فوزي كريم 

Fawzi Karim

حكاية الفارس الأخضر: الشاعر القديم يستعيد صوته بعد 600 عام!

في مرحلة الشاعر الانكليزي تشوسر(1343-1400)، وفي الشمال، بعيداً عن بلاطه الملكي في لندن، ترك شاعر مجهول نصاً شعرياً حكائياً بالغ الشهرة تحت عنوان "السير غوَيْن والفارس الأخضر" Sir Gawain and The Green night. النص مكتوب بلغة القرون الوسطى العصية إلا على المتخصصين. ولكنه ينطوي على غزارة شعرية أغوت أكثر من شاعر حديث ومعاصر على محاولة استعادته باللغة الشعرية الحديثة أو المعاصرة. بضعة محاولات اعتمدت الترجمة النثرية، وأكثرها اعتمدت الشعر.

في الشعر قرأت محاولة ماري بوروف، المنتخبة في مختارات Norton الضخمة. والمقتطفات التي حاولها الشاعر تيد هيوز. ومؤخراً هذه التي أصدرتها دار Faber، بقلم الشاعر الناشط سايمون آرميتاج (مواليد 1963). وقبل أن أُعرّف بهذه الموهبة المثيرة في غزارة نشاطها وتنوعه، سأعرض للقصيدة الانكليزية المبكرة، التي تعتمد الحكاية الأسطورية في مملكة آرثر، ومائدة فرسانه المستديرة.

في بلاطه الملكي كان آرثر الشاب يحتفي بفرسانه في أعياد رأس السنة، ولأنه يتعجل المفاجآت المثيرة في إثراء نزعة الفارس فيه، دخل عليهم فارس أخضر اللون في البشرة واللباس والعدة، هائل بحجمه، غريب بتحديه، في أن يتبادل مع أحدهم ضربة فأس واحدة يبادرها أحدهم، وسيردها هو بعد عام. يندفع الملك آرثر ولكم ابن أخيه السير غوَيْن يندفع دونه، وبضربة واحدة يفصل رأس الفارس الأخضر، الذي يغادرهم برضا القانع، وهو يحمل رأسه بيده بوعد أن يلتقي غويْن في موطن إقامته الغامض بعد عام. وفي الموعد المقرر يغادر غوَيْن بحثاً عن الفارس المجهول في المكان المجهول. يصل وسط تجواله قصراً يستضيفه سيد غاية في النبل والكرم فيه. في الصباح يستبقيه السيد كي يستريح، ويخرج مع فرسانه الى صيد الحيوان. في أيام ثلاثة متواصلة كانت زوجة السيد تزور غوَين في غرفته وتحاول إغواءه بقبلة في الليلة الأولى، بقبلتين في الثانية، وثلاث في الثالثة، وهو يتمنّع أمانةً. وفي ساعة المغادرة تمنحه هدية على شكل حزام أخضر ادّعت أنه حزام الأمان من الموت. وإذ يهتدي غوَين، تحت رعاية أحد الأدلاء، الى مكان الفارس الأخضر يخضع لما اتفق عليه من استكانة لضربة الفأس، إلا أن الفارس الأخضر أبدى رأفة، ولم يخلف في جسد غوَين إلا جرحاً طفيفاًً. وهنا يعترف له بأن حكايته معه كانت مقصودة من أولها الى آخرها. فهو السيد المضيّف، وزوجته لم تفعل الذي فعلته إلا اختباراً. والحزام الأخضر من زوجته هو حزامه الخاص، ولا مناعة سحرية فيه. بل هو علامة ترمز للخطيئة، التي لا منجى للكائن الانساني منها. بعدها يعود غوَين الى مائدة آرثر المستديرة ليحكي للفرسان حكايته، وليقنع هؤلاء بأن يرتدوا معه الحزام الأخضر، أسوة بالإنسان الخاطئ حيث يكون.

الحكاية الشعرية، كما هو واضح، تعتمد منحى دينياً مسيحياً للأخلاق. ولكنها تعتمد السحر والأسطورة أيضاً، شأن معظم الحكايات عن الملك آرثر وفرسان مائدته المستديرة. على أن شاعرها يستهل الحكاية بالعودة الى حصار طروادة، وكيف أسس روميولوس روما، وتيسيوس توسكاني، وبروتوس بريطانيا. كُتبت القصيدة الأسطورية بين الأعوام 1375-1400، ولم تُبعث إلا في مرحلة متأخرة من عهد الملكة فيكتوريا. نصها الأصل في طبعة Penguin عصيّ بين يدي. ولكن الترجمات التالية أكثر من يسيرة. ونجاح محاولة آرميتاج لم يعتمد مزيدا من اليسر في القراءة حسب، ولكن مزيداً من المعاصرة في اللغة أيضاً. لقد انتفع هذا الشاعر الشاب من أرضية لهجته الشمالية، وحسّيتها. من وحشية الطبيعة البرية القلّب وانعكاساتها على الطبيعة البشرية. من طبيعة هاجسه اللغوي الشعري، الذي يعتمد الإيصات واللعب اللغوي. من أمهر مظاهر هذه الإصاتة استخدام ما يسمى بالجناس الاستهلالي (تجانس الحروف الأولى للكلمات).

Carolling and carousing and carrying on

هنا تبدو الدلالة رهينة الصوت الموسيقي. وبسبب ذلك تفترض القصيدة القراءة المصوّتة، لا الصامتة. لقد قرأت القصيدة التي تتجاوز الألفين والخمسمائة بيت من الشعر، موزعة على فصول أربعة، كمن يقرأ لمستمع مُنصت في داخله. القراءة المصوتة تنتزعُ المعنى الشعري الكامن في الكلمات والصور من تفاصيل السرد الحكائي. النص القديم يعتمد الايقاع الحاد الواضح، الأمر الذي اعتمده آرميتاج ولكن بتساوق مع الجناس الاستهلالي، الذي يشكل نبضات قلب القصيدة. وزن موسيقي مؤثر دون قافية متواترة، إلا في الأبيات القصيرة الأربع في ختام كل مقطع.

القصيدة ترصد بحسية عالية مسرات بلاط الملك آرثر بين السيدات وفاخر الطعام. وترصد بصورة أكثر تفصيلاً رحلات صيد الحيوان. وهي تذكر بطرديّات الشعر العربي، وخاصة طرديات أبي نؤاس وأراجيزه.

لمع اسم الشاعر سايمون آرميتاج مع أولى مجموعاته الشعرية Zoom، 1989. وأصبح أبرز أصوات حركة "الجيل الجديد". ومنذ بدأ انصرف الى التفرغ الكتابي، وصار يصدر كتاباً كل عامين، حتى بلغت مجموعاته الشعرية اليوم حوالى ثلاث عشرة مجموعة. الى جانب أربعة كتب درامية، وأربعة كتب نثر في الرواية والنقد. حصل على جوائز عديدة، وأسهم في إنجاز مشاريع إبداعية داخل حقل السينما، الراديو، التلفزيون ، المسرح، والأوبرا، الى جانب إسهامه في التدريس الجامعي.

آخر إنجازاته قبل "الفارس الأخضر" أنه أعد نصاً شعرياً دراميا من ملحمة الأوديسة (صدرت عن دار Faber أيضاً) بتكليف من مؤسسة BBC للراديو. وفي ترجمته الأخيرة هذه استطاع ـ بتعبير أحد النقاد ـ "أن يعيد للشاعر القديم المجهول صوته بعد 600 عامً".

 

 

(نشرت في الرياض 28/6/2007)

 

غلاف الكتاب

سايمون آرميتاج

 

يوميات

 

عن الإيمان بقوّةِ الحياة!

 

الجديةُ والإحاطةُ وما دونهما!

الاستدارة المذعورة، ولكن للمستقبل!

حفنة مسرات أوبرالية

قبلة فرانتشيسكا الدامية

تلك الورقة البائسة!

حكاية الفارس الأخضر

ستة مصابيح داخل دخان الحرائق

استحالةُ أن تحصل على كتابك المفضّل دون دليل؟

استعادة المنسيات

غجر بالاماس

 اعتماد الخبرة الداخلية في فن المقالة

رسالة الى "الشيوعي الأخير"

معنى الحوار بين القارئ والنص

في العتمة المضاءة من الداخل

بشارة الخوري

مسرّات الشرق القديم

 بي قارئ متحفز

شعراءالنهضة الاسبانية

شيمانوفسكي وغلاس

 

 

 

بورتريت    المؤلفات الشعرية     المؤلفات االنثرية     ترجمات     الموسيقى      الفن التشكيلي     حوارات     يوميات    اللحظة الشعرية    بريد الشاعر

English        French         Sweden       Poet's mail