العدد 14 لسنة 2009

 

قراءة

في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

                                       

عبد الكريم كاصد

 

 

 

    في منتصف الستينات شاءت الصدفة أن تجمعني بشعراء كثيرين في جامعة دمشق، أذكر منهم ممدوح عدوان، على كنعان، المرحوم فوّاز عيد، فايز خضّور، فاروق مردم، فؤاد نعيسه، وآخرين يكتبون الشعر هوايةً لا احترافاً، من بينهم القاص أنور يونان الذي جلب معه ذات مساء مجموعة (أحلام الفارس القديم) وقد صدرت توّاً، ليقرأه منفرداً، وقد استلقى على العشب في حديقة الجامعة إلى جوار بعض من ذكرتهم، لكن قراءته سرعان ما استحالت همهمة، ثم تلاوةً، ثم إنشاداً وسط صمتٍ غريبٍ لم يقطعه سوى خطوات بعض الطلاّب الذاهبين الآيبين في مساء الجامعة.. وعندما انتهى أنور عند الصفحة الأخيرة من المجموعة:

 

الإنسان الإنسان عبر

من أعوام

ومضى لم يعرفه بشر

حفر الحصباء ونام

وتغطّى بالآلام

 

"كانت الدموع ترقرق في عينيه".

    لا أزال أتذكر قراءته الحميمة لـ (أغنية الليل) ولا سّيما المفتتح الذي جعل منه الإنشاد مقطعاً منفصلاً عن القصيدة، ولو خيّرت الآن لوضعته تحت عنوان آخر كأنْ يكون "مفتتح" أو "استهلال" أو أيّ أسم آخر تمييزاً له عن بقية القصيدة، لا لأنه منفصل حقاً عن جسد القصيدة وإنما لحضوره الخاص ونبرته الشبيهة بأداء الكورس، وإفضائه الحميم، حيث يمتزج الصوت الشجي المفرد بصوت الكورس، فلا ينفصلان إلا في نهاية المقطع.

 

الليل سكرانا وكأسنا

ألفاظنا التي تدار فيه نقلُنا وبقلنا

الله لا يحرمني الليل ولا مرارته

وإن أتاني الموت، فلأمت محدثاً أو سامعاً

أو فلأمت، أصابعي في شعرها الجعدِ الثقيل الرائحة

في ركني الليليّ في المقهى الذي تضيئه مصابح حزينه

حزينة كحزن عينيها اللتين تخشيان النور في النهار

 

    ولو خيّرتُ أيضاً لبدأت بالمتن – إذا صحّ التعبير – حيث تبدأ القصيدة:

 

عينان سوداوان

نضّاحتان بالجلال المرّ والأحزان

فشالتا في كلّ يوم أسود ظلا..

 

    وحين اسأل نفسي من أين ينبع هذا الشجى، فلا أجد غير هذه الألفاظ التي يشبهها الصبور بالنقل والبقل، الدائرة هنا في ليل من الشعر لا السكر.. ألفاظ احتوت المعنى وشفّت عنه فاختلطت به كما يختلط الضوء بالضوء، والماء بالماء وأضفت عليه، بتكرار أحرفها الهامسة، شجىً سيتردّد طوال القصيدة:

 

تكرار السين والنون والكاف في "سكرانا وكأسنا"

القاف واللام والنون في "نقلنا وبقلنا"

اللام والراء والمدّ في "لا يحرمني الليل ولا مرارته"

الميم والنون والتاء في "وإنْ أتاني الموت فلأمت محدَثاً أو سامعاً"

العين في "أصابعي في شعرها الجعد"

الحاء والتاء والنون والهاء والراء في "مصابح حزينة كحزن عينيها اللتين تخشيان النور في النهار"

 

    هذا الجناس الناقص في البيتين الأوّلين، وهذا الجناس اللفظيّ – كما يسمّيه البعض من المحدثين والذي تقابله لفظتا "Alliteration  للحروف الصحيحة و Assonance  لحرف المد والعلة" في الشعر الإنكليزي – في الأبيات الأخيرة، أليس هما ما يميّز هذا المقطع، وموسيقاه الداخليّة، الجليّة للسمع، والتي تستمدّ نبرتها من أعماق القصيدة، وقد استحالت لفظاً ونغماً يختزنان المعنى!:

