلترا. آخر ما يمكن أن يخطر على
بال رسام شاب من بغداد، أو العراق. وبحفنة من دراهم، وعدة ثقيلة من
انعدام الخبرة، وبراءة النفس، توجه إلى
انتهت مرحلة الطالب الشاب مع مغادرته ليستر، ومجيئه إلى لندن، وزواجه، وعثوره على عمل دائم. ومع هذه المرحلة الجديدة بدأ استحواذ الذاكرة الشخصية على لوحته. وهذا يعني الاستنتاج البديهي التالي: إن الفنان دخل مرحلة محنة المغترب. الذاكرة الشخصية معبأة بماء دجلة والزوارق، والسابحين، وألعاب الصبا بالدشاديش المتربة. ولكن بهاءها لا شك يُخفي توقاً حبيساً إلى البعيد الذي لا يُطال، ولا يُنال. توق العراقي إلى العودة المستحيلة. ولعل بفعل هذه الاستحالة حلّت، كما قلت، مرحلة الذاكرة غير الشخصية، تلك التي تربط العراقي بجذور حضارته السحيقة، محل الذاكرة الشخصية. الحضارة السومرية على وجه الخصوص. الحضارة الطينية سريعة الزوال. ولقد كان صادق، وظل، حميم العلاقة معها لهوى في نفسه. إن شدة وقسوة المرحلة الآشورية لم تستهوه إلا بمقدار، ولكن سومر المعرفة، والقوانين، والشعر، والأسطورة، ظلت لصيقة ببشرته. اللوحات التالية في هذا المقال من المعرض الأخير الذي يقام في 3/5/2010 في:
Artspace Galleries 18 Maddox Street Mayfair , London W1S 1PL
www.artspace-galleries.com
|
|
|||||||
|