 

عينان سردابان

عميقتان موتا

عميقتان صمتا

فإن تكلّمتا

تندّتا تعاسةً ولوعةً ومقتا

 

    كأن القصيدة هنا تستأنف بدايتها ووحدتها، لا وحدتها في المعنى فحسب، وإنّما وحدتها اللفظّية أيضاً، حيث الحروف "النون والتاء والألف الممدودة الشبيهة بالصدى وما يلحق بها من تنوين" تؤدي الدور ذاته الذي أدّته في مفتتح القصيدة أو مستهلّها، لكنّ الأصداء هنا تتزاحم لتنكشف عن سرداب ودقّات ساعة بطيئة الخطى، ومعها يتزاحم المعنى وينكشف مستتراً كانكشاف سرداب أو مساء معتمين، فلا يزيدنا إلا غموضاً وتساؤلاً وحيرةً:

 

ينكشف السرداب حينما تدقّ الساعة البطيئة الخطى

معلنةً أنّ المسا قد انكشف

تقول لي العينان:

" يا عاهري المتوج الفودين بالحديد والحصى"

" يا ملكي الغريب الاسم المزيف السمات"

"أحببتُ فيك رؤيةً رأيتها منذ الصغرْ"

"وكان يشبهك"

"وليس أنت.. ليس أنت"

 

    من المتحدّث؟ من هو القناع؟ ومن هو الوجه؟ المرأة؟ أم الشاعر الذي أتخذ صورة المرأة؟ ومن هو الشبيه الذي تتحدث عنه المرأة؟ أهو الشاعر في طفولته أو يفاعته؟ أم هو شخص آخر؟ ومن أين للمرأة هذه الحكمة، إن لم تكن حكمة الشاعر الفاقد الملامح، المتواري في الظل، والذي لم نسمع صوته إلا في المفتتح ممتزجاً بصوت الكورس؟

 

"كان فتى حلمي جميلا، لا مزوّقاً"

"مثقفاً، لا ذرب اللسان"

"محتشماً، نبالةً في الطبع، لا خوفاً"

"وعاطفاً، ولا عاطفياً"

"يا عاهري،

            يا خدعتي،

                       يا قدري!"

"في الساعة الليلة الأخيرة"

"خذني إلى البيت، فإنني أخاف أن يبلّني الندى"

"تذوب أصباغي

                  ويبدو قبح وجهي"

 

     وإذ ينكشف ما هو معتم في القصيدة "السرداب، المساء، العينان" ينكشف معه ما توارى من وجوه خائفة من انبلاج الفجر، ويبدو قبح الوجه المكسوّ بالأصباغ شارة لوجوه أخرى، دون أن ينكشف السرّ عن هذه الوجوه التي اختلطت فما عادت هي ذاتها تعرف هويتها.

    في "حياتي في الشعر" يقول الصبور "ويبدو لي الآن أنّ محك الكمال في بناء القصيدة هو احتواؤها على ذروة شعريّة، تقود كلّ أبيات القصيدة إليها، وتسهم في تجلياتها وتنويرها. وهي ليست ذروة بالمعنى الذي نجده في دراما. وإن كانت تحتوي عنصراً دراميّاً، ولكنها أقرب ما يكون إلى ما اصطلح العرب على تسميته "بيت القصيد". وما الاختلاف في الأبنية إلا اختلاف في مكان الذروة من القصيدة. ربّما كان أيسر الأبنية الشعرية هي ما جاءت به الذروة في نهاية القصيدة "38" ، ثمّ يستشهد بقصائد لكفافي ولوركا وجاك بريفير، ويعلق ثانيةً:

    "وحديثي عن الذروة هنا لا ينفي إمكانيّة التقسيم التي أرادها الناقد الصديق – يقصد الدكتور عزّ الدين إسماعيل -  ولكنّه جدير بأن يضيف إليها ملمحاً جديداً، فما زلتُ أؤمن معه بأن هناك تشكيلاً دوريّاً ترد فيه ذروة النهاية على فاتحة البدء، وتندمج فيها ليصنعا قصيدة دائرية"49، غير أن ذروة النهاية في هذه القصيدة (أغنية الليل) لا تردّ على فاتحة البدء – كما تمنّى الصبور – بل تردّدها محقّقةً ما أراده من مصطلح "قصيدة دائرية":

 

وتصمتُ العينان، ترجعانْ

عميقتان صمتاً

غريقتان موتاً

 

    ومثلما بدأت القصيدة بمفتتح انتهت بخاتمة هي صوت الكورس ثانية، فلا ذروة هنا سوى أصداء بدأت بها القصيدة وانتهت أيضاً، ليبدأ مقطع آخر شاءت غريزة الشاعر "التعبير للصبور" أن يكون تعليقاً آخر.. صوتاً للشاعر أيضاً ونشيداً  للكورس، مردّدا عودة الليل، ثوب الشاعر وخبائه ووحدته.

 

وتصمت العينان، ترجعان

عميقتان صمتا

غريقتان موتا

الليل ثوبنا، خباؤنا

رتبتنا، شارتنا، التي بها يعرفنا أصحابنا

"لا يعرف الليل سوى من فقد النهار"

 

    ولو خيّرتُ، أخيراً، لفصلت هذا المقطع من القصيدة للأسباب ذاتها التي ذكرتها عند حديثي عن المفتتح، ولتوقّفت عنده لإسدال ستارة القصيدة، لأنّني لا أرى مبرراً فنيّاً لإضافة مثل هذه الأبيات إلى القصيدة التي اكتملت، فهي خارج تجربة الشاعر في القصيدة، لا تجربته في الحياة – ربّما – وما أنأى المسافة بين التجربتين وما أقربهما!:

 

هذا شعارنا

لا تبكنا أيّها المستمع السعيد

فنحن مزهوون بانهزامنا                               

 

 

استذكارات

 

                  إلى صلاح عبدالصبور

 

 

قلتَ لي مرّة:

"عند حيّ الحسين اللقاء"

وكنتَ بعيدا

              بعيداً

                   بعيداً

وحين التقينا بحيّ الحسين

عجباً...!

لم نقل أيّ شئ

 

*

 

من شقتك المكتظة

لا أتذكر أبداً

غير رفوف الكتب المصفوفة في الجدران

وتلك السوق الممتدة حتى البوّابة

وهي تضجّ بخضرتها في ذاكرتي

وتضئ

 

*

 

لعليّ الجنديّ

صديقان

هما

أنا وأنت

 

لعليّ الجنديّ

عدوّ واحد

أ أنا

أم أنت؟

 

*

 

صوتك الهامس

كم ينذر بالرعب

 

 

الغلاف

افتتاحية

*

محمـد طالب : الظمــأ

شيركو بيكه س : 12  قصيــدة

طالب عبد العزيز : القصـــر

نصير فليّح : 4 قصائــد

معتز رشدي : أغنيــة صغيرة

 ياسين طه حافظ : 5 قصائـــد

فوزي كــريم : ثلاث قصائــد

*

سركون بولص : بغداد مركز أحلامي

ستيفن دوبينس : ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية

فوزي كريم : الشعر العراقي: بانوراما

ناظم عودة : السيّاب الخيال المأساوي

*

 محمد خضير : شاعر باصــورا

حسن ناظم : انطباعات عن أيام خلت

عبد الكريم كاصد : قراءة في "أغنية الليل" لصلاح عبد الصبور

 طالب عبد العزيز : القصر

محمود النمر : الدرويش والمتاهة

زهير الجزائري : طفولة الحداثة الشعرية

*

حاضر الموقف النقدي : من المتنبي

حاضر الموقف النقدي : في قصيدة النثر

حاضر الموقف النقدي : في النص المفتوح

حاضر الموقف النقدي : في الفن التشكيلي

*

كريستوفر مدلتون: بعد الثمانين

معرض تشكيلي لشاعر الصمت

مقابلات مع شيموس هيني

القوى الغنائية

معرض رياض نعمة

مقالات نقدية في الشعر المعاصر

نعومي شهاب : شاعرة الحياة اليومية

ويندهام لويس : الرسام أم الكاتب؟

*

الشعر السويدي اليوم قصائــد مختارة: ترجمة جاسم محمد و إبراهيم عبد الملك

الشعر السويدي: ترجمة ابراهيم عبد الملك

 

 

موقع الشاعر فوزي كريم      الصفحة الأولى         اعداد سابقة         بريد المجلة

  ©  All Rights Reserved 2007 - 2